ويل سميث يصفع كريس روك… ليس مجرد شجار بين “رجلين أسودين”

الجمهور ضحك لعبارة روك الذي قال ما معناه إن ويل سميث ضربني بشدة. ولم ينتبه إلى أن الصفعة جدية إلا حين كرر سميث من مقعده، صراخاً، عبارته المضمنة شتيمة: لا تلفظ اسم زوجتي.

لمن فاته ما حدث، المشهد هو التالي: الممثل والكوميدي كريس روك، خلال تقديمه إحدى فقرات حفل جوائز الأوسكار توجه للممثلة جايدا سميث ذات الرأس الحليق بالقول: جايدا أحبك… أترقب أن تكوني في الجزء الثاني من GI Jane” (فيلم من التسعينات بطلته ديمي مور برأسها المحلوق).

جايدا أبدت امتعاضاً واضحاً بينما زوجها، ويل سميث، ضحك مرتبكاً والجمهور لا يقابل النكتة باستحسان، مع أنها “نظيفة” نظرياً، فكريس روك لم يشبه جايدا برجل أو بشيء، كما أنه رجل أسود، لذا فتعليقه على شعر امرأة سوداء مثله لن يكون خطيئة في العرف غير المكتوب بين السود والبيض، حيث موضوع شعر الأفارقة الأميركيين من أشد المواضيع حساسية، وهو متجذر في تاريخ الوعي لدى السود في نضالهم لتغيير الأحكام المسبقة التي أرساها البيض حول السود، وشكلهم، وطباعهم، وإلى ما هنالك من اللائحة التي لا تنتهي.

جادا بينكيت

كانت المزحة لتمر، لولا أن جايدا مصابة بمرض “الثعلبة” الذي يجعل شعرها يتساقط وقد دفعها إلى حلقه بالكامل. كان يمكن لجايدا أن تصعد بنفسها إلى المسرح، وتصفعه، أو تأخذ الميكروفون من يده، وتشرح له أنه أزعجها، وتكسر، لمرّة، هذه الألوهة المدعاة لدى الكوميديين حين يظنون أن باستطاعتهم التنمر على الناس والتجريح بهم وبمعتقداتهم وميولهم وشكلهم وحتى جنسهم، لمجرد أن ما يتفوهون به مجرد “نكات” من واجبهم رفع سقفها ما استطاعوا لتصير الكوميديا جيدة ومبتكرة.

لم تصعد جايدا إلى المسرح. صعد زوجها بدلاً منها. مشى ويل بخطى واثقة صوب كريس الذي كان يضحك بصوت عالٍ، ثم مد ذراعه على طولها ومال بحركة استعراضية هائلة، وصفع كريس على وجهه. الجمهور ضحك لعبارة روك الذي قال ما معناه إن ويل سميث ضربني بشدة. ولم ينتبه إلى أن الصفعة جدية إلا حين كرر سميث من مقعده، صراخاً، عبارته المضمنة شتيمة: لا تلفظ اسم زوجتي.

ساد صمت عميق. تابع كريس روك فقرته كيفما اتفق، وقد غرق في ذهوله وإحراجه ثم خرج. لم ينتبه أحد من الذي فاز بجائزة أفضل وثائقي، لأن المشاهدين بطبيعة الحال، كانوا انتقلوا جميعاً إلى “تويتر”، لفهم ما حدث، هناك حيث الهشة التي عمت الكوكب تمحورت حول سؤال واحد: “ماذا؟ ألم يكن هذا متفقاً عليه مسبقاً؟”

على الأرجح أن بلى، كان مشهداً شبه تمثيلي ارتجله ويل سميث وأدّاه وحده، خالطاً فيه، بمهارة عالية، بين شخصه، وبين حرفته كممثل. استعرض. خطواته الواسعة بينما يقترب من روك. حركة الضرب التي أداها مئات المرات في أفلامه، والتي لو كانت بالقوة نفسها التي أوحى بها إداؤه لها، لرمت الكوميدي المسكين أرضاً، وربما جعلته يبصق دماً. (هذا على الأقل ما يحدث في هوليوود). وحتى صراخه من بعيد كان خليطاً من التمثيل والحقيقة. ولم يكن بكاؤه مقنعاً بالطبع، خاصة وأنه بينما يكفكف دموعه، يحمل بيده دليلاً طازجاً بأنه أفضل ممثل. 

لكن، لماذا أدى ويل سميث هذا الاستعراض الذي يعرف أنه لن يعود عليه بأي فائدة تذكر؟ هل هي شهامة مطلقة من رجل يعيش أزمة منتصف العمر إياها، لجأ إلى أكثر الطرق تقليدية في حماية زوجته كي يكبر في عينها وفي عين نفسه؟ أم أنها فورة غضب من رجل لا يستطيع التحكم بغضبه؟ أم أنه تطوع، ضحى بنفسه، لانقاذ الحفل المأزوم بانصراف المشاهدين عنه، وفقدان قدرته على الإبهار كما في سنوات غابرة؟

لا أحد يدري ما الذي كان يدور في رأس ويل سميث، وهو لم يعد مهماً في الأصل. الصفعة نفسها باتت الحدث. فقد برهنت، بداية، أن نجماً كبيراً وغنياً يمكنه أن يصعد إلى مسرح ويصفع رجلاً آخر، ثم يعود إلى مقعده، ويكمل الحفل، كأن شيئاً لم يكن، ويستلم جائزته، كأن شيئاً لم يكن، ويقف له الجمهور مصفقاً، كأن شيئاً لم يكن.

هذا الجمهور الذي له قيمة سوقية، وهي بالمليارات من الدولارات، لم نجد شخصاً واحداً فيه يعترض بصوت عال على ما فعله سميث، مع أن جميعهم متفوهون في أنواع الحقوق كافة، ولهم أحكامهم القاطعة أخلاقياً، في كل المواضيع الجدلية. ومواقفهم دائماً مستنسخة عن بعضها، تلتزم الصوابية السياسية ولا تحيد عنها قيد أنملة. ويل سميث فاجأهم بخروجه عن النص، فحاروا ماذا يفعلون. إنه تماماً المأزق الذي وقع فيه الممثلون في المدينة المعدّة على قياس ترومان في فيلم “ترومان شو”. حين بدأ ترومان (جيم كاري) يلاحظ أنه يعيش في عالم مصطنع (سيتبين في النهاية أنه مسلسل تلفزيون واقع يدور حوله فقط)، صار يغير من عاداته وروتينه اليومي وحتى أحاديثه العابرة مع الجيران، فيصمت هؤلاء ويتلفتون حولهم بانتظار تعليمات كي يعرفوا كيف يواجهون هذا الموقف غير المتوقع. 

هكذا بدا الحاضرون، ممثلين عاجزين عن اتخاذ موقف قبل قياسه، وقياس تأثيره. انكشف الحضور عن مجموعة من المدجنين في حظيرة، أرعبهم تصرف ويل سميث، لأنهم لم يعرفوا في أي خانة يصنفون الصفعة وفقاً لمعايير الصوابية السياسية: ذكران. أفريقيان أميركيان. مغايرا الميول الجنسية. متكافآن في المعايير كافة. ما الذي حدث وكيف يأخذون منه موقفاً؟ لم يرتجل واحد منهم موقفه بناء على قناعة. جبنوا جميعاً. كل نجم فيهم شركة كاملة، محترف، لن يقدم على خطوة غير مدروسة. لن يتمرد على الحظيرة، ثم إن الصفعة، في أسوأ أحوالها، هي مجرد شجار آخر بين رجلين أسودين… دعونا نكمل الحفل كأن شيئاً لم يكن.

لكنه كان. وفي عيون الأفارقة الأميركيين على الأقل، كان أبعد من “مجرد شجار”. على “تويتر” أدانوا، من دون رفة جفن، الممثلين معاً. الأول لانعدام حساسيته في قضية مثل شعر امرأة سوداء، والثاني بسبب فعلته العنيفة على مسرح صغير عانوا طويلاً كي يعترف بهم، وعلى مسرح أوسع، هو أميركا نفسها. الأميركيون السود الذين يراقبون هذه الجائزة سنوياً ليروا إذا ما كانت عادلة معهم كنساء ومنتجين وممثلين ومخرجين وخلافه، رأوا الأكاديمية كما لو أنها تفوقت على نفسها هذه السنة بعدد الترشيحات للسود، لتأتي الصفعة لصورتهم من قبل اثنين من أبنائهم. 

ليس لدى الأفارقة الأميركيين حتى الآن الامتياز الأبيض الذي يجعل صفعة بين أبيضين هي مجرد شجار بين رجلين.. وويل سميث ليس فرداً على المسرح بل هو جزء من عرق، والجائزة التي نالها ستوصف بأنها الخامسة في تاريخ الأكاديمية لرجل أسود. وإذا سحبت منه ستكون سحبت من ممثل أسود. شاء أم أبى، لديه واجب مضاعف تجاه مجتمعه كان يفترض أن يجعله يفكر مرتين قبل أن يستعرض رجولته. النجوم السود، من رياضيين وفنانين وسياسيين، يتحولون لحظة نجاحهم تلقائياً إلى أيقونات يدل الأهل أطفالهم إليهم بالأصابع، والعنف هو آخر ما تريد أم تعريف أبنائها إليه، في مجتمعات تعاني تمييزاً ممأسساً ينعكس عليها فقراً وعنفاً لا أفق لخلاصها منهما. وآخر ما تحتاج إليه هذه المجتمعات حجة أخرى للعنصريين البيض لاتهامهم بالعنف والغضب والعجز عن السيطرة على الانفعالات.

باكياً، اعتذر ويل سميث من الأكاديمية وزملائه وتناسى الاعتذار من كريس روك. دام تمرده أقل من دقيقة واحدة هي المدة الكافية للصعود والصفع والعودة إلى المقعد والشتم. حتى أنه تمنى، في ما يشبه الرجاء، أن تدعوه الأكاديمية مرة ثانية إلى احتفالاتها. أصابه الرعب لحظة فكر بعواقب التمرد على المؤسسة. ومساء اليوم التالي، وبعد قياس ردود الفعل، وفتح الأكاديمية تحقيقاً في الحادثة، أصدر اعتذاراً ثانياً مكتوباً بعناية ذاكراً فيه كريس هذه المرة. جلد ذاته والأميركيون يحبون حين يخرج عليهم مخطئ يجلد ذاته. الأميركيون يفضلون النهايات السعيدة، حين يعترف البطل الخارق بضعفه الإنساني، وحيث نجومهم جميعاً ملتزمون ابتساماتهم العذبة وصوابيتهم السياسية وكلامهم الذي لا يحيد عن المكتوب له إلا لدقيقة واحدة، كافية لكل هذه التسلية العظيمة التي لم تخيب هوليوود يوماً أملهم بتقديمها لهم، ولو من طريق مصادفة شجار وقع بين رجلين حول شعر امرأة، وهو أمر يعنيها وحدها، ولا دخل لهما به.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني