العراق: عن استاذ حطّم أسنان طفل
لأنه لم يحفظ آية قرآنية

"خوفاً من تسويف القضية وضمها بين أوراق الوزارات والمراكز، اتصلت بنفسي بسكرتير وزير التربية لاطلاعه على الأمر، فاصدر وبعد ساعات قليلة، قراراً بسحب يده من التعليم حتى ظهور نتائج التحقيق". 

كان يوماً عادياً بالنسبة إلى الطالب في المرحلة الابتدائية مسلم عقيل عبد الحسن، في صفّ دراسي عادي، لا يتطلب الكثير من الحفظ والتعقيد، على ما افترض الصبي الصغير. الصف كان لمادة التربية الإسلامية، والاستاذ جديد ومنقول حديثاً من مدرسة أخرى. وما ان علم المدرس الجديد أن بعض الطلاب لم يحفظوا آية قرآنية ضمن المنهاج،  بدأ “طقوسه التدريسية” معهم، الا وهي الضرب ثم الضرب والضرب المبرح، دون هوادة أو رحمة. ضرب جميع الطلبة في الصف، وقام بتعنيفهم، حتى وصل إلى مسلم عقيل، وقام بالاعتداء عليه بوحشية أدت إلى تحطيم ثلاثة من أسنانه! 

“احبس دموعك أو أضربك” 

والدة الطفل، تقول لـ”درج” إن ابنها البالغ من العمر 11 سنة، حينما تلقى الضربة الأولى من معلمه، صرخ من الوجع، فهدده المعلم بضربه من جديد في حال لم يسكت، “حبس ابني وجعه حتى نهاية الحصة الدراسية، حين اكتشف أن الدماء تملأ فمه، إذ كان يحاول إبقاء فمه مغلقاً طوال الوقت، كي لا يعيد المعلم ضربه، وما أن فتح فمه، حتى سقطت ثلاثة أسنان كان ضرب المعلّم قد حطمّها”. 

لم يكتف المعلم المعنّف، بترك هذه الآثار على وجه مسلم وحده، إذ ضرب اكثر من عشرين طالباً، أحدهم ضربه على عينه، والآخر على ساقيه، ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، اذ تبين ان لهذا المعلم “سوابق” ونقل إلى هذه المدرسة الجديدة كعقوبة، ولم تمض أيام خمسة على وجوده في مدرسته الجديدة، حتى انهال بوحشيته على الصغار. 

توضح الأم، وهي معلمة أيضاً في مدرسة اخرى، أن ابنها اصيب بصدمة لدى عودته الى البيت، لم يكن يتحدث أو ينطق بشيء، كان قميصه ملطخاً بالدماء، “أخذته مباشرة الى الطبيبة، التي أكدت أن هذه الأسنان لم تعد صالحة لتبقى في فمه، فقامت بقلعها تباعاً، كانت دموعي تحاول معرفة السبب الذي جعل ابني بهذا الحال، فهو طالب مجتهد، وصالح، ثم عرفت من قريبتي، ان معلمه فعل ذلك”.

بدأت ام مسلم محاولة معرفة ما حصل مع ابنها الذي بقي منزوياً، يكره الدراسة والمدرسة وهو غير قادر حتى اليوم على التوجه إلى مكان “الجريمة” (المدرسة). وروى لها الطفل أنه وبعد “حفلة” الضرب هذه، قام الطلبة بالاعتذار من المعلم، بطلب من المدير، الذي بدوره، رفض أي شكوى الأهالي، بحجج سطحية وواهبة، إذ برر المدير شناعة فعل المعلم طالباً من الأهالي التنازل، بسببين، أولهما، أن الأستاذ المعنّف محروم من الأبوة، فيعاني مشكلات نفسية تجعله قاسياً مع الطلبة، والثاني هو “سمعة” المدرسة المهمة بالنسبة إلى المدير بطبيعة الحال!

حاول المدير دفع الأهالي إلى التنازل عن شكواهم بحق المدرسة، باستثناء والدة مسلم التي رفضت الصمت: “فكرة أن أشاهده مضروباً، واسكت، هو أسوأ ما يمكن أن أقدمه لطفلي، قدمت الشكوى الأولى في المدرسة، ولم ألق أي اهتمام من قبل المدير، فقمت بتقديم شكوى في مديرية التربية، ثم في مركز الشرطة، ولن أتنازل عن حق ابني”.

واجهت الأم صعوبة في نقل الشكوى، فلا أحد يهتم بهذا الموضوع، وقد قوبل بالسخرية والضحك من قبل جهات عدة، وكان الجواب “كلنا انضربنا من معلمينا”، إذ تبدو مسألة ضرب المعلم طلابه أمراً بدهياً وعادياً وطبيعياً في العراق! 

بعد ذلك، تمكنت إحدى الناشطات من نشر القضية على مواقع التواصل الإجتماعي لتثير ضجة حولها، بعدما قامت بإرسال صور الطالب وقصته الى الوكالات العراقية والصفحات الكبيرة، ولم تر أي اهتمام بالموضوع، تقول لـ”درج”، “كانوا ينتظرون أن يصبح الموضوع تريند حتى يتداولوه، من أجل اللايك والتعليق، لا أكثر، وهذا ما اكتشفته وصدمني، وبعضهم يخشى الملاحقات القانونية، فامتنع، حتى وافقت احدى الصفحات الكبرى على نشر قصته، ليتم تداولها سريعاً وتصل إلى وزارة التربية، التي بدورها سحبت يد المعلم وأمرت بتشكيل لجنة تحقيق لمحاسبته”.

انقسام عراقي حول العنف

انقسم المجتمع العراقي بين من اعتبر الضرب أمراً عادياً وجزءاً من التربية، كما تفاخر البعض بالضرب الذي تلقاه لأنه جعله مهندساًأو طبيباً… فيما استنكر آخرون الضرب في المدارس الذي ما زال منتشراً في غياب أي حلول حقيقية. 

المتخصصة بالعلاج النفسي سرور عبد الاحد تقرأ في تعليق هذا الرجل وأمثاله، واستخفافهم بما كان يحدث معهم من تعنيف، وقبوله على الاخرين، نوعاً من أنواع الاضطراب النفسي، اذ اعتاد العراقي عموماً على العنف، وجر هذه الممارسات وجعلها طبيعية، حتى في المدارس، فاصبحت جزءاً من هويته الفردية: “قبول هذا التعنيف، من قبل ذوي الطلبة مشكلة كبيرة، فمن يرضى على ابنه أن يتلقى الصفعات بحجة التعليم من معلمه، سيوجه لابنه ضربات اخرى في المنزل، وفي الشارع، وهكذا، حتى ينضج الصبي على حكاية الضرب الطبيعية ويصبح مثلهم ببساطة”.

حتى الطلبة المشاكسون والفارون بشكل مستمر من صفوفهم، خلفيتهم التربوية كانت سيئة، وتعامل المعلمين معهم، من مسببات تمردهم، بحسب عبد الأحد: “ماذا سيفعل الطالب إذا وجد معلماً جيداً يهتم به وحريص عليه؟ جميعنا نتذكر معلمينا الطيبين وفي المقابل نكره دروس المعلمين القساة”. 

محامون يتابعون قضية مسلم 

المحامي نذير عيسى تبرع لدعم مسلم وقضيته وهو يحاول مساعدة الصبي وأمه بأي وسيلة. يؤكد انه تم تحريك اول الدعاوى القضائية، وفق إحدى مواد القانون العراقي التي تنصّ على أنه “إذا كان الاعتداء يشمل كسر العظم، أو الامراض النفسية او عاهة مستديمة يسجن المعتدي من 7 سنوات إلى 15 سنة، او يدفع كفالة مادية، او كليهما، موضحاً لـ”درج” انه تمكن من رؤية الصبي الذي كان يمر بوضع نفسي سيئ للغاية، إذ إنه غير قادر على الحديث أو التواصل بسبب أسنانه. 

الخطوات بدأت، بعدما تحرك عيسى مع ثلاثة محامين تبرعوا كذلك للدفاع عن الصبي، نحو مديرية تربية الرصافة الاولى، وتم التجاوب والتعاون بشكل مسرع، ثم تم تحويل القضية للجنة الانضباط، ثم إلى مركز الشرطة: “خوفاً من تسويف القضية وضمها بين أوراق الوزارات والمراكز، اتصلت بنفسي بسكرتير وزير التربية لاطلاعه على الأمر، فاصدر وبعد ساعات قليلة، قراراً بسحب يده من التعليم حتى ظهور نتائج التحقيق”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني