صعيد مصر: هدم منازل المطلوبين أمنياً وتهجير عائلاتهم

مناطق الصعيد المصري هي الأكثر معاناة لجهة تدني المستوى المعيشي وارتفاع نسب الأمية وضعف الاهتمام الرسمي، وهذه الأزمات تقابل بقبضة أمنية شرسة لا بحلول اجتماعية مستدامة.

“الوزارة غلطانة… مفيش حد هيفهم الدنيا في الصعيد غير اللي عايش فيه”، جملة قالها اللواء رشدي والذي مثل دوره الفنان خالد الصاوي في فيلم “الجزيرة”. وجه اللواء رشدي كلامه في المشهد لنسيبه ضابط الشرطة الذي أرسلته وزارة الداخلية خصيصاً للتعامل مع أحد أشهر مجرمي الصعيد قبل ثورة يناير، ويدعى عزت حنفي. 

وكأن هذه المقولة قد تجسدت بالفعل، فمن الصعب إدراك الواقع المعقد والصعب الذي تعيشه مناطق الصعيد المصري إلا من يعيش فيه، ولا أحد يعلم أساليب تعامل ضباط الشرطة في الصعيد، إلا من يخدم فيه، أو أهالي الصعيد أنفسهم، إذ ينتهج ضباط الشرطة هناك أساليب في غالبها مختلفة تماماً عن المحافظات الأخرى. 

محافظات جنوب مصر التي تعرف بمناطق الصعيد هي من المناطق الأكثر معاناة لجهة تدني المستوى المعيشي وارتفاع معدلات الفقر وارتفاع نسب الأمية وضعف الاهتمام الرسمي بها. لكن الأزمات المعيشية تقابل بقبضة أمنية قاسية جعلت من الحياة هناك أكثر صعوبة.

بطش الشرطة يعود 

في الصعيد كل شيء مباح ومستباح، بخاصة البشر… فبعد المسافة من القاهرة والجهل، كفيلان بإبقاء ممارسات رجال الشرطة في الظل، وإن تمكن أحد من نبشها عند المسؤولين وعلية القوم في الوزارة، فهناك قائمة طويلة من التبريرات ستُلقى على أذنك. 

إحدى هذه الممارسات هي هدم منازل المطلوبين أمنياً، على أيدي قوات الشرطة، وتنتشر هذه الممارسات بشكل واسع في الصعيد منذ فترة طويلة، وزادت حدتها بعد إسقاط الرئيس السابق محمد مرسي، وتولي الرئيس عبدالفتاح السيسي سدة الحكم. 

وبرغم أن ثورة يناير 2011، انطلقت شرارتها اعتراضاً على ممارسات وزارة الداخلية والتعذيب داخل أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، بخاصة بعد مقتل المواطن الاسكندري خالد سعيد على يد ضباط شرطة في الإسكندرية، وبرغم أن ثوار يناير حددوا 25 يناير يوماً للتظاهر، على سبيل الاحتجاج ضد ممارسات الشرطة… إلا أنه بعد عقد من الزمان لم يتغير أي شيء، وعادت ممارسات الشرطة كما كانت، بل وزادت قسوتها وبطشها، بخاصة في المناطق النائية والبعيدة.  

هدم منازل المطلوبين 

للبحث أكثر في كواليس وأسباب هذه الممارسات التقينا حامد عسران (اسم مستعار) وهو أحد أبناء قرية أولاد سالم بحري في مركز دار السلام، في محافظة سوهاج، حيث صعيد مصر، سرد لنا حامد كيف تعاملت الشرطة مع عائلته، قبل عامين، عندما حاولت ضبط بعض رجال العائلة، المطلوبين أمنياً، إثر خصومة ثأرية مع عائلة أخرى. 

يقول حامد: “في الصباح الباكر فوجئنا بلوادر وجرافات الشرطة ومعها 3 سيارات شرطة تحوي بعض الأمناء والضباط، ومعهم مدرعتان تابعتان لقوات الشرطة، وسيارة أمن مركزي، وبدأوا في هدم منازل العائلة واحداً تلو الآخر، من دون سابق إنذار”.

يوضح أن هدم المنازل منتشر بكثرة في الصعيد، بخاصة بعد شجار عائلتين أو شخصين وإطلاق أعيرة نارية في الهواء، وتسعى الشرطة إلى تأديب الطرف المعتدي أو الطرفين فتسعى إلى هدم منزل أو أكثر وأحياناً حظائر المواشي التابعة للمطلوبين، وفي بعض الأحوال تجرف بعض الأراضي الزراعية الخاصة بهم، لحرمانهم من مصادر دخلهم، خلال الموسم الزراعي، لكن ذلك يكون بعد إنذار أولي من قوات الأمن، حتى تخرج النساء والأطفال من المنازل.

الشرطة طرف في الخصومة 

لكن قوات الأمن لم تنذر عائلة حامد خلال هدم منازلهم، إثر تجدد خصومة ثأرية بينهم وبين عائلة أخرى من القرية ذاتها، يوضح حامد أن خصومة ثأرية نشأت بين عائلته وعائلة أخرى، قبل 5 سنوات، إثر خلاف على حدود الأراضي الزراعية المملوكة لكلا العائلتين، قُتل على إثرها 2 من عائلته، وقبل عامين تحديداً استهدفت عائلته ضابط شرطة ينتمي للعائلة الأخرى، وقتلته أثناء عودته من العمل من محافظة أخرى… وهنا أصبحت وزارة الداخلية نفسها خصماً شرساً لعائلة حامد، وفقاً له، ولهذا السبب تحديداً توسعت الشرطة في هدم منازل عائلة حامد، واتخذ ضباط قسم شرطة دار السلام، عائلته، هدفاً شخصياً لهم، للثأر لزميلهم، منهم. 

يوضح حامد، أنه في الخصومات الثأرية بين العائلات، يتم اللجوء إلى قتل أقوى وأهم رجال العائلة الأخرى، وكلما كان الهدف أثمن وأكثر نفوذاً، كان مصاب العائلة الأخرى أليماً، وذلك لسببين: الأول هو تحييد عنصر قوي ومؤثر في العائلة، وبالتالي إضعاف قوتها، والثاني هو قوة الهدف نفسه، وكلما علا شأن القتيل أهميته، كان الطرف الآخر أكثر انتصاراً، ولهذا السبب استهدفت عائلة حامد ضابط الشرطة تحديداً، دون بقية أفراد العائلة الأخرى.  

عقاب مادي 

ياسر عوضي، وهو محام، وأحد أبناء صعيد مصر، يشير إلى أن رجال الشرطة يلجأون لهذه الطريقة، كأحد أنواع العقاب المادي للمطلوبين أمنياً، والمشاغبين، والعائلات أطراف الخصومات الثأرية، ظناً منها أن هذه الطريقة ستؤتي نفعاً، لكن الأمر لا يفلح. 

وأضاف عوضي، لـ”درج”، أن الشرطة اتجهت خلال العقدين الأخيرين لزيادة دور رجال المصالحات العرفية ودعمتهم وذللت لهم كل نفيس وغال، لإنهاء الخصومات الثأرية بين العائلات وبعضها البعض في صعيد مصر، ويلجأ أعضاء هذه اللجان إلى أطراف الخصومات الثأرية القديمة، لإنهائها، لكن كثراً منهم يرفض الصلح إلا بعد تساوي عدد القتلى من الطرفين، وهنا تلجأ الشرطة إلى التضييق أمنياً ومعنوياً ومادياً على الطرف الرافض، وتتخذ في سبيل ذلك إجراءات عدة، منها ملاحقتهم أمنياً وتنفيذ حملات للتفتيش على السلاح في منازل هذه العائلة، وتشهد هذه الحملات عدداً كبير من التجاوزات. 

يوضح أن الشرطة تهدم بعض المنازل، خلال هذه الحملات، وتكسر الكثير من أثاث المنازل وأجهزتها، وتصادر بعضها الآخر، في محاولة منها لإخضاع وإجبار الطرف الرافض على قبول الصلح، ولو مرغماً، مؤكداً أن الضباط يجردون بعض الأهالي من ملابسهم ويضربونهم أمام أطفالهم وزوجاتهم للإفصاح عن أماكن تخزين السلاح حتى إن كانوا يعلمون أنهم لا يملكونه، وفي بعض الحالات يهددون بفعل ذلك مع نساء العائلة. 

إقرأوا أيضاً:

أهداف سياسية 

المحامي الحقوقي أسامة جميل، يقول إن سياسة إنهاء الخصومات الثأرية بين العائلات والأطراف المتنازعة بدأت أيام مبارك، حتى يتفرغ الأمن لملاحقة الإرهاب والجماعات الإسلامية، حينها، ومع تجدد النزاع بين الدولة والأمن من ناحية، وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية الأخرى من ناحية، ظهرت ضرورة حتمية لإنهاء الخصومات الثأرية بين العائلات، لتتفرغ الشرطة لملاحقة أعضاء الجماعة الإرهابية، والسياسيين ورصد أنشطتهم.

يضيف الجميل لـ”درج”، أنه في المقابل تظهر كثير من التجاوزات القانونية لضباط الشرطة في أفعالها وسياساتها في صعيد مصر، فكل ما يحدث مخالف للدستور والقانون، موضحا أن المادة 58 من الدستور المصري تنص على أن “للمنازل حرمة، وفي ما عدا حالات الخطـر، أو الاستغاثة لا يجوز دخولها، ولا تفتيشها، ولا مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائي، يحدد المكان، والتوقيت، والغرض منه، وذلك كله في الأحوال المبينة في القانون، وبالكيفية التي ينص عليها، ويجب تنبيه من في المنازل عند دخولها أو تفتيشها، وإطلاعهم على الأمر الصادر في هذا الشأن”.

وأكد أن كل ما يحدث من أجهزة الشرطة في هذا الصدد، مخالف تماماً للدستور والقانون، فهي لا تقتحم المنازل فقط، بل تهدمها فوق رؤوس من فيها، علاوة على أنها تهدد أمن المصريين التي كفلتها المادة (59) من الدستور، وتنص على “الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها”.

الانتهاكات الجمة التي تمارسها الشرطة في صعيد مصر، يؤكدها حامد لـ”درج”، مشيراً إلى أنه بعدما اتخذت الشرطة عائلته هدفاً لها، بدأت في استهداف الأطفال والنساء ومطاردة جميع رجال العائلة، موضحاً أنه لا خلاف على أن المتهم يأخذ جزاءه ولكن ليس بهذه الطريقة، الشرطة تنبغي لها حمايتنا لا مهاجمتنا.

وقال إن الشرطة الآن لا تسعى إلى تنفيذ القانون، ولكنها تسعى للقضاء على أفراد العائلة نهائياً، وهدم منازلهم وقتلهم، “في انتهاك صريح لحقنا، ولكن علشان إحنا في الصعيد فكرونا فئران سنقتل ونموت في صمت تام”. 

استهداف الشرطة، دفع حامد وبقية أفراد عائلته للهروب إلى القاهرة وغيرها من المحافظات، للاختباء في زحام ملايين البشر في المناطق العشوائية وغير المخططة في المحافظات الكبرى.

يعيش حامد حالياً حال في شتات دائم إذ ينتظر وعائلته مرور بضع سنوات، لربما يتم نسيانهم أو تُحَلّ القضية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني