بعد نشر “وثائق إريكسون”…
الشركة تخسر براءة الذمة بسبب “صفقة العراق”

يمكن اعتبار إبراء الذمة طريقة المساهمين (شركات منهم وأفراد) للضغط على شركة "إريكسون" لتوسيع التحقيق في قضية الشفافية والمسؤولية بناءً على ما تمّ كشفه ونشره.

بعد قيام الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ، بالتعاون مع 30 وسيلة إعلاميّة دولية من بينها موقع “درج” في 27 شباط / فبراير  بنشر تحقيق صحافي استقصائي تعاوني عابر للحدود، عن سلسلة من الانتهاكات للقواعد الأخلاقية داخل شركة “إريكسون” في العراق ولبنان، وثقها تحقيق داخلي قامت به الشركة عام 2019، وحصلت عليه ICIJ، بعد الاشتباه في  تورط شركة الاتصالات العملاقة بالفساد وارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف إعلامياً بـ”داعش” في 2014، قررت الجمعية العامة للمساهمين في الشركة عدم منح مجلس إدارة الشركة براءة ذمة مالية، وهو ما يفتح قانونياً للمالكين، وحاملي الأسهم الحق في مقاضاة أعضاء مجلس الإدارة عن الضرر الذي ربما تسببوا فيه للشركة.

فبسبب وباء “كوفيد- 19″، قرر مجلس إدارة شركة “إريكسون” أن الاجتماع العام السنوي لعام 2022 سيعقد دون الحضور الوجاهي للمساهمين والوكلاء عن المساهمين و المالكين والأطراف الثلاثة المشرفة والمراقبة، على أن يُعقد من طريق الاتصال الإلكتروني عبر الإنترنت، وفقاً لقانون الإعفاءات الموقتة لتسهيل اجتماعات الشركات والاجتماعات العامة خلال الجائحة في السويد.

يعتبر الاجتماع السنوي العام يوماً مهماً للمساهمين، إذ يتعين عليهم، من بين أمور أخرى، أن يقرروا من سيقود الشركة التي استثمروا فيها أموالهم ويقرروا مدى ثرائهم من خلال تثبيت أرباح الأسهم. في الاجتماعات الوجاهية قبل جائحة “كورونا”، كان يمكنك أيضاً الحصول على فنجان من القهوة ومكنسة كهربائية “إلكترولوكس”.

كان الدليل الرسمي على أن المساهمين راضون عن شركتهم هو أنهم يمنحون الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة إبراء ذمة من المسؤولية. وعادة ما تكون هذه مسألة روتينية.

الاتهامات خطيرة لدرجة أن اثنين من كبار محامي القانون الدولي في السويد يعتقدان أنه يجب التحقيق في أفعال الشركة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

أمس، الساعة الثالثة بعد الظهر بتوقيت وسط أوروبا، عقد الاجتماع السنوي العام لشركة “إريكسون” 2022.  قبل الاجتماع، كان من الواضح أن مالكي أكثر من 10 في المئة من الأسهم لا يريدون منح براءة ذمة من المسؤولية إلى الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة، وهي النسبة الكافية لمنع فعل ذلك.

هذا بالضبط ما قام به المالك الرئيسي كريستر غارديل Christer Gardell، ثاني أكبر مالك في الشركة من خلال شركته الاستثمارية Cevian Capital، سيفيان كابيتال (4.5 في المئة من الأسهم) من رأس المال، ومع ذلك، لديهم 2.72 في المئة فقط من الأصوات لأنه يمتلك بشكل أساسي ما يسمى بأسهم “ب” ذات التصويت المنخفض، إضافة إلى سويدبنك روبور (3.9 في المئة) وهو ثالث أكبر مالك للأسهم، وصندوق البترول النرويجي (1.45 في المئة) وصناديق أفانزا (0.6 في المئة).

لكن في الوقت نفسه، قاموا بالتصويت لمصلحة إعادة انتخاب مجلس الإدارة بالكامل والموافقة على بقاء الرئيس التنفيذي، وهذا ما يشكل استثناء في عالم الأعمال.

في المقابل صوت صندوق الاستثمار” Investors” الذي يمثل 8.0 في المئة من رأس المال و23.8 في المئة من الأصوات  في شركة “إريكسون”. إضافة إلى صندوق عالم الصناعة Industrivärden، التي تمثل ملكيته 2.6 في المئة من رأس المال و15.1 في المئة من الأصوات في “إريكسون”، لمصلحة براءة الذمة من المسؤولية لمجلس إدارة والمدير التنفيذي، والتصويت للإستراتيجية التي تقوم به الشركة من أجل تعزيز عمليات الامتثال التنظيمي.

ماذا يعني رفض منح إبراء الذمة من المسؤولية؟

يمكن اعتبار إبراء الذمة طريقة المساهمين (شركات منهم وأفراد) للضغط على شركة “إريكسون” لتوسيع التحقيق في قضية الشفافية والمسؤولية بناءً على ما تمّ كشفه ونشره.

وفقاً لقانون الشركات السويدي، بإمكان المساهمين (من شركات وأفراد) المطالبة بتعويضات في موعد أقصاه عام واحد بعد الاجتماع العام. لكن متابعة القضية قد يكون مكلفاً وصعباً، إذ يجب إثبات حدوث ضرر مالي.

هذا أمر غير معتاد للغاية بين الشركات السويدية الكبيرة. لقد حدثت سابقاً مع رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ”سويد بنك” Swedbank، مرتين – في عامي 2016 و 2020 – وفي عام 2014، تلقى الرئيس التنفيذي السابق لشركة الاتصالات تيليا Telia، لارس نيبيرج، رفضاً من المساهمين بعد فضيحة أوزبكستان.

في حالة شركة “إريكسون”، فإننا نتحدث، عن الرئيس التنفيذي بوري إيكهولم ونائب رئيس مجلس الإدارة جاكوب والنبرغ الذي يدير صندوق الاستثمار Investors، والذي ربما يكون أقوى رجل أعمال في السويد.

إيكهولم، كان يشغل منصب المدير التنفيذي لصندوق الاستثمارات ” Investor”  المملوك من قبل عائلة ” Wallenberg ” والنبرغ، التي تملك أكبر حصة في شركة “إريكسون”، وكان أيضاً عضواً في مجلس إدارة إريكسون لسنوات عدة، عندما تولى منصبه كرئيس تنفيذي في كانون الثاني/ يناير 2017، كبديل لهانس فيستبرج.

إضافة إلى ذلك، كان عضو مجلس إدارة في عملاق التجارة الإلكترونية الصيني “علي بابا”، لكن  سيتم استبداله بشان ويجيان، رئيس مجلس إدارة مجموعة الاستثمار PAG ومقرها هونغ كونغ اعتباراً من 31 آذار/ مارس، وفقاً لصحيفة “فاينانشيال تايمز”.

جاء الظهور الرسمي الأول لإيكهولم بعد أكثر من أسبوع بقليل، من طرد الرئيس التنفيذي السابق هانس فيستبرج وكانت البداية صعبة، إذ أظهرت أرقام إريكسون الموقتة في حينها خسارة قدرها 1.6 مليار كرونة سويدية (160 مليون يورو) وتراجعاً حاداً في المبيعات.

حسناً، لماذا هذا الاضطراب كله؟ 

الجواب – صفقة العراق.

بحسب التلفزيون السويدي، “داعش” طلب عبر وسطاء 20 مليون كرونة سويدية من شركة “إريكسون”، حتى تتمكن الشركة من مواصلة عملياتها في العراق، وكيف طالب داعش بـ”ضريبة حماية” لجميع الموظفين غير المسلمين من أجل مواصلة عملهم.

إقرأوا أيضاً:

ووجد التحقيق دعماً لسوء السلوك المتعلق بالفساد، شمل “التبرع النقدي بدون مستفيد واضح؛ الدفع للمورد مقابل العمل بدون نطاق محدد وبدون وثائق؛ تمويل السفر والنفقات غير الملائمة”، إضافة إلى ذلك، تم العثور على انتهاكات للضوابط المالية الداخلية في الشركة، وتضارب المصالح، وعدم الامتثال لقوانين الضرائب و عرقلة التحقيق.

وكشف التحقيق أيضاً عن مدفوعات لوسطاء واستخدام طرق نقل بديلة معينة، إلى دفع الأموال لتهريب المعدات إلى المنطقة عبر “الطريق السريع”، تخضع لإشراف تنظيم “داعش”، والتحايل على الجمارك العراقية في نقطة الصفر العراقيّة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحاديّة.

الاتهامات خطيرة لدرجة أن اثنين من كبار محامي القانون الدولي في السويد يعتقدان أنه يجب التحقيق في أفعال الشركة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

لكن من غير الواضح من يعرف ماذا ومتى، وحجم المعلومات التي تم إبلاغها للسلطات القانونية الأميركية التي غرمت الشركة سابقاً بنحو 10 مليارات كرونة سويدية (مليار دولار أميركي).

رفض الرئيس التنفيذي لشركة إيريكسون طلبات مقابلة فريق التحقيقات الدولي، مما جعل الناشر مسؤولاً عن برنامج  التحقيقات في الـ SVT يوجه رسالة مفتوحة جاء فيها:

“لماذا ترفض الإجابة على أسئلتنا حول صفقة داعش- إريكسون؟” و”مراسلونا المطلعون على التقرير الداخلي لشركة “إريكسون” لعام 2019 محرومون من إجراء المقابلات”.

هذا الضغط، دفع الرئيس التنفيذي إلى الاعتراف بمضمون التقرير في مقابلة صحافية، ونتيجة لهذا انخفضت قيمة سهم “إريكسون” المدرجة في بورصة “ناسداك” في ستوكهولم ونيويورك إلى 33.5 في المئة، إذ انخفضت قيمة السهم من 115.8 كرونة سويدية للسهم الواحد إلى 76.92 كرونة سويدية. بعد ذلك، تعافى السهم إلى حد ما وتم تداوله صباح الثلاثاء (29 آذار، يوم انعقاد المؤتمر السنوي العام)، مقابل 88 كرونة سويدية.

تركيبة مجلس إدارة إريكسون، تعكس توازن المصالح التجارية في السويد، بحيث إن إثنين من أهم رجال الأعمال السويديين يشغلان منصب نائب رئيس مجلس الإدارة المكون من 11 عضواً منتخباً، إضافة إلى الأعضاء المنتدبين وممثلي النقابات العمالية في السويد.

يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة روني ليتن (تم انتخابه للمرة الأولى عام 2018)، وهو رئيس اللجنة المالية، عضو لجنة المكافآت.

وهيلينا ستيرنهولم (انتخبت للمرة الأولى عام 2016)، هي نائبة رئيس مجلس الإدارة، وعضوة اللجنة المالية، وهي الرئيسة والمديرة التنفيذية لشركة AB Industrivärden، منذ عام 2015.

كذلك جاكوب والنبرغ (انتخب للمرة الأولى عام 2011)، نائب رئيس مجلس الإدارة، عضو اللجنة المالية، وهو أيضاً رئيس مجلس إدارة صندوق Investor AB المستثمر منذ 2005، والرئيس والمدير التنفيذي لبنك SEB.

سبق أن عاقبت السلطات الأميركية “إريكسون” لسوء السلوك والفساد في أجزاء أخرى من العالم. عام 2019، توصلت الشركة إلى تسوية مع السلطات الأميركية، تستلزم دفع غرامة بـ10 مليارات كرونة سويدية.

إضافة إلى الغرامة، تلقت “إريكسون” شكلاً من أشكال العقوبة مع وقف التنفيذ. ما يسمى بـ”اتفاقية الملاحقة المؤجلة”، أو اتفاق تأجيل المحاكمة، ما يعني أن على “إريكسون” إثبات أن بإمكانها الاعتناء بنفسها لمدة ثلاث سنوات- وإلا فإن السلطات الأميركية ستعيد الحكم القديم في القضية مرة أخرى. ستنتهي المراقبة هذا العام، لكن صفقة العراق قد تؤدي إلى تمديد وغرامات جديدة بمليارات الدولارات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني