رغم تراجع خطره عالمياً…
“أوميكرون” في اليمن وافد ثقيل في بلدٍ بلا لقاحات

"الأوضاع الاقتصادية في اليمن، جعلت المواطنين يترددون في زيارة الطبيب إلا عندما يدخل المريض في مضاعفات خطيرة، عندها يصبح التعامل مع الحالات أمراً صعباً، يتعذر معه في الغالب استجابة المريض للعلاجات المقررة".

في مطلع شباط/ فبراير 2022، نُقِلَ المواطن اليمني حميد المعلم (60 سنة) إلى مستشفى الكويت في صنعاء على متن سيارة إسعاف، وهو في حالة حرجة. لم تمضِ سوى ساعات حتى أجهز عليه الداء الغريب، قبل أن يغادر المستشفى جثماناً يشيعه عويل أهله إلى المقبرة. 

في البدء، لم يستطع أبناء المعلم إسعاف والدهم قبل أن تتفاقم حالته، نظراً إلى الظروف الاقتصادية المزرية التي يمرون بها، ما دفعهم إلى التلكؤ في نقله إلى المستشفى ظناً منهم أنه مصابٌ بنزلة برد حادة، على أسوأ تقدير، إلا أن الأمر لم يكن كذلك.

وفي أواخر كانون الثاني/ يناير، وصل محمد منصور (38 سنة)، محمولاً على كرسي مُدَولَب، إلى قسم الطوارئ في مستشفى الجمهوري في العاصمة صنعاء؛ كان يعاني من ألم في الصدر واضطرابٍ في التنفس. شَخَّص المسعفون حالته حينها بأنها التهابات تنفسية وخيمة، لكن تبين بعد إجراء مسحة PCR، أنه مُصاب بفايروس “كورونا”، ما أدى إلى تليف أكثر من ثلثي رئتيه، وأدخله في حالةٍ حرجة استلزمت نقله إلى العناية المركزة.

يقول أديب منصور، الأخ الأصغر لمحمد الذي كانت تبدو عليه أعراض الإصابة بالفايروس، “كل من في المنزل مصاب حتى أنا، اعتقدنا أولاً أن العوارض بسبب أحد الأمراض الموسمية، بخاصة مع تقلبات الطقس، الكثير من الجيران أيضاً مرضوا مثلنا، لكن إصابة محمد كانت أكثر حدة، والآن الأطباء يقولون إنه مصاب بكورونا، وأن حالته خطيرة”.

“حاولنا تأهيل المراكز الصحية والمستشفيات ومراكز العزل الصحي، وأيضاً وفرنا اللقاحات للجميع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً”.

عدوى صامته

مع اشتداد موجات الصقيع وتقلبات الطقس منذ أواخر أيلول/ ديسمبر من العام المنصرم، انتشرت أمراض تنفسية جديدة في المدن والمحافظات اليمنية بشكل كبير، ما جعل مختصين وأطباء يشككون في كونه المتحور الجديد من فايروس “كورونا” أي “أوميكرون”.

أطباء ومهتمون، بدأوا يطلقون تحذيرات للحكومتين في صنعاء وعدن للالتفات تفادياً لاستفحال الحال واتخاذ التدابير المناسبة، وسط مخاوف من انهيار المنظومة الصحية في اليمن.

يوضح الدكتور وهاج المقطري- استشاري أول في طب الحالات الحرجة والعناية المركزة بالمستشفى الجمهوري، أن التشابه الكبير بين الأعراض الأولية للإصابة بـ COVID-19 ومتحوره الجديد OMICRON، والإنفلونزا الموسمية الناتجة عن التغيرات في الطقس، جعلت اليمنيين يتعاملون مع الإصابة بتهاون، دون أخذ أي إجراءات احترازية أو الالتزام بالتباعد الاجتماعي تجنباً لانتشار الفيروس بشكل أكبر.

من جهته يؤكد وليد الثجيلي- مختص في طب الطوارئ والكوارث في مستشفى الثورة بصنعاء، وجود عدد كبير من المصابين بالمتحور “أوميكرون” الذي حصد عشرات الوفيات في اليمن منذ أواخر عام 2021، ويرى أن عدم إعلان الإصابات قد ساهم في تفشي الفيروس بشكل أكبر بين المواطنين.

الجدير بالذكر أنه منذ بداية جائحة “كورونا”، تمتنع وزارة الصحة في صنعاء (تابعة لجماعة الحوثي) عن التصريح بالأعداد الحقيقة للمصابين، وذلك ضمن إستراتيجية أقرها وزير الصحة التابع للجماعة عام 2020، حين صرح في مؤتمر صحافي قائلاً: “إن الإعلان عن أعداد الإصابات يثير الخوف والقلق بين المواطنين، ونحن نتعامل مع المصابين بإنسانية ولا نتعامل معهم كالبورصة، ولن نرتكب خطأ العالم الذي أحدث إرهاباً إعلامياً بإعلانه أعداد الإصابات”.

في الجانب الآخر، تعلن اللجنة الوطنية العليا لمواجهة وباء كورونا، التابعة لوزارة الصحة في الحكومة المعترف بها دولياً عن أعداد الإصابات بشكل يومي، وذلك في المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية.

إقرأوا أيضاً:

تهاون في الاحترازات

لم تعلن وزارتا الصحة في اليمن عن أي إجراءات احترازية لمنع انتشار المتحور “أوميكرون” في البلاد، وبرغم ثبوت انتشار الفايروس بشكل كبير، لم تعلن الجهات الرسمية عن أي إصابات بالمتحور الجديد، بسبب عدم امتلاك المستشفيات والمراكز الصحية في اليمن التقنيات الطبية التي تمكنها من معرفة سلسلة الفايروس الجينية.

في السياق ذاته، يقول خالد المؤيد- مسؤول الترصد الوبائي في وزارة الصحة في صنعاء “طالبنا منظمة الصحة العالمية بتوفير جهاز التصنيف الجيني للفايروسات، لكنها لم تستجب، بالتالي لم نتمكن من تحديد نوع جينات الفاايروس”. 

اشراق السباعي، وكيلة وزارة الصحة في الحكومة المعترف بها دولياً، توضح لـ”درج” أن وزارة الصحة لم تتخذ أي إجراء لمنع تفشي المتحور أوميكرون”، وتستدرك: “حاولنا تأهيل المراكز الصحية والمستشفيات ومراكز العزل الصحي، وأيضاً وفرنا اللقاحات للجميع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً”.

 إضافة إلى التجاهل الحكومي حيال انتشار المتحور أوميكرون، كان للظروف الاقتصادية التي يمر بها اليمنيون، تأثير على اتخاذ التدابير والاحترازات في الاستعداد للمتحور الجديد من فايروس “كورونا”، خصوصاً مع انقطاع المرتبات الحكومية منذ نحو 6 سنوات تباعاً.

إلى ذلك، يلفت الدكتور المقطري إلى أن “الأوضاع الاقتصادية في اليمن، جعلت المواطنين يترددون في زيارة الطبيب إلا عندما يدخل المريض في مضاعفات خطيرة، عندها يصبح التعامل مع الحالات أمراً صعباً، يتعذر معه في الغالب استجابة المريض للعلاجات المقررة”.

“طالبنا منظمة الصحة العالمية بتوفير جهاز التصنيف الجيني للفايروسات، لكنها لم تستجب، بالتالي لم نتمكن من تحديد نوع جينات الفاايروس”. 

رهاب اللقاحات

يرى ناظر الحسني طبيب التنفسية بطوارئ مستشفى الثورة بصنعاء، أنه “لا بد من التعايش مع الفيروس فقد أصبح أمراً واقعاً بالنسبة لليمنيين، خصوصاً مع عدم توفير اللقاح للمواطنين في أغلب المناطق اليمنية، ولاسيما تلك الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله”.

وكانت الجماعة قد رفضت استلام اللقاحات التي قدمتها “منظمة الصحة العالمية” لليمن لأسباب غير معروفة. حاول “درج” الاتصال بالإدارة العامة للطوارئ في وزارة الصحة التابعة لجماعة “أنصار الله” في صنعاء، للاستفسار، لكن لم يصل أي رد.

 تعلق السباعي “حاولنا أكثر من مرة إقناع وزارة الصحة في صنعاء استلام اللقاحات، بعد إن كانت وافقت على مقترح منظمة الصحة العالمية بتلقيح الأطباء والكادر الصحي في المناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله، إلا أن الجماعة رفضت ذلك تماماً فيما بعد، معتبرة اللقاحات مؤامرة كونية كما قال زعيمهم”.

وكان عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة، قال في خطاب متلفز له في 21 آذار/ مارس 2020 أن وباء “كورونا” يعد حرباً بيولوجية، تصنعها الدول المتطورة في معامل بإمكانات عالية، من فايروسات وجراثيم، متهماً الولايات المتحدة الأميركية بالسعي لاستغلال هذه الفايروسات والاستفادة منها للفتك بالبشر وإلحاق الضرر بدول ومجتمعات، حد تعبيره. 

ويرى الحسني أن الخوف ليس من أعراض المتحور، فالأعراض خفيفة مقارنة بالمتحور “دلتا”، لكن القلق هو من سرعة انتشار هذه الطفرة، مضيفاً: “اللقاحات كانت ستعمل على منع تفشي المزيد من متحورات هذا الفايروس في اليمن، لكن للأسف الأطراف المتصارعة لم تستثنِ ملف كورونا من الصراع”. 

ينوه المقطري إلى ضرورة عدم التسليم بأن المرض المنتشر حالياً في صنعاء والمحافظات اليمنية، إنما هو عبارة عن إنفلونزا عادية أو ضربة برد، بل على المصابين عند الشعور بالأعراض، أن يتجنبوا الاحتكاك بكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة، والتوجه فوراً إلى المستشفيات لإجراء صورة إشعاعية للصدر والفحوص اللازمة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني