“أخذوا كل شيء”… النظام السوريّ
يصادر ممتلكات معتقلين لتغذية الخزينة والشبيحة

"قبل الثورة كان لدينا 10 آلاف متر مربع من الأرض وكنا نملك منزلاً مساحته 750 متراً مربعاً. لقد منح النظام نصف أراضينا للجيش الإيراني وسيُعرض النصف الآخر قريباً للبيع في المزاد العلني".

لم يعلم محمد يوسف كفر جومي، من مدينة إدلب، حين اعتُقل في بداية الثورة السورية أنه سيخرج ليجد أن النظام قد صادر كل ممتلكاته، بما فيها مصنع الخياطة ومنزله. يقيم محمد اليوم في مخيم الأمل في مدينة أريحا، فَقَدَ كل شيء حرفياً كما بترت قدمه أثناء قصف النظام السوري بعد خروجه من السجن.

أساليب استيلاء النظام السوري على ممتلكات المعتقلين

قالت صحيفة “الغارديان” في تقرير نشرته بالتعاون مع رابطة “معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”: إن النظام السوريّ وضع يده على مليار و538 مليون دولار أميركي، ويقدر أن أكثر من 32 مليون دولار من الأصول تمت مصادرتها من المعتقلين في سجن صيدنايا وحده في عام واحد، وتشمل المصادرات بالدرجة الأولى المنازل والأراضي والممتلكات، إضافة إلى السلع المادية كالسيارات والمفروشات المنزلية والنقدية وأرصدة البنوك والأجهزة الإلكترونية والمجوهرات والمعدات الزراعية والبضائع التجارية، ولم تنجُ المواشي ولا حتى الطيور من مصادرات النظام.

محمد يوسف كفر جومي واحد من آلاف المعتقلين الذين استولى النظام على ممتلكاتهم، بدأً من سيارته، فبعد اعتقاله بأربعة أيام صادر فرع الأمن السياسي في إدلب سيارته الخاصة واستخدمها العناصر في اعتقال الناس، باعتبارها سيارة مدنية لا تثير الشكوك، وآخر ما سمعه عن سيارته أنها احترقت في إحدى المداهمات.

حُكِمَ على محمد لاحقاً بالسجن 15 عاماً، بتهمة النيل من هيبة الدولة وزعزعة الأمن القومي، إلّا أنه لم يعرف مدة محكوميته الحقيقية، إلا بعد 4 سنوات أمضاها في السجن، إذ وصلته قائمة ضرائب مستحقة بقيمة 7000 دولار، فُرِضت على مصنعه المؤلف من 48 مكنة خياطة، لتصادر لاحقاً المحكمة الميدانية أملاكه، وكان أولها المصنع، لتخبره زوجته في إحدى زياراتها له لاحقاً أن النظام صادر منزلهم في مدينة أريحا.

ليست هذه الخسارات الوحيدة لعائلة محمد، إذ كان والده ضحية النصب والاحتيال من قبل ضباطٍ في الجيش السوري ودفع مبالغ ضخمة، محاولاً إخراج ابنه أو تخفيض حكمه على الأقل، من طريق سماسرة، وعلى رغم دفعه نحو 11 ألف دولار، إلا أنه لم يفلح في إخراجه. 

خرج محمد من السجن عام 2018 بعد حذف ثلث المدة في عفوٍ رئاسي عام 2014 وسلسلة من الأحكام القضائية المخففة الأخرى. يختتم محمد حديثه لـ”درج” قائلاً: “عانى كثيرون مثلنا، نحن لا نبحث عن الانتقام، لا أبداً، نحن نبحث عن الحقيقة لإيصال أصواتنا ومعاناتنا إلى الخارج”.

مصادرة الأملاك لمعاقبة للمعتقلين

استولى النظام السوري على ممتلكات المعتقلين حتى قبل الثورة، إلا أنه بعد الثورة زادت هذه المصادرات، بخاصة للمعتقلين العسكريين. صودرت الأملاك بموجب قرار الحكم بحقهم، لكن كثيرين ممن لم تصادر أملاكهم بموجب قرار الحكم فوجئوا لاحقاً بوجود قرارات رسمية بالحجز على ممتلكاتهم.

وبحسب التقرير زودت مصادرة الأصول النظام بدخل ثمين، كما استخدمها كتكنيك أيضاً لمعاقبة الناجين من الاحتجاز حتى بعد الإفراج عنهم. وجد كثر ممن أُطلِقَ سراحهم أنفسهم بلا مأوى أو فقراء بمواجهة تحديات مالية كبيرة.

“قبل الثورة كان لدينا 10 آلاف متر مربع من الأرض وكنا نملك منزلاً مساحته 750 متراً مربعاً. لقد منح النظام نصف أراضينا للجيش الإيراني وسيُعرض النصف الآخر قريباً للبيع في المزاد العلني”، يقول طارق إبراهيم (اسم مستعار)، الذي اعتُقِل وعذّب في سجن صيدنايا، كما هربت زوجته وابنتيه إلى السعودية بعد تلقيهن تهديداً من النظام. بعد خروجه هرب طارق إلى تركيا، وهو اليوم لا يملك أوراقاً ثبوتية أو عملاً أو أي حقوق أخرى. تم تجريد النسبة الأكبر من المحتجزين من جميع حقوقهم المدنية والعسكرية.

إقرأوا أيضاً:

“تم القضاء على أي مجتمعات تجرأت على مواجهة الاضطهاد. إنه عقاب لكل المعارضين… لقد أخذوا كل ما لدينا”. يقول الضابط السابق أسامة الشيخ حامد، والذي اعتقل عام 2011 لرفضه إصدار أوامر بفتح النار على المدنيين في جسر الشغور.

مصادرة الممتلكات هي خطوة ضمن خطة النظام لتقويض أي أمل أو قوة لمعارضيه. هذه الإجراءات التي اتخذها من قتل وتعذيب وتهجير، وصولاً إلى مصادرة الممتلكات تأتي في الدرجة الأولى ضمن خطة سعيه إلى القضاء حتى على المعارضة المستقبلية، فكيف للسوريين المهجّرين أو الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية، أن ينتفضوا مرة أخرى في وجه الديكتاتور؟

يقول حسن من حلب بعد خروجه من السجن: “لم يكن هناك شيء لأعود إليه. عندما سيطر النظام على قريتنا هدم كل شيء. هدم منزلنا وقطع جميع أشجار الزيتون وباعها. لقد احتفظ بأرضنا واستخدمها في الزراعة لكسب المال لجيبه”.

أهمية التقرير وتوصياتٌ إلى أهالي المعتقلين

لا يقدم التقرير الحجم الهائل لمصادرات الممتلكات وحسب، بل هو إشارة خطيرة لما يعانيه المعتقلون والحاجة إلى تدخل المجتمع الدولي بما يتعلق بالمعتقلين والمغيبين قسراً في سوريا وتحميل نظام الأسد المسؤولية عن مصادرة أصول المعتقلين بشكل غير قانوني لمصلحته الخاصة. 

يخلص التقرير إلى حاجة المعتقلين والناجين وعائلاتهم إلى العدالة، والتي يجب أن تستند أي خطوات نحوها إلى تطلعات واحتياجات الضحايا وأفراد أسرهم بالدرجة الأولى، وعلى المجتمع الدولي إدراك أن مصادرة أصول المحتجزين هي إحدى الطرائق التي يتحايل بها النظام على العقوبات، فما معنى عقوبات قانون قيصر على النظام السوري، في حين يحصل على أموال السوريين  بطرائق غير شرعية؟ وهو في الوقت نفسه ينعم بعودة علاقاته مع الدول العربية، ما يجب أن يدفع المجتمع الدولي إلى مراجعة مدى فعالية هذه العقوبات، والتي لا تؤثر في النهاية سوى في وضع السوريين المعيشي في الداخل.

بحسب مؤسس “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” الناشط الحقوقي دياب سرية، فإن التقرير يسلط الضوء بشكل أساسي على ارتباط سياسات الاعتقال بإجراءات عقابية أخرى بهدف القضاء على آخر آمال المعتقلين بالتعافي واستعادة حياتهم مجدداً.

يقول سرية: “النظام يمر بأزمة مالية خانقة، ولا يملك مصادر للحصول على الأموال، ومصادرة هذه الممتلكات من خلال المحكمة الميدانية، تفيد الخزينة العامة، على أن يوزع قسم من الغنائم على الشبيحة والمخابرات، الذين نهبوا الأثاث أو المجوهرات الذهبية وغيرها من الممتلكات”، مشدداً على “ضرورة تسليط الضوء على معاناة المعتقلين الاقتصادية، فإضافة إلى الموت والتعذيب والصدمات النفسية التي عانوها، لقد قضى النظام على آخر فرصة للعودة إلى حياتهم”.

يُختتم التقرير بمجموعة من التوصيات الرئيسية والمهمة لأهالي المعتقلين والمختفين قسراً لاتخاذ إجراءات لحماية ممتلكاتهم وميراثهم. يمكن القيام بذلك من طريق تقسيم الأصول المالية بين أفراد الأسرة وتسجيل الممتلكات بأسماء الأطفال مقدماً، كما ينصح بالحصول على نسخ من وثائق التسجيل العقاري للممتلكات وغيرها من الوثائق الرسمية، أما بالنسبة إلى الأراضي الزراعية، إضافة إلى مستندات التسجيل العقاري، فيجب الحصول على خطة مسح للعقار ونسخ من قرار عرض قطعة الأرض للاستثمار لتحديد ربحية العقار.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني