ميقاتي في ميانمار: خرق للعقوبات وشراكة مع الانقلابيين

ما قام به الأخوان ميقاتي، لتسهيل موافقة الانقلابيين على الصفقة، لم يكن سوى تحاصص ملكيّة القطاع مع النخبة الماليّة النافذة في ميانمار، والتي تتشابك مصالحها مع مصالح العسكريين القابضين على الحكم هناك.

صبيحة يوم الجمعة 18 آذار/ مارس 2022، احتفلت “مجموعة أم1” المملوكة من رئيس الحكومة اللبنانيّة نجيب ميقاتي وشقيقه طه بموافقة السلطات العسكريّة الانقلابيّة في ميانمار بشراء المجموعة شبكة الاتصالات الخليويّة المحليّة هناك، المملوكة سابقاً من شركة “تلينور” النرويجيّة. خبر كهذا، كان كافياً ليُعد قفزة نوعيّة في مسيرة الأخوين ميقاتي في عالم الأعمال، بعدما انتظرا منذ تمّوز/ يوليو الماضي موافقة السلطة الانقلابيّة على الصفقة، التي ظلّت معلّقة منذ ذلك الوقت لأسباب غامضة وغير مفهومة. مع الإشارة إلى أنّ هروب “تلينور” النرويجيّة من سوق ميانمار، ولجوءها إلى هذه الصفقة مع ميقاتي، جاء على خلفيّة إصرار السلطات الانقلابيّة- التي استولت على الحكم في الأوّل من شباط/ فبراير 2021- على فرض عمليّات تعقّب وتنصّت على الشبكة الخليويّة، لأسباب أمنيّة وسياسيّة، وهو ما تضارب مع المعايير المهنيّة والأخلاقيّة المفروضة على “تلينور”، بوصفها شركة أوروبيّة تعمل في أسواق غربيّة مختلفة. 

وهنا بالتحديد، جاء دور الأخوين ميقاتي، ليحاولا الحلول مكان الشركة النرويجيّة الهاربة من سوق ميانمار، بالاستفادة من خبرتهما التاريخيّة في قطاع الاتصالات، التي تركّزت تحديداً في الدول الخاضعة للأنظمة الاستبداديّة، كسوريا والسودان واليمن. ففي هذا النوع من الدول، تختلط إدارة هذا القطاع التقنيّة، بحسابات الأنظمة السياسيّة والأمنيّة، التوّاقة لوضع اليد على داتا القطاع الحسّاسة، وهنا يأتي دور “مجموعة أم 1” التي تحترف العمل في هذا النوع من المناخات السياسيّة. 

الشراكة مع الانقلابيين

ما الذي تغيّر إذاً بين تمّوز الماضي، ومنتصف آذار 2022، حتّى وافق المجلس العسكري على صفقة بيع شبكة الاتصالات من “تلينور” النرويجيّة إلى “مجموعة أم1″؟ ببساطة، وافقت “مجموعة أم 1” على إدخال شريك محلّي في صفقة البيع، هو شركة Shwe Byain Phyu النيانماريّة، والتي باتت بموجب الصفقة تستحوذ على 80 في المئة من شبكة الاتصالات الخليويّة التي تم شراؤها من شركة “تلينور” النرويجيّة، والتي تضم نحو 18 مليون مشترك. وهذه الشركة المحليّة، التي سهّلت إدخالها كشريك جديد موافقة المجلس العسكري على الصفقة، معروفة تاريخيّاً بعملها وتعاونها الوثيق مع الأجهزة العسكريّة في البلاد، وهو ما يفسّر تسهيل الصفقة على هذا النحو بعد دخولها على الخط. مع الإشارة إلى أن عمل الشركة الأساسي يتركّز في قطاع البترول، ما ينفي وجود أي قيمة مضافة لها في عمليّة الاستحواذ على قطاع الاتصالات، باستثناء قربها من المجالس العسكريّة وعلاقاتها التجاريّة معه.

بمعنى آخر، ما قام به الأخوان ميقاتي، لتسهيل موافقة الانقلابيين على الصفقة، لم يكن سوى تحاصص ملكيّة القطاع مع النخبة الماليّة النافذة في ميانمار، والتي تتشابك مصالحها مع مصالح العسكريين القابضين على الحكم هناك. وهذه الخطوة، تتماثل مع ما قام به الأخوان ميقاتي في جميع الأسواق النامية التي دخلوها، بالشراكة التجاريّة مع النافذين سياسيّاً فيها، كما حصل عام 2000 عند تقاسم الأخوين ميقاتي قطاع الخلوي في سوريا مع رامي مخلوف (ابن خالة بشار الأسد والممثّل السابق لمصالح عائلة الأسد ماليّة)، أو كما حصل في اليمن عند تقاسم الأخوين ميقاتي عائدات القطاع مع رجال الأعمال المحسوبين على الحوثيين، من خلال شركات مسجّلة في جنات ضريبيّة.

خرق العقوبات الدوليّة

على أنّ خطورة خطوة الأخوين ميقاتي في نيانمار لا تنحصر في الشراكة الماليّة مع المقرّبين من سلطة الانقلاب، أو في تسهيل رقابة السلطة على قطاع الاتصالات، بل في التفاف الأخوين ميقاتي على العقوبات الدوليّة المفروضة على الانقلابيين في ميانمار، وتسهيلهما تملّص الانقلابيين من هذه العقوبات، وتحديداً تلك التي تتصل بقطاع الاتصالات. فالبند 3.1 من العقوبات التي فرضها مجلس الاتحاد الأوروبي على السلطات الانقلابيّة في ميانمار، ينص على منع بيع أو نقل المعدات أو التكنولوجيات التي يمكن استخدامها لتعقّب الاتصالات الخليويّة أو الأرضيّة أو نشاط الأفراد عبر الانترنت، كما تمنع تقديم أي دعم تقني أو فنّي يمكن أن يفضي إلى تسهيل هذا النوع من الأنشطة. بمعنى آخر، ما قامت به “مجموعة أم 1″، من تسهيل لخروج “تلينور” من سوق ميانمار، والحلول مكانها كطرف لا يمانع تنفيذ الرقابة التي تريد السلطات الانقلابيّة فرضها على المشتركين، يمثّل التفافاً على العقوبات الأوروبيّة، التي حالت دون استمرار “تلينور” في عملها في السوق. مع الإشارة إلى أن هذا الواقع يفتح باب محاسبة “مجموعة أم 1” في أوروبا، لكونها تعمل في سوقين أوروبيين هما قبرص وجزر كايمان.

في كل الحالات، لا تقتصر تبعات هذه المسألة على إمكانيّة محاسبة “مجموعة أم 1” في أوروبا لمخالفتها نصوص هذه العقوبات، بل في إمكانيّة محاسبة شركة “تلينور” النرويجيّة نفسها، نظراً لعلم الشركة النرويجيّة باتجاه المشتري الجديد لقطاع الاتصالات لتطبيق تقنيات التعقّب والتنصّت التي تطلب تطبيقها السلطات الانقلابيّة. مع العلم أن منظّمة Justice For Myanmar، أشارت راهناً إلى وجود تقنيّات تنصّت وتعقّب مرتبطة بشبكة الاتصالات في ميانمار، وهي تقنيّات سيتم تفعيلها بمجرّد خروج “تلينور” رسميّاً من سوق الاتصالات وحلول “مجموعة أم 1” مكانها في السوق. 

إقرأوا أيضاً:

مخاطر قانونيّة

تتجاوز قيمة ثروة الأخوين ميقاتي الإجماليّة حدود الـ5.4 مليار دولار، بحسب آخر تقارير “فوربس” الصادرة عام 2021. وهذه الثروة، تتوزّع اليوم على استثمارات في شركات اتصالات في جنوب أفريقيا وقبرص وجزر كايمان، إضافة إلى استثمارات في قطاع الأزياء وتجارة التجزئة والعقارات الفخمة في الولايات المتحدة ولندن وموناكو. بمعنى آخر، وفي حال قرّرت المنظمات الحقوقيّة تتبع هذه الثروات، ومحاولة فرض قيود عليها على خلفية خرق الأخوين ميقاتي العقوبات الدوليّة المفروضة على السلطات الانقلابيّة في ميانمار، فيمكن أن تحيط بهذه الثروات مخاطر قانونيّة مرتفعة. وهذا النوع من الملاحقات، سيتوقّف على قدرة الصحافة الاستقصائيّة على تتبّع نشاط “مجموعة أم 1” في ميانمار وتوثيقه، وتأكيد تفعيل المجموعة منظومة تعقّب الاتصالات المُشار إليها في العقوبات الأوروبيّة المفروضة على الانقلابيين. 

من المهم الإشارة إلى السلطات اللبنانيّة تلقت خلال الأيام الماضية طلب تعاون قضائي من قبل إمارة موناكو، بخصوص رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، بما يشبه طلبات التعاون القضائيّة الأوروبيّة المرتبطة بملفات حاكم مصرف لبنان. وبحسب هذا الطلب، يُفترض أن تزوّد السلطات اللبنانيّة الأجهزة القضائيّة في موناكو بمجموعة من المعلومات الماليّة المرتبطة باستثمارات ميقاتي وأمواله في لبنان والخارج، إضافة إلى مصادر هذه الأموال وطريقة تراكمها عبر السنوات. وفي حين لم تتبيّن بعد طبيعة الملف الذي تحقق به الأجهزة القضائيّة في موناكو، بات من المعلوم أن طلبات تعاون قضائي مماثلة تم توجيهها إلى دول أخرى، يملك فيها الأخوان ميقاتي استثمارات وازنة. مع العلم أن جزءاً من ثروة ميقاتي العقاريّة يتركّز في إمارة موناكو، وهو ما يضعها أمام خطر تعريضها للاحتجاز في إطار أي تحقيقات قضائيّة، تماماً كما حصل مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الفترة الأخيرة.

لم يتبيّن بعد ما إذا كان طلب التعاون القضائي مرتبطاً بملفات ميقاتي في ميانمار، أو بتتبّع الأوروبيين نشاطه هناك، وخرقه العقوبات الأوروبيّة المفروضة على المجلس العسكري. لكنّ جميع المؤشرات تدل على أن نشاط الأخوين ميقاتي في ميانمار بات على تماس مباشر مع الأنشطة المحظورة بموجب هذه العقوبات، وهو ما يؤشّر إلى إمكانيّة تحريك هذا النوع من التعقبات بحق ميقاتي دولياً. 

رد مجموعة “أم1”

من باب إعطاء المجموعة حق الرد، تواصل “درج” مع المكتب الإعلامي في مجموعة “إم1” للأخذ بملاحظات المكتب على ما ورد في التحقيق. المجموعة أوضحت أنها لا تستطيع الإجابة بالنيابة عن “تلينور”، “التي أعلنت بوضوح عن الأسباب والمسبّبات التي أدت إلى خروجها من السوق في ميانمار. وهذه مسائل تخُص تلينور وحدها، وتعود لتقديرها، ولمدى تقبّلها الظروف المحيطة بمزاولة الأعمال عالمياً”. هنا، تنصّل رد مجموعة “أم1” من التعامل مع حقيقة معروفة للجميع، أعلنتها “تلينور” نفسها، وهي أن خروج الأخيرة من ميانمار يرتبط “بتدهور الظروف الأمنيّة وأوضاع حقوق الإنسان في الدولة”، ما يعني أن “أم1” عمليّاً ملأت الفراغ الناتج عن عدم رغبة “تلينور” بالتورّط بالعمل في بيئات قد تجبرها على تجاوز معايير حقوق الإنسان، خصوصاً لجهة تعقبّ نشاط المشتركين على شبكة الاتصالات.

رد مجموعة “أم1” ركّز على أنّ المجموعة “لم ولن تتنازل مطلقاً عن قضايا أساسيّة مثل حقوق الإنسان، وحماية المستهلك والملكيّة الفرديّة”، كما أكّد على أن المجموعة ستستمر بالوفاء “بالتزاماتها القانونيّة والأخلاقيّة تجاه عشرات الملايين من المستخدمين حول العالم”. ولهذه الغاية، ستستمر Investcom PTE (الكيان الاستثماري الذي تعمل من خلالها مجموعة أم1 في سوق ميانمار) بتبنّي “المعايير الدولية المطلوبة من مشغلي الاتصالات حول العالم الذين يساعدون في إبقاء الناس على اتصال مع بعضهم بعضاً، في قطاع الاتصالات العابر للحدود والقيود”. وهنا أيضاً، تفادى رد المجموعة التعامل مع واقع أن انسحاب “تلينور” يعود تحديداً إلى عدم تناسب آليّات العمل في ميانمار بعد الانقلاب مع معايير عملها الأخلاقيّة، وهي تحديداً الآليّات التي تتعهّد مجموعة “أم1” بمتابعة العمل على أساسها.

رد المجموعة نفى في الوقت نفسه، وفقاً “للمعطيات” المتوفرة لديها”، وجود أي علاقات ما بين شريكها المحلّي Shwe Byain Phyu SBP وسلطة الانقلاب، كما نفى “أن تكون هذه الشركة خاضعة لأي عقوبات دوليّة، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن الشركة معروفة بكونها مجموعة أعمال مرموقة في ميانمار، منذ عشرات السنين”. وأخيراً، اعتبر الرد أنّه وبدلاً من الجنوح نحو “إلقاء اللوم على مجموعة أم1 والتوصيف المجحف بحق المؤسِّسيْن (“الأخويْن ميقاتي”) ونهج المجموعة في مزاولة الأعمال، عبر عقود طويلة من الزمن… من الأجدى ربما الاعتراف، ولو لمرّة، أقلّه من باب الإنصاف، بأن مجموعة إم1 تواصل الاستثمار في قطاع الاتصالات العابر للحدود والقيود، والبنية التحتية الحديثة في عدد كبير من البلدان النامية، التي يقع معظمها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، خصوصاً تلك التي تُعتبر بمثابة بلدان غير مهمّة، أو مرهِقة، أو فقيرة، أو خطيرة جداً وغير مجدية لمزاولة الأعمال، من قبل الكثير من شركات الاتصالات العالمي”. ويضيف رد مجموعة ميقاتي: “منعاً للتأويل وحداً من انتشار مثل هذه التقارير (والتكهنات) – غير المستندة إلى اثباتات وبراهين–في مسألة مصيرية وحسّاسة كهذه، نود تصويب المسألة ووضعها في إطارها الصحيح، مؤكّدين بحزم ووضوح لكل المعنيين، أن “مجموعة M1″ وكافة الشركات التابعة لها، بما فيها Investcom PTE، لم ولن تنتهك إطلاقاً أي قاعدة من قواعد العقوبات وأحكامها، سواء كانت عقوبات دولية أم أوروبية، في ميانمار وأي بلد آخر حول العالم… محتفظين بحقوقنا كاملة.”

لكن وبخلاف ما ذهب إليه البيان، من المعلوم أن شريك “أم1” المحلّي في ميانمار غير متخصص في مجال الاتصالات أصلاً (موضوع الشراكة مع الشركة)، ولا يملك أي خبرة تجعل من هذه الشركة “شركة مرموقة” في القطاع. مع العلم أن هذا الشريك المحلّي منخرط في شراكات مع شركة (Myanma Economic Holdings Limited (MEHL، التابعة لسلطة الانقلاب، الخاضعة للوائح العقوبات الأوروبيّة والأميركيّة والبريطانيّة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني