ما وراء هجمات الحوثي ضد السعودية:
توازن إقليمي وترهيب داخلي

مارس 28, 2022
برغم الرسائل السياسية والأمنية التي تحملها الهجمات إلى دول خارج اليمن، إلا أن الهجمات العابرة للحدود أداة فاعلة في التحشيد العسكري وتقديمه أمام اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثي، كقوة تتطور عسكرياً.

لم تكشف هجمات “جماعة أنصار الله” (الحوثيين)، الأخيرة، ضد السعودية عن أنواع جديدة من الصواريخ والأسلحة العابرة للحدود، بقدر ما جاءت لتكشف عن تصعيد عسكري غير مسبوق.  

التصعيد الحوثي يبرز من حيث كمية الهجمات التي استهدفت أوسع عدد ممكن من الأهداف في المناطق السعودية، إلى جانب دلالات مرتبطة بالتوقيت، لا تقل أهمية، وأبرزها المشاورات في مجلس التعاون الخليجي وقبل ذلك الهجمات النوعية والمسبوقة في الإمارات العربية المتحدة. 

في الأيام القليلة الماضية، أعلن الحوثي عن موجة جديدة من الهجمات، إذ أعلن التحالف العربي الذي يضم الإمارات والسعودية أن الحوثيين نفذوا خلال ساعات 16 هجوماً، باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ باليستية، شملت وفقاً لوكالة الأنباء السعودية أهدافاً نفطية ومنشآت حيوية.

وبرغم الرسائل السياسية والأمنية التي تحملها الهجمات إلى دول خارج اليمن، إلا أن الهجمات العابرة للحدود أداة فاعلة في التحشيد العسكري وتقديمه أمام اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثي، كقوة تتطور عسكرياً، برغم ما يقرب من 7 سنوات من عمليات التحالف، التي تفشل في تعطيله قدراته. 

إعلام الحوثي غالباً ما يضخم الخسائر الناتجة عن هذه الهجمات، مثل تأكيد أنها “أصابت أهدافها بدقة عالية”، وقد أثار التصعيد، تعليقات تحاول الربط بين التوقيت وحالة السخط الشعبية الناتجة عن ارتفاع الأسعار، وكذلك حملة التجنيد التي أطلقتها الجماعة منذ أسابيع بعد خسائر ميدانية تكبدتها في شبوة ومأرب الشهور الأخيرة. 

موجة تصعيد 

هذه الهجمات أتت في إطار موجة تصعيد بدأت في 20 آذار/ مارس 2022، أظهرت مجمل البيانات الصادرة عن السعودية أو الحوثيين، كثافة الهجمات أو المحاولات الهجومية، وشملت في أيامها الأولى وفق رصد “درج”، استهداف مناطق ومدن عدة، ابتداءً بمنطقتي جازان وعسير الحدوديتين ومدينتي خميس مشيط وظهران الجنوب وحتى ينبع وجدة، ولم يغب البحر عن التصعيد، فبحسب اتهامات التحالف، فإنه استهدف زوارق مفخخة كانت تخطط لعمليات في البحر الأحمر. 

وتضم الأسلحة التي استخدمها الحوثيون، في الهجمات ثلاثة أنواع هي الطائرات المسيرة بدون طيار والصواريخ الباليستية إلى جانب الصواريخ المجنحة (كروز) أو ما تطلق عليه قوات الحوثيين “قدس1″، وتنوعت الأهداف بين منشآت اقتصادية تابعة لشركة “أرامكو” في الرياض وجدة وجازان، إلى جانب استهداف محطة تحلية المياه في جازان ومحطة الكهرباء في مدينة ظهران الجنوب، وذلك ضمن ما قال المتحدث العسكري للقوات الموالية للحوثيين العميد يحيى سريع إنه “عملية كسرِ الحصارِ الثانية”، والتي من الواضح أنها تطورت نوعاً وكماً عن سابقتها التي أُطلق عليها “عملية كسر الحصار الأولى”، باستخدام تسع طائرات مسيرة بدون طيار في الـ11 من آذار 2022. 

وبرغم أن تفاصيل الخسائر الناتجة عن هذه الضربات لم تعلن بصورة رسمية، إلا أن الصورة التي بثتها وكالة الأنباء السعودية أظهرت حرائق وخسائر في مركبات مدنية، إلى جانب إعلان النفط السعودية عن تأثر مصفاة النفط في مدينة ينبع، من خلال الانخفاض الموقت في الإنتاج، كما استغلت السعودية الأزمة العالمية المرتبطة بارتفاع أسعار النفط على ضوء أزمة غزو روسيا لأوكرانيا، لتطلق تحذيرات من أن الهجمات قد تؤثر في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بإنتاج النفط. 

رشقات متتالية وعودة إلى التصعيد

المحلل والباحث العسكري اليمني الدكتور علي الذهب يوضح لـ”درج” أن الهجمات الأخيرة بدأت متتالية، لثلاثة أيام وكانت “على شكل رشقات من أربعة إلى ستة صواريخ، سقط بعضها وأصاب بعضها الآخر أهدافه”. بطريقة عادت إلى “وتيرتها بشكل أكبر كما كانت عام 2019″، عندما هاجم الحوثيون الرياض وخريص والمدينة والمناطق جنوب المملكة عسير وجيزان ونجران. 

 ويرجح الذهب ما تردده رواية التحالف والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً  بكون “الصواريخ إيرانية الصنع”، ويرى أن “دخولها إلى الحوثيين يدل على أن هناك تسهيلاً من أطراف اقليمية و دولية”، كما أنه وبرغم الضربات التي تلقاها الحوثيون من “طريق طيران التحالف، إلا أنهم أثبتوا أنهم قادرون على الإخفاء والتمويه وامتصاص هذه الضربات بحيث أنها لا تستهدف مخابئ ومراكز أو قواعد إطلاق هذه الطائرات والصواريخ البالستية”. 

التوقيت إلى جانب التطور 

منذ تدشين أنصار الله “الحوثيين”، الهجمات الأخيرة، كان العنوان الأهم هو المشاورات التي يحضر مجلس التعاون الخليجي لتنظيمها برعاية في العاصمة السعودية الرياض، وهي المشاورات التي تحدثت تقارير عن أن مجلس التعاون الخليجي وجه فيها الدعوة إلى الحوثيين للمشاركة، إلا أن التصعيد جاء كرد عملي بالرفض، على رغم أنه قُوبل سعودياً بإعلان التحالف عن سياسة “امتصاص التصعيد”، لإنجاح المشاورات اليمنية – اليمنية المرتقبة في الفترة من 29 آذار وحتى 7 نيسان/ أبريل. 

 يقول المحلل العسكري الذهب إن الاجتماع المرتقب يرتبط بالتوقيت، إذ “من شأنه أن يضع خطوطاً عريضة أو يحدد مسارات لحل الأزمة على الأقل، بين الأطراف اليمنية المنضوية تحت الحكومة المعترف بها دولياً”. ويضيف، “قد تحاول السعودية قدر الامكان خفض هذا التصعيد وتمرير مبادرتها- في مشاورات الرياض- بالتزامن مع المبادرة التي يطرحها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، وحتى تجرى ترتيبات أخرى في إطار الشرعية وفق ما ترسمه الآن”، ويقول إن “هناك ترتيبات جديدة تستهدف قوام الحكومة المعترف بها دولياً أو السلطة الشرعية برمتها واعتقد أنها تحاول امتصاص هذه الضربات أو أنها سترد عليها ولكن بطريقة أقل عنفاً مما كانت ولربما بطريقة لا تثير أخطاء كبيرة كالتي حدثت بخاصة في ما يتعلق بالمدنيين”. 

هجمات الإمارات وموجة القصف الجوي 

إلى جانب المستجدات الأخيرة، كان أبرز تصعيد سبق الهجمات الأخيرة، تبني “أنصار الله” الحوثيين، عدة هجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وبرغم أنها لا تقارن كماً مع الهجمات ضد السعودية، إلا أنها كانت تطوراً نوعياً من أكثر من زاوية، منها أنها تأتي بعد عمليات جوية للتحالف، في المقابل، امتدت لأسابيع وشملت غارات مكثفة في صنعاء ومدن أخرى شمال ووسط البلاد، بالتركيز على ما قال التحالف إنها أهداف تحيد قدرات الحوثيين بتنفيذ هجمات عابرة للحدود، لكن عودة الهجمات بمثابة رسالة أن موجة القصف الجوي لم تعطل هذه القدرات. 

إقرأوا أيضاً:

إيران وارتفاع أسعار النفط

إقليمياً، يربط متابعون التصعيد ببعد ثالث، يتمثل بإيران حيث تتزامن التطورات مع عودة المفاوضات بشأن الاتفاقات النووية بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب الحديث الذي يتردد عن خطوات أميركية لشطب الحرس الثوري الإيراني من قوائم الإرهاب الأجنبية داخل الولايات المتحدة، بعد شطب جماعة الحوثيين (مطلع العام الجاري)، هذه كلها برأي الذهب “عوامل تشجع الحوثي أو تدعمه لشن هجماته على السعودية”. 

 ويضيف بشأن رد فعل السعودية بأنها “تحاول في الوقت الراهن امتصاص هذه الضربات وتلقي بثقلها إقليمياً ودولياً باتجاه الدول التي ترتبط معها بمصالح، ولذلك وجهت نداء إلى المجتمع الدولي بأنها غير مسؤولة عن استدامة تدفق شحنات النفط على الوتيرة التي كانت عليها قبل هذه الهجمات بمعنى أنها دعوة للغرب أو للمستفيدين أو لأصدقائها لمواجهة الحوثيين أو التعاون في هذه المواجهة”، كما أن الهجمات تبدو كـ”فرصة أمام السعودية لتعوض خسائرها في هذه الحرب من طريق ارتفاع أسعار النفط، وعندما بادرت إلى دعوة المجتمع الدولي لمواجهة الحوثيين خلقت ذريعة أو مبرراً أمام تمسكها بعدم رفع حصة النفط المتعارف عليها أوبك أو أوبك بلس مع روسيا وفي الوقت نقيه أيضاً فيه مبرر لارتفاع أسعار النفط سيكون مبرر إضافي”.

يشار إلى أن السعودية أعلنت أنها غير مسؤولة عن أي نقص في إمدادات البترول في الأسواق، بسبب هذه الهجمات التي تتعرض لها منشآتها النفطية، وشددت على  أهمية أن “يعي المجتمع الدولي خطورة أن تواصل إيران، تزويد الحوثيين بتقنيات الصواريخ الباليستية والطائرات المتطورة دون طيار، التي تستهدف بها مواقع إنتاج البترول والغاز ومشتقاتهما في المملكة، لما يترتب على ذلك من آثارٍ وخيمة على قطاعات الإنتاج والمعالجة والتكرير”. 

في المقابل، يقول الحوثيون، إنهم يمتلكون “إحداثياتٍ متكاملةٍ ضمنَ بنكِ أهدافٍ خاص يضمُّ عدداً كبيراً من الأهدافِ الحيويةِ قد تُستهدف في أي لحظة”، في السعودية، وحذروا “العدو” من تبعات استمرار ما وصفوه بـ”الحصار الغاشم، على منشآتهِ ومشاريعهِ الاقتصادية”، وفقاً لما جاء في البيان التالي لانطلاق الهجمات الأخيرة. 

تطور الهجمات منذ 2019

وبرغم أن إطلاق الصواريخ الباليستية بدأ من قبل الحوثيين منذ الشهور الأولى  الحرب التحالف في 2015، إلا أن التطور الأهم في الهجمات بدأ في 2019، عندما تبنى “أنصار الله” الحوثيون هجمات بعيدة المدى ضد منشآت نفطية سعودية، أشهرها استهداف منشآت نفطية في بقيق وخريص أيلول/ سبتمبر 2019، ثم تجددت العمليات النوعية بتبني استهداف حقول ومنشآت نفطية، بعمليات نوعية أثيرت الشكوك حول حقيقة أن تكون جاءت من اليمن أو من مصدر آخر كإيران. 

خلال هذه السنوات أيضاً، سجل التطور الحوثي نوعيات جديدة من الصواريخ مثل استخدام صواريخ مجنحة لأول مرة، إضافة إلى التطور المستمر لتقنية الطائرات المسيرة بدون طيار، تلك التي تبنت عن طريقها هجمات في الإمارات. ويقول تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي للعام 2021، إن الحوثيين واصلوا حملتهم ضد أهداف داخل المملكة العربية السعودية، طوال عام 2020، باستخدام “مزيج من القذائف التسيارية والانسيابية، إضافة إلى طائرات مسيرة من دون طيار”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني