رمضان قديروف: جندي بوتين الذي يرعب الشيشان

بعد سنوات طويلة من "تطويع" الشيشان الجمهورية الصغيرة في شمال القوقاز الروسي، وحكمها بالحديد والنار، وسجل "دموي" في التعامل مع معارضي السلطات في جمهوريته وروسيا عموماً، يبدو أن الكرملين حدد مهمات جديدة لحاكم الشيشان رمضان قديروف.

أطلق الديكتاتور الشيشاني رمضان قديروف قناة باللغة العربية على تطبيق “تلغرام” للمراسلة، بعد إعلانه إرسال مقاتليه للمشاركة في الغزو الروسي لأوكرانيا.

 تحمل القناة اسم “قديروف نيوز عربي” وانطلقت في 18 آذار/ مارس على المنصة، التي تضم أكثر من 1.4 مليون متابع.

وصفت قناة قديروف النشط على وسائل التواصل الاجتماعي، نفسها بأنها منفذ مخصص لتقديم تحديثات حول حياته للجمهور العربي.

وتقدم القناة، منذ إطلاقها، ترجمات لمنشورات يركز محتواها إلى حد كبير على الحرب في أوكرانيا.كما

تتضمن منشورات صوراً تقول إنها لقوات شيشانية في مدينة ماريوبول الساحلية المحاصرة وهي تخوض معارك بالأسلحة النارية. وخُصص عدد كبير من المنشورات للتعبير عن “شجاعة وبطولة” المقاتلين الشيشانيين، الذين يتمتعون بسمعة رهيبة على جبهات القتال، وللتباهي بالمعدات العسكرية.

واتسعت القناة لضخ المنشورات الدينية، مع مقاطع فيديو لقديروف وأفراد قواته في أوكرانيا وهم يصلون ويستمعون إلى خطب دينية.

أطلق قديروف قناة أخرى تحمل اسم “الشيشان نيوز عربي”، قال إنها مخصصة للأخبار باللغة العربية حول الجمهورية الواقعة في شمال القوقاز. وظهر فيديو على القناة يتهم الغرب بنشر “قذارة” حقوق المثليين في روسيا، ووضع صوراً لأشخاص يرتدون أزياء معروفة في حياة المثليين.

 وبعد أيام معدودة نشرت قناة “غروزني” التلفزيونية الشيشانية مقطعاً مصوراً على قناتها في (تلغرام)، يظهر فيه قديروف في غرفة مظلمة وهو يناقش مع مقاتليه عملية عسكرية على بعد سبعة كيلومترات من العاصمة الأوكرانية..ونشر قديروف الذي غالباً ما يصف نفسه بأنه “جندي مشاة لبوتين” مقاطع مصورة لقوات شيشانية مدجّجة بالسلاح في منطقة كييف في إطار قوة “الغزو” الروسية.

إلا أن السلطات الأوكرانية كشفت في بيان نشرته وكالات الأنباء العالمية  خبراً عن تصفية وحدة خاصة من المقاتلين الشيشانيين، كانت تمكنت من دخول كييف بهدف اغتيال الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي ومسؤولين في الحكومة والقوات المسلحة. وأوردت الميديا الدولية أدلة دامغة تؤيد هذا الاعلان.

الشيشان: جمهورية قديروف الإقطاعية

يعتبر قديروف أحد أكثر الرجال إثارة للخوف في الشيشان، وهو صاحب نفوذ قوي في روسيا الاتحادية. ويعده المراقبون يد الكرملين القوية في بسط الأمن والاستقرار في الجمهورية القوقازية الشمالية منذ أكثر من عقد من الزمن لدرجة أن جمهورية الشيشان باتت أشبه بإقطاعية خاصة بقديروف، يحكمها دون منازع. عام 2018 التقى مراسل “بي بي سي” في روسيا ستيف روزنبرغ بقديروف وأثار معه الاتهامات الموجهة إليه بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، فرد بازدراء: “الكلب ينبح لكن القافلة تستمر بالسير. الذين يكتبون هذه الأشياء عني لا أعتبرهم بشراً”.

يتذكر روزنبرغ روح الدعابة التي يتمتع بها الرجل القوي منذ لقائهما الأول عام 2005. وبينما كان قديروف يعزف على الغيتار قال له روزنبرغ: “أنا أعزف على آلة موسيقية أيضاً، أنا أعزف على البيانو”. فرد عليه قديروف مازحاً: “إذاً اعزف على البيانو الخاص بي، وإذا كان عزفك رديئاً سأضعك في سجني”. في السياق، نشر موقع “ديلي بيست”، “إن قديروف اجبر شاباً على التعري و(اغتصاب نفسه) ومع تصويره في فيديو (اعتذار) مروع، وذلك عقاباً له على انتقاد النظام في وسائل التواصل الاجتماعي”.

وذكرت الصحيفة أن “سلمان تيبسوركاييف  Salman Tepsurkay المقيم في الشيشان، كان يديرقناة (1 إيه دي إيه تي) 1ADAT على ( تلغرام)  وهي  مناهضة لنظام قديروف، ظهر في الفيديو وهو يعتذر باللغة الشيشانية ثم يبتعد من الكاميرا، ويأخذ زجاجة فارغة ويجلس عليها”. وعلقت إيكاترينا سوكيريانسكايا، مديرة مركز تحليل ومنع النزاعات والمراقبة على الحادث، وقالت ” يمارس نظام قديروف انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في الشيشان”، وتحدثت عن تلقيها رسائل من مواطنين شيشان من جميع أنحاء العالم، يقولون فيها إنهم شعروا بالصدمة والإذلال.

كشفت بيانات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أن قدريوف يجبر معارضيه على الظهور بشكل مهين على التلفزيون المملوك من الدولة. وأشارت إلى أن بعض الأطباء اشتكوا من نقص في المعدات الطبية والأدوية اللازمة لعلاج فيروس كورونا، فكان عقابهم الظهور على شاشة التلفزيون والقول إنهم كانوا مخطئين. ونقلت “ديلي بيست” عن سوكيريانسكايا قولها “لا يعي الكثير من الناس في أنحاء العالم  كيف يواصل الشيشانيون حياتهم بكرامة”. وشددت على أن “على مسؤولي الكرملين أن يدركوا مدى احترام الشعب الشيشاني للتقاليد، فالكثير منهم يأخذ هذا الاغتصاب العلني المروع  شخصياً، وبالتالي تسببه في استفزاز للعنف في المجتمع”.

إقرأوا أيضاً:

الصوفية القادرية أداة قديروف الدينية

اقتفى قديروف خطى والده الذي انتمى قبل اغتياله الى الطريقة الصوفية الرئيسية في الشيشان وهي القادرية. وعموماً كان الشيشانيون أتباع الطريقة القادرية معادين لروسيا على الدوام، لكنهم تحولوا للمرة الأولى في التاريخ إلى حليف لها ضد الإسلاميين. غير أن قديروف ارتبط بعلاقة مباشرة مع الكرملين متجاوزاً مؤسسات الدولة البيروقراطية في روسيا، وهو وضع مناسب لكلا الجانبين. وقد أتت هذه العلاقة  بثمارها حيث مولت روسيا إعادة بناء البنية التحتية في الشيشان، مثل شبكة الطرق الجديدة والمسجد العملاق في العاصمة غروزني. يقول سيروين مور، خبير شمال القوقاز في جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة، إن روابط قديروف بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) تعود إلى عام 2000 على أقل تقدير وهو العام الذي أصبح فيه بوتين رئيساً لروسيا.

وكانت وجهت اتهامات مباشرة لقادريوف بتصفية الصحافية الاستقصائية البارزة التي أدانت ممارساته البشعة بحق معارضيه آنا بوليتكوفسكايا. عام 2006 لقيت هذه الصحافية  مصرعها بإطلاق النار عليها أمام العمارة التي تسكنها في موسكو. وعام 2009 قُتلت المدافعة الروسية عن حقوق الإنسان ناتاليا إستيميروفا، بالرصاص في شمال القوقاز وكانت هي الاخرى من الأصوات البارزة التي عارضت أساليب قديروف القمعية. وأشار مور لـ”بي بي سي” إلى أن قديروف “بات أقرب ما يكون إلى زعيم طائفة دينية مثل بعض قادة الجمهوريات التي ظهرت في آسيا الوسطى عقب انهيار الاتحاد السوفييتي”، وبالتالي يعمل “عسكريون سابقون تحت إمرته بارتكاب جرائم قتل وتعذيب لمعارضيه، وينفذون عمليات مريبة بأوامره. ولم ينجُ من الاغتيال والقتل حتى رفاقه لمجرد أنهم اختلفوا معه، وفي مقدمتهم مرافقه الشخصي السابق عمر إسرائيلوف في فيينا وسليم ياماداييف في دبي. وعام 2020 أغلق “انستغرام” صفحة قديروف الذي كان يتابعه أكثر من مليون ونصف المليون متابع، وذلك بعد فرض الولايات المتحدة عليه عقوبات، فيما كان “فيسبوك” أغلق حسابه عام 2017.

بدأ الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، مسيرته ضمن صفوف المقاتلين ضد القوات الفدرالية أثناء أحداث حرب انفصال الشيشان الأولى عن روسيا ما بين عامي 1994 و1996، قبل أن ينضم مع والده مفتي الشيشان ورئيسها السابق أحمد قديروف، إلى جانب السلطات المركزية مع بداية الحرب الثانية في عام 1999.

“قديروفتسي” وسياسة الأرض المحروقة

يرى خبراء في الشؤون الروسية أن الشيشان تعد نموذجاً مصغراً لما يسعى بوتين لتشكيله في أوكرانيا. فقد ظلت الشيشان جزءاً مضطرباً من الدولة السوفييتية والفيدرالية الروسية، حتى أعلنت انفصالها عن موسكو عام 1991، وأعلنت استقلالها بحكم الواقع في شمال القوقاز. قام الكرملين بالمحاولة الأوللى لإعادة فرض السلطة الاتحادية لكنها ادت الى نشوب الحرب الشيشانية الأولى بين 1994 و1996، وانتهت بفشل مذلّ لروسيا بعد أن حقق المقاتلون الشيشان نصراً مذهلاً على رغم أنهم كانوا أقل عدداً وعدَّة، ما أجبر روسيا على الانسحاب. وعند تولي بوتين الحكم أواخر عام 1999  شن حربا جديدة على هذه الدولة ،إلا أنه اتبع سياسة الأرض المحروقة، ما أدى إلى تسوية العاصمة  “غروزني” بالأرض، إضافة الى قيامه برشوة رشوة بعض القادة الرئيسيين للانشقاق مع قواتهم إلى صف الجانب الروسي، فكان أحمد قديروف أحد هؤلاء، وكانت مكافأته على خيانته تنصيبه رئيساً للبلاد. وبعد اغتياله سنة 2004، تولى ابنه رمضان- وهو أمّي غير متعلم- رئاسة الجمهورية، ومنذ ذلك الحين وهو يحكم الشيشان بقبضة من حديد ويسحق المعارضة بوحشية، مستعيناً بميليشياته التي تمولها موسكو المسماة “قديروفتسي، أي “رجال قديروف”. وشاركت هذه الميليشيات في القتال مع الروس في شرق أوكرانيا عام 2014 لاحتلال القرم، ويعودون الآن مرة أخرى وبأعداد كبيرة لتعزيز صفوف الروس في غزوهم لأوكرانيا بأكملها. ودعا قديروف الرئيس الروسي إلى شن حرب وحشية خاطفة في أوكرانيا لدفعها للاستسلام في غضون يوم أو يومين. وقال قديروف إنه يثق ببوتين ووصفه بأنه ابنه الذي لم ينجبه، ولكن التكتيكات العسكرية الحالية ضعيفة للغاية”. وفي رسالة صوتية بعثها لبوتين قال قديروف “لقد قلت مرات عدة إنني رجل متواضع، وإنني مستعد للتضحية بحياتي من اجلك. لكن لا تمكنني مشاهدة مقاتيلنا الذين يموتون”.

بعد سنوات طويلة من “تطويع” الشيشان الجمهورية الصغيرة في شمال القوقاز الروسي، وحكمها بالحديد والنار، وسجل “دموي” في التعامل مع معارضي السلطات في جمهوريته وروسيا عموماً، يبدو أن الكرملين حدد مهمات جديدة لحاكم الشيشان رمضان قديروف، تتجاوز حدود روسيا إلى أوكرانيا.وهو ما ينذر بارتكاب جرائم فظيعة في معركة الرئيس فلاديمير بوتين للسيطرة على أوكرانيا. وعلى عكس الإمام شامل الداغستاني (1797ـ 1871) الذي صدّ القياصرة الروس ومنعهم من السيطرة على جبال القوقاز لمدة ربع قرن (1834- 1859) على رغم المعارك غير المتكافئة، والمجازر بحق شعوب القوقاز، إلا أن قديروف قرر أن يكون “جندي بوتين” قولاً وفعلاً، بعدما وصف نفسه بهذه الصفة منذ أشهر، رداً على انتقادات معارضيه.

يصف المعارض الروسي ونائب رئيس حزب “بارناس” إيليا ياشين، جمهورية الشيشان الروسية بأنها “دولة إسلامية محلية” و”خلافة شيشانية منعزلة” تعيش وفقاً لتقاليدها وقوانينها الخاصة، إذ لا تسري قوانين روسية كثيرة في غروزني التي تبعد نحو 1000 ميل جنوباً من العاصمة الاتحادية موسكو، ولا يستطيع الموظفون الفيدراليون بجهات الأمن العمل بحرية خارج المباني الإدارية في العاصمة الشيشانية، كما يؤكد المختص في شؤون القوقاز، أوليغ أورلوف. يصف المحللون، مثل إيكاترينا سكيريانسكايا، الشيشان بأنها “خارجٌ داخلي” و”دولة داخل دولة” في روسيا. لكن هذه الخواص قد لا تكون كافية لوصف اتساع استقلالية دولة قديروف.

تحدثت وثائق “ويكليكس” في اواخر العام عن جوانب من شخصية قديروف، إذ ورد في برقيتين ديبلوماسيتين أرسلهما السفير الأميركي في موسكو نيكولاس بيرنز يزمي عام 2006 انه “أمير حرب في حرب الشيشان ثم ورث السلطة عن أبيه بصفقة مع فلاديمير بوتين اختزلت بعبارة الشيشنة”. وهي تعني بحسب السفير “تحويل الحرب في الشيشان من قتال شيشاني- روسي الى حرب اهلية شيشانية،عبر تسليم الحكم في  الشيشان الى مسلحين شيشانيين، مقابل الاستفادة من ولائهم وقدراتهم بشرط بقاء هذه الجمهورية في اطار الفيدرالية الروسية”. وأضاف أن التوافق على هذه السياسة تم بشكل شخصي بين بوتين وقديروف الأب الذي لقبه بـ”مفتي المتمردين الشيشانيين”، لكن تطبيقها كان يستند إلى انقسام داخلي بين “المتمردين”، يعود إلى حرب الشيشان الأولى التي اندلعت أواخر عام 1994، واكتسى شكل خلاف ديني كان يموه صراعاً بين “المتمردين” على السلطة بين جناح قديروف وجناح شامل باساييف (قتل في تموز/ يوليو 2006)… وقال الباحث في مركز “كارنيغي موسكو” الكسندر بونوف، يقال إن الباب ظل مفتوحاً لفترة طويلة جداً أمام قديروف كي يدير الأمور بطريقته… والآن تتطلع النخبة الحاكمة في موسكو لإخضاع الشيشان لبوتين”. وقال المتحدث الرئاسي ديمتري بيسكوب في شباط/ فبراير الماضي في إجابته على سؤال عن مصير قديروف بعد انتهاء ولايته، “إن قرار من يدير الشيشان أمر بيد الرئيس بوتين”. وحين اغتيل والده عام 2004 بتدبير من الاستخبارات الروسية  لمعارضته سيطرة الكرملين على نفط الشيشان (بحسب إحدى وثائق السفارة الأميركية بموسكو)؛ تولى قديروف الابن السلطة خلفاً له باعتباره- طبقاً لوصف السفير الأميركي- “أمير حرب نقياً وبسيطاً”. وتقول إحدى برقيات السفارة الأميركية إن قديروف الابن “لا يتمتع بالهيبة الدينية أو الشخصية التي كانت لأبيه”؛ لكنه كان محظوظاً، لأن والده ترك له قوة عسكرية كافية مكونة من مقاتليه السابقين ساعدته في إحكام سيطرته على السلطة. ويرى مراقبون أن شعور قديروف بالحاجة إلى الجاذبية الدينية والأيديولوجية- التي كان يتصف بها والده- دفعته إلى إطلاق حملة للترويج “للقيم الإسلامية”، ودعم الحفاظ على التقاليد في المجتمع الشيشاني. إلا أن محاولاته إضفاء الطابع الديني المتزمت على شخصيته لم يساعده على تبرئة نفسه من اتهامات بالفساد المالي وتبذير الأموال التي يحصل عليها من موسكو، في وقت يعتبرها هو بحسب تصريحات له “مدفوعات للحفاظ على الوضع”، عبر إنفاقها على أمراء الحرب القادرين على الاحتفاظ بالأمن في الشيشان، و”الوفاء” بالتزاماته المتعلقة بالتوازنات القبلية والعرقية في المنطقة، ويقيم قديروف وفقاً لتقارير استخباراتية غربية علاقات مشبوهة مع شركات النفط في الشيشان وداغستان وروسيا.

“لقد قلت مرات عدة إنني رجل متواضع، وإنني مستعد للتضحية بحياتي من اجلك. لكن لا تمكنني مشاهدة مقاتيلنا الذين يموتون”.

قديروف وبوتين وأهل السنة

في أواخر آب/ أغسطس 2016، نظم قديروف- بدعم من الكرملين- “مؤتمراً إسلامياً” لتحديد المفهوم الصحيح لـ”أهل السنة”، وقال البيان الختامي للمؤتمر “إن أهل السنة والجماعة هم أتباع الفرق التالية: فرقة المحدثين والصوفية والأشاعرة والماتريدية“، أما “السلفية والوهابية وجماعة الإخوان المسلمون فهي فرق طائفية دخيلة على السنة، وغير مرغوب بها في روسيا”. وهو ما أثار انتقادات عدة في العالم الإسلامي. يرى عضو مجلس مركز “ميموريال” لحقوق الإنسان والمختص في شؤون القوقاز أوليغ أورلوف، أن “الشيشان هو الإقليم الأكثر ولاء لبوتين شخصياً والحزب الحاكم وليس روسيا، مؤكداً أن “آل قديروف تم شراء ولائهم، بعد انتصارهم على الانفصاليين الشيشان”. ويتابع: “نظام الشيشان شمولي في ظل تحول قديروف من حاكم إلى قائد روحي وسياسي يتدخل في جميع مجالات الحياة وحتى يتحدث عن كيفية أداء الصلاة وتربية اللحية، ولا يمكن انتقاده علناً. ويتعامل قديروف مع الأئمة على أنهم موظفون حكوميون، ويتم إعداد النقاط الرئيسية لخطب الجمعة في المساجد مسبقاً”.

زج مجموعة قديروف في الحرب الاوكرانية يعيد الى الانتباه الاستراتيجية التي اتبعها بوتين للسيطرة على الشيشان واحكام قبضتها عليها بعد تدمير غروزني ،من خلال ما سماه السفير الاميركي الأسبق في موسكو بيرينز(الشيشنة)، والتي من الواضح أن الشيشانيين من الجانبين سيتقابلون بالسلاح وجهاً لوجهة في شوارع وازقة وحارات كييف و المدن الاخرى. وصف تقرير كتبته مجلة “لوبوان” الفرنسية، كتبه كريستيان ماكاريان من سمتهم “قوات الزعيم الشيشاني رمضان قديروف” بالمنقطعين جسداً وروحاً لخدمة قائدهم الذي يعرّف نفسه على أنه “شقيق بوتين”، وقالت إنهم بلحاهم الطويلة المميزة ينتشرون في العاصمة الأوكرانية كييف، وهم مستعدون للقيام بأصعب المهام الخاصة”. إلا أن المشهد في صورته المعاكسة، يظهر على أرض المعارك في أوكرانيا مقاتلين شيشانيين آخرين، ليسوا تابعين لقديروف أو موالين لبوتين، وهؤلاء وجدوا في الحرب الدائرة على أراضي أوكرانيا فرصة للقتال ضد روسيا التي يعتبرونها عدوهم الأول. هؤلاء هم  الفريق الثاني من الشيشانيين الذين ينتظرون المواجهة التي لم تكتمل مع قديروف وبوتين في غروزني، على طريقة “حرب العصابات”. هؤلاء المعارضون الشيشانيون وضعوا النواة الأولى لنقل النزاع الداخلي الشيشاني إلى شرق أوكرانيا، إذ انخرطوا في صفوف الفرق العسكرية الاوكرانية التي وجهت الانفصاليين الموالين لروسيا  في الأجزاء الشرقية من البلاد خلال الحرب عامي 2014 و2015.

شاركت هذه القوة الشيشانية المسلحة “كتيبة دوداييف” في القتال عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم بعدما عززت صفوفها بعدد من المقاتلين الشيشانيين ذائعي الصيت، وعلى رأسهم الجنرال عيسى منيف، القائد السابق لمجموعة عسكرية شيشانية شاركت في الحرب الروسية- الشيشانية الأولى بين عامي 1994 و1996.

حاز الجنرال منيف ثقة الجيش الأوكراني الذي زوده بمخزون من الأسلحة الخفيفة، كما وسُمح له -بصفته رئيس الحركة الاجتماعية السياسية “سفوبودا كفكاز (القوقاز الحر)”- بتشكيل وحدة حملت اسم الرئيس الشيشاني الراحل “جوهر دوداييف” الذي قُتل في غارة جوية روسية، تهدف لحفظ السلام وتقديم “المساعدة الدولية” للشعب الأوكراني في صراعه مع الروس المحتلين. ولقد خاضت “كتيبة دوداييف” قتالاً شرساً إلى جانب الجيش الأوكراني، وتألقت في معارك “دونيتسك ولوغانسك”، ما رفع من شعبية منيف وسط المواطنين الأوكرانيين، فقد كان يؤمن مثل غيره من الشيشانيين الذين التحقوا بقواته من تركيا وأوروبا، بأن خسارة أوكرانيا تعني هزيمة الشيشان.

اظهر استطلاع للرأي أجراه “معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع” في كانون الأول/ ديسمبر الماضي أن واحداً من كل ثلاثة أوكرانيين سيكون على استعداد للانضمام إلى المقاومة المسلحة ضد القوات الروسية، ما يمنح أوكرانيا إمكانية إنشاء عشرات الآلاف من المجموعات الصغيرة والمتنقلة القادرة على مهاجمة القوات الروسية. ونقل موقع “الجزيرة نت” عن محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية الصراعات الدولية والعضو السابق في لجنة خبراء الأمم المتحدة قوله “إن الحضور العسكري الشيشاني في حرب أوكرانيا يضم قضيتين أساسيتين، فهو يعطي أولاً الفرصة لنشوب حرب انتقامية في أوكرانيا بين فئتين من الشيشانيين المتخاصمين، يناصر بعضهم الرئيس قديروف فيما يعارضه الطرف الآخر، إذ يستغل الطرفان الأزمة الأوكرانية لتصفية الحسابات والأحقاد السياسية العالقة بينهما؛ كما ستشكل أزمة أوكرانيا فرصة مهمة للاستثمار الإستراتيجي في العلاقات الشيشانية- الروسية، وتأكيد الحلف الشخصي والسياسي بين الرئيس بوتين في موسكو والرئيس قديروف في غروزني، ضمن إطار التوافقات على وضع الشيشان بعد الحرب مع روسيا بين عامي 1994 و1996”. يتقاطر مئات المقاتلين (المرتزقة) من سوريا ولبنان وتونس ولبنان وليبيا وأفريقيا والصومال للقتال في أوكرانيا على ضفتي الحرب، قسم مع روسيا والآخر ضدها، ما ينذر بتحول الساحة الاوكرانية الى حروب داخل الحرب الكبرى، وتصفية حسابات بين الأطراف المتحاربة في الشرق الاوسط. فهل هذه هي خطة بوتين بعد فشله في احتلال اوكرانيا في ثلاثة أيام، كما  كان اوحى له  الجنرال Yakov Rezantsev الذي لقي مصرعه بعمر 48 سنة، كسابع جنرال تخسره روسيا بشهر، على حد ما بثته الوكالات، وما ذكرته صحيفة “التايمز” البريطانية عن مقتله بغارة شنها الجيش الأوكراني على مطار Chornobaivka القريب من مدينة سيطرت عليها القوات الروسية في 3 آذار/ مارس 2022، هي Kherson المطلة إلى الشمال من شبه جزيرة القرم المحتلة على البحر الأسود.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني