مليارات عراقية “محتجزة” في لبنان:
أرصدة عائلة صدام حسين وحسابات السلطة الجديدة

الرقم الدقيق لحجم المبالغ العراقية المرتبطة بنظام صدام حسين المحتجزة في المصارف اللبنانية موجود فقط لدى رياض سلامة ولدى النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم.

الخبر يقول إن “ملايين الدولارات من عائدات نفط إقليم كردستان- العراق محتجزة في لبنان”. وهو يستند إلى تقرير نشرته شركة “ديلويت” الدولية للتدقيق حول صادرات نفط الإقليم للعام 2021، وفيه ملاحظة (رقم 10) تفيد بـ”إعادة تصنيف مبلغ وقدره 310 ملايين يورو سبق أن دفعها مشترٍ واحتفظ بها في حساب ضمان في حساب مصرفي في لبنان كدفعة مقدّمة. لم يتم الإبلاغ عن هذا المبلغ حتى الآن في صافي الحركة في أرصدة حساب المشتري أو الرصيد الإجمالي المستحق من حكومة إقليم كردستان… ولم يتم الإفراج عن الأموال إلى حكومة إقليم كردستان بعد”. وتضيف الملاحظة العاشرة من التقرير أن “البنوك في لبنان تواصل تقييد حركة العملات الأجنبية خارج البلاد”، كما يكشف التقرير عن وجود مبلغ آخر من عائدات نفط اقليم كردستان محتجز في أحد المصارف اللبنانية ويبلغ 294 مليون دولار أميركي.

نتحدث هنا عن رصيدين في حسابين مصرفيين فقط، من أصل عشرات، بل ربما مئات الأرصدة التي تعود إلى رجال أعمال عراقيين ومسؤولين سياسيين وأموال عامة عائدة للدولة العراقية عالقة في المصارف اللبنانية. وهذه الأموال يقدّرها مصدر حكومي التقى به فريق “درج” أثناء زيارته العراق لمتابعة ملف “وثائق إريكسون”، بـ17 مليار دولار، ويقول المصدر إن من بينها ملياراً و300 مليون دولار تعود للحكومة العراقية عالقة في المصارف اللبنانية. 

بيان لعائدات النفط في إقليم كردستان العالقة في المصارف اللبنانية كما نشرته حكومة الإقليم

لا نعرف على وجه الدقّة ما إذا كانت أموال عائدات نفط اقليم كردستان محسوبة ضمن هذا المبلغ (مليار و300 مليون دولار)، لكن الأكيد أن المبلغ الاجمالي الهائل للاموال العراقية العالقة في لبنان (17 مليار دولار) يتوزع بين أموال مجمّدة بفعل العقوبات الدولية (أموال صدام حسين وعائلته)، وأموال أخرى تعود لرجال أعمال عراقيين قرروا الاستفادة من السرية  المصرفية اللبنانية لتخبئة أموالهم، وكثير منها قد يكون موضوع مساءلة داخل العراق نفسه. وطبعاً لا يخلو الأمر من أموال “نظيفة” أخطأ أصحابها في وضع ثقتهم بالنظام المصرفي اللبناني، فخسروا أموالهم على غرار المودعين اللبنانيين. 

في 22 آذار/ مارس الماضي، تقدمت الدائرة القانونية لمجموعة “الشعب يريد إصلاح النظام” بإخبار أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، وذلك “ضد كل من يظهره التحقيق من المصارف والأشخاص المعنويين والطبيعيين بجرائم الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وإساءة الأمانة ومخالفة أحكام قانون النقد والتسليف ومخالفة القرارات الإدارية وذلك على خلفية ما يعرف بأموال الرئيس صدام حسين المجمدة والتي تقدر بمليارات الدولارات. هذه الأموال، بحسب المجموعة “تم وضعها في مصارف لبنانية بأسماء موالين للنظام العراقي السابق بعد غزو الكويت عام 1990 وصدور قرارات دولية حاصرت العراق على جميع المستويات ومنها القطاع المصرفي، وقد توافرت معلومات عن استعمال هذه الودائع في العمليات المصرفية في لبنان ثم تبخرت بفعل الأزمة التي ضربت القطاع المصرفي في لبنان”.

المحامي حسن عادل بزي تابع هذه القضية مع مجموعة “الشعب يريد إصلاح النظام”، وبحكم توكيله من قبل أحد العراقيين المحتجزة أموالهم في لبنان، لمحاولة استعادتها، وهو يمتلك معلومات وتفاصيل وأرقام حسابات تثبت وجود أرصدة له في عدد من المصارف اللبنانية تزيد على 300 مليون دولار. يقول بزي لـ”درج” إن التقديرات تتحدث عما يزيد على ستة مليارات دولار لما يسمى “أموال صدّام”، و”الداتا” الخاصة بهذه الأموال موجودة لدى هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان التي يرأسها الحاكم رياض سلامة. وبالتالي الرقم الدقيق لحجم المبالغ العراقية المرتبطة بنظام صدام حسين المحتجزة في المصارف اللبنانية موجود فقط لدى رياض سلامة ولدى النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، المطّلع عن كثب على الملف. وهذه الأموال محتجزة في المصارف اللبنانية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة يمنع التصرف بها. بمعنى آخر يلزم القانون المصارف بالإبقاء على هذه الأموال “كاش” في خزائنها، وعدم استثمارها من ضمن أموال المودعين. لكن خلال التحقيقات التي أجرتها القاضية غادة عون مع عدد من المصارف تبين أن الأموال النقدية بالعملات الأجنبية بما فيها الأموال العراقية”تبخّرت” مع بقية أموال المودعين وأن المصارف تصرفت بها واستثمرت فيها لمدة تزيد على 25 عاماً.

قضية الأموال العراقية المحتجزة في لبنان أثيرت خلال زيارة الوفد العراقي الأخيرة إلى بيروت، خصوصاً مع الحديث عن مساهمة عراقية في إعادة إعمار مرفأ بيروت، وهو ما استهجنه عراقيون يرون أن حكومتهم مقصّرة في إعادة إعمار المناطق التي دمّرها “داعش”، وفي الوقت نفسه تتنطح للمساهمة في إعمار مرفأ بيروت. لكن خبراء اقتصاديون رأوا ان مصالح العراق في إبقاء علاقة جيدة بلبنان، عبر هذه المبادرة، تأخذ بعين الإعتبار الأموال العراقية المحتجزة في المصارف اللبنانية.

“درج” سأل الخبير الاقتصادي العراقي همام الشماع عن معلوماته حول أموال عراقية محتجزة في لبنان، فتحدّث عن متابعته قضية أرصدة تتعلق بـ”بنك كردستان” حصراً، وهي عالقة في ثلاثة مصارف لبنانية، وتبلغ 40 مليون دولار أميركي. وهذا المبلغ يعتبر صغيراً مقارنة بالمبالغ التي يتحدث عنها المصدر الحكومي الذي التقاه فريق “درج” في بغداد، والبالغة 17 مليار دولار.

صحافيون عراقيون التقيناهم خلال زيارتنا العراق، تحدثوا عن أموال بملايين الدولارات مرتبطة برئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي عالقة في المصارف اللبنانية. فيما قال أحد الصحافيين إن بحوزته معطيات عن تحويلات مالية لاتباع المالكي إلى لبنان منذ عام 2015 وحتى الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019، لشراء فلل وأراضٍ ومنازل وعمارات وفنادق في لبنان، لمحاولة إخراج أموال و”تبييضها” خوفاً من العقوبات الأميركية. لكننا لم نستطع التأكد بشكل قاطع من هذه المعطيات.

كما علم “درج” أن رغد صدام حسين، ابنة الديكتاتور العراقي المخلوع كلفت أحد المحامين في بيروت بمتابعة أموال تفوق المليار دولار باسم زوجها حسين كامل الذي قتله النظام العراقي عام 1996، وبعض هذه الحسابات موجود في “بنك لبنان والمهجر”. لكن المصرف بحسب ما أكد أحد محامي رغد لـ”درج” أنكر وجود الأموال. المحامي الذي تحفظ على ذكر اسمه أكد أن عائلة حسين كامل لا تمتلك اي مستندات لإثبات وجود هذه الأموال، خصوصاً أن رغد هربت من العراق مع الغزو الأميركي عام 2003، لتستقر بعدها بين الأردن والإمارات. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني