قانون يجرّم التعذيب في سوريا… هل يعاقب نظام الأسد نفسه؟

لن يشعر السوريون بالاطمئنان بسبب قانون تجريم التعذيب، فما زالت الذاكرة تغصّ بالصراخ والخوف والتوسل، وينتابنا الرعب والخشية من أن يعني قانون تجريم التعذيب ببساطة، المزيد من الوحشية، المزيد من القتل…

أصدر النظام السوري قانوناً لتجريم التعذيب، يفرض عقوباتٍ تتدرج بحسب خطورة الجرم حتى تصل إلى الإعدام! هل على السوريين أن يفرحوا؟ وعلى الأمهات الزغردة؟ هل نحتضن بعضنا بعضاً من شدّة الفرح؟ ماذا عن المعتقلين والمغيبين قسراً، هل سيخبرهم النظام أن التعذيب بات ممنوعاً؟ 

إذاً ما سيفعل كلّ المجرمين والجلادين والسجانين بعد اليوم؟

تعذيب النظام السوريّ لا ينتهي

“علقوني من قدميّ لساعات، كنتُ عاجزاً تماماً وتمنيت الموت”، يقول عمّي، بينما أراقب آثار التعذيب على جسده، أظافره التي عادت للنمو حديثاً بعد اقتلاعها، أعرفُ التعذيب في سجون الأسد من أخبار عمي، الذي نجا بطريقة ما قبل سنوات، ساعده مرة طبيب من مدينة درعا على العودة إلى الحياة بعد جلسة تعذيب وحشية، نجا عمي من المعتقل لكنه لم ينجُ من الألم النفسيّ الذي يرافقه حتى اليوم. تعذيب نظام الأسد المعتقلين لا ينتهي، واسع النطاق ولا يستثني أحداً، اختبرتْ معظم العائلات السوريّة تجربة تعذيب أحد أفرادها أو معارفها.

يصدر نظام الأسد قانوناً ضد التعذيب بما يتوافق مع “أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب” التي صادق عليها، بينما لا يزال آلاف السوريين يقبعون في سجونه ويتعرضون للتعذيب بشكل ممنهج. يشكّلُ التعذيب جوهر النظام السوريّ وأساسه، تُبنى بعض الأنظمة على الكذب وبعضها على الديموقراطية وأخرى على إيهام شعوبها بأنها تعيش في سلام وازدهار، وقد شيّد النظام السوريّ نفسه على أجساد السوريين وآلامهم، ازدادت قوته لأن سوطه لا يرحم، صنع محبةً زائفة من شعب خائف، واليوم إذ يجرّم النظام التعذيب، ويضع عقوبات رادعة له فهو لا يفعل ذلك سوى لتذكير السوريين بجلادهم الذي يملك السلطة لليوم، وليهزأ من آلاف العائلات الملوعة بغياب أبنائها، فهل سيطبّق القانون على نفسه؟ فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتِل 161 مدنياً في سوريا منذ كانون الثاني/ يناير الماضي، منهم 66 ماتوا تحت التعذيب، ويعود سبب تزايد العدد إلى إقدام النظام على إخبار العائلات عن موت أبنائها، فقد أخبر 56 عائلة من بلدة دير العصافير في ريف دمشق عن موت أبنائها عبر دائرة السجل المدني، وهذه المرة الأولى التي يعترف فيها النظام بموت المعتقلين تحت التعذيب، فقد أنكر على الدوام ممارساته من الاعتقال التعسفي أو تعذيب معتقلين، فهل يرتبط هذا الإعلان المباشر عن ضحاياه بالقرار الأخير يا ترى؟ إصدار قرار ضد التعذيب والاعتراف بموت معتقلين تحت التعذيب، أمران لا يتماشيان معاً، إلّا إن كان النظام سيتقصد اليوم الانفتاح بشكل علنيّ على الديكتاتورية بعد استعادته بعضاً من قواه الإقليمية والعربية.

ماذا عن الأطفال المعتقلين؟

النظام الذي يقرر اليوم حكم الإعدام إذا نجم عن التعذيب موت إنسان أو تم اغتصابه، إضافة إلى السجن المؤبد إذا وقع التعذيب على طفل أو شخص ذي إعاقة، هو النظام ذاته الذي اعتقل أكثر من 4500 طفل دون الثامنة عشرة، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وما زال حوالى 3500 طفل موجودين داخل سجونه، في وقت لا يفرق النظام بين طفل وكبير ويمارس أساليب التعذيب ذاتها على الجميع، فماذا عن الأطفال المعتقلين منذ سنوات؟ هل يشملهم قانون منع التعذيب؟ ماذا عن هديل عيثاني (4 سنوات) والطفل حمزة فراس الدسوقي (5 سنوات) وشقيقته حلا؟ هل سيخبرهم النظام أن التعذيب بات جريمة يحاسب عليها القانون السوري؟

تعذيب نظام الأسد لا حد له أو مقدار يُحدَد بحسب التهمة على الأقل، إنه لا نهائي، يستمر دون توقف، لا توقعات أو احتمالات لتوقفه، المعتقلون جاهزون على الدوام للذهاب إلى غرفة التعذيب، في كل مرة يفتح باب الزنزانة قد تكون أنت التالي، تختلف أساليب التعذيب مثل الصعق بالكهرباء، التجويع، دحرجة المعتقلين في عجلة سيارة، الجلد بالسياط والأنابيب البلاستيكية  والحبس الانفرادي، أما الشبح فهو تعليق المعتقل من اليدين أو الرجلين بالسقف، هذه الأساليب نقلتها عنه أطراف النزاع وطبقتها على معتقليها أيضاً، فتنظيم الدولة “داعش” استوحى منها ممارساته الوحشية. 

تعاني النساء في السجون السورية من الاغتصاب بطرائق ممنهجة، يستمر أثر ذلك حتى بعد خروجهن، يوجّه السجانون أبشع الشتائم الجنسية للنساء، وبعد الاغتصاب والإهانة والشتم قد يقدم النظام اعتذاراً لأن الاعتقال كان من طريق الخطأ، هكذا بكل بساطة قد يتعرض الإنسان لأبشع أنواع التعذيب ثم يطلق سراحه، ويعتذر منه السجّان أو الضابط المسؤول لأن الأمر كان تشابه أسماء وحسب! 

لا تتوقف معاناة النساء حتى بعد خروجهن من المعتقل، فهل القانون الذي أصدره الأسد سيعيد لهؤلاء النساء شيئاً من حقهن ويمحو وصمة العار التي تلاحقهن لليوم، من يمحو الشعور بالإهانة والذل الذي راودهن مع كل اغتصاب في سجون النظام؟ 

إقرأوا أيضاً:

لا ينجو أحدٌ من التعذيب

بحسب القانون فإن عقوبة التعذيب بقصد الحصول على اعتراف هي 6 سنوات، الغريب في الأمر أن النظام سنَّ سابقاً قوانين تسمح بالتعذيب وتمنع محاسبة كل من ينفذ هذه الأعمال، كما تعطي حصانة كاملة من الملاحقة القضائية للعناصر الذين ينفذون أوامره، وفي جميع الأحوال لا يمكن أن تتم هذه العمليات دون معرفة رأس السلطة بشار الأسد، ووسط القوانين التي تتعارض وتتناقض، يبقى النظام حريصاً على تلميع صورته للخارج محافظاً على ديكتاتوريته في الداخل في الوقت نفسه.

“الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في تقريرها السنوي العاشر لرصد حالات التعذيب في سوريا، أكدت تسجيل ما لا يقل عن 14537 حالة قتل جراء التعذيب، منذ آذار/ مارس 2011 وحتى حزيران/ يونيو 2021، ومعظم الضحايا قضوا على يد النظام السوري، ومن بين الحالات 180 طفلاً و92 سيدة وتأتي محافظتا درعا وحمص في مقدمة المحافظات التي فقدت أبناءها بسبب التعذيب.

لا ينجو أحد من التعذيب، حتى العائدون إلى سوريا بعد رحلة اللجوء، إذ وثقت “منظمة العفو الدولية” في تقرير بعنوان “أنت ذاهب إلى الموت” انتهاكات ارتكبها ضباط في المخابرات بحق العائدين إلى سوريا، من أطفال ونساء ورجال، تعرضوا للاختفاء القسري أو الاغتصاب والتحرش والضرب، وقال التقرير إن 66 شخصاً من العائدين تعرضوا لانتهاكات بسبب شك النظام أنهم معارضون، بينهم 13 طفلاً، كما أشارت إلى وفاة 5 في الحجز بعد عودتهم، لا يريد النظام عودة السوريين، وتعذيب اللاجئين الذين عادوا بالفعل هو تحذير لغيرهم كيلا يفكروا بالعودة أو لتذكيرهم بأن شيئاً لم يتغير منذ رحيلهم.

إهانة المعتقلين هو هدف عناصر النظام الأول وكلما زادت كمية الإهانة شعر هؤلاء العناصر بالانتصار أكثر، إذ وثقت المنظمة 14 حالة عنف جنسي ارتكبتها قوات الأمن، منها 7 حالات اغتصاب، 5 نساء ومراهق وطفلة في الخامسة!

لن يشعر السوريون بالسعادة بسبب قانون تجريم التعذيب، فما زالت الذاكرة تغصّ بالصراخ والخوف والتوسل، وينتابنا الرعب والخشية من أن يعني قانون تجريم التعذيب ببساطة، المزيد من الوحشية، المزيد من القتل…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني