الوديعة المهدورة في دهاليز “لوبيات” الفساد…
لماذا فشلت في إنقاذ الريال اليمني؟!

اليومَ، ونحن على مشارف انتهاء مدة الوديعة وأموالها، يقف البنك المركزي اليمني عاجزًا عن سدادها؛ لأنه لم يتمكن من جمعها، كونَه لم ينتهج سياسة الاستعاضة لاسترداد مبلغ الوديعة، وفقًا لخبراء الاقتصاد.

في مارس/ آذار الحالي 2022، حان موعد سداد الوديعة المقدمة من المملكة العربية السعودية للبنك المركزي اليمني وبمبلغ ملياري دولار.

غير أن الأخير طالَبَ بوديعة جديدة، بعد أن عجز عن سداد الوديعة السابقة التي رافق عمليات صرفها خروقات كبيرة ومخالفات عدة لقواعد المصارفة المعتمدة؛ الأمر الذي حدّ من فاعليتها الاقتصادية، وعرّض الأصول الثابتة للبنك المركزي خارج اليمن لخطر المصادرة وفقًا لاتفاقية الوديعة التي تضمنت هي الأخرى بنودًا مجحفة بحق الدولة اليمنية، وفقًا لما سيكشفه هذا التحقيق.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، حذرت الأمم المتحدة من تدهور قيمة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، مما ينذر بتفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية والإنسانية في البلد الذي لم يعد يحتمل المزيد.

وخلّف انهيار العملة اليمنية وضعًا جديدًا أكثر مأساوية في حياة اليمنيين بعد أن تآكلت أجورهم ومدخراتهم، وارتفعت أسعار السلع والمواد الغذائية والخدمية إلى مستويات قياسية دفعت بمزيد من اليمنيين للعيش تحت خط الفقر.

وعلى الرغم من أن الوديعة التي قدمتها المملكة العربية السعودية في الربع الأول من العام 2018، للبنك المركزي اليمني، هدفت إلى الحفاظ على استقرار العملة الوطنية ودعم واردات عدد من السلع والمواد الغذائية، إلا أن عدم الاستغلال الأمثل للوديعة والخروقات التي رافقت عمليات الصرف حالت دون تحقيق أهدافها، وهو ما أكّده خبراء اقتصاد وما تكشفه الوثائق التي حصل عليها معدا التحقيق.

في الـ15 من مارس/ آذار 2018، جرت في الرياض مراسيم التوقيع على وديعة سعودية لليمن بقيمة ملياري دولار قدمتها المملكة لليمن.

وجرى التوقيع على محضر الوديعة -الذي اعتُبر وثيقة سرية وفق مضامينه– من قبل كلٍّ من وزير المالية السعودي محمد بن عبدالله الجدعان، ومحافظ البنك المركزي اليمني حينها محمد بن منصور زمام. 

وكان من أبرز أهداف الوديعة تعزيز الوضع المالي والاقتصادي لليمن ودعم استقرار سعر صرف الريال اليمني من خلال تمويل الواردات للمواد الغذائية الأساسية، وتخفيف الضغط على طلب العملات الأجنبية المتداولة في السوق المحلية. 

لم يتحقق شيء من ذلك، وطوال مدة سريان الوديعة السعودية استمر الريال اليمني بالتدهور حتى وصل مؤخرًا إلى أسعار قياسية وغير مسبوقة في تاريخ اليمن.

استنزاف حقيقي تعرضت له الوديعة من قبل التجار وشركات الاستيراد تحت مبرر استيراد خمس سلع رئيسية فقط، وهو ما يؤكده تقرير وزارة التجارة والصناعة الذي يتحدث عن تراجع طرأ على استيراد عدد من المواد الغذائية خلال الأعوام 2018، 2019، 2020.

ومن 490 ريالًا للدولار الواحد عند إيداع الوديعة السعودية في مارس/ آذار 2018، استمر انخفاض سعر صرف الريال بمعدل ثلاثة أضعاف ليصل في نوفمبر 2021، وأثناء سريان الوديعة، إلى ما يزيد عن 1500 ريال.

ما الذي جرى إذن؟ وكيف تم التعامل مع الوديعة السعودية التي لم تحقق الحد الأدنى من أهدافها المعلنة؟

وثائق صرف مبالغ أكبر من قيمة الاعتماد

اطلع معِدّا التحقيق على تقارير محلية ودولية حول ما أثير عن فساد رافق عمليات صرف الوديعة السعودية، فوجدا كلامًا كثيرًا وحلقات مفقودة خلقت نوعًا من الضبابية حول الحقيقة الكاملة.

فتقرير الخبراء الذي قُدِم في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، لمجلس الأمن الدولي، تضمن اتهامات بالفساد وغسيل الأموال لكلٍّ من الحكومة وقيادة البنك المركزي اليمني ومستوردي غذاء، قال إنها تسببت باختلاس 432 مليون دولار من الوديعة السعودية البالغة مليارَي دولار. 

غير أن الفريق الأممي تراجع عن بعض اتهامات الفساد وغسيل الأموال التي تضمنها تقريره، وذلك بعد أقل من شهرين على تقديمه لمجلس الأمن، وتحديدًا في 30 مارس 2021. 

بينما كشف تقرير اللجنة البرلمانية الخاصة المكلفة بتقييم أوضاع البنك المركزي الصادر في 20 مارس/ آذار 2021، عن فساد مهول وهدر كبير بلغ 89.1 مليار ريال يمني من مخصصات الوديعة من خلال 38 عملية مخالفة، تضمنت تنزيل أسعار المصارفة للاعتمادات المستندية التي منحت تسهيلات الدفع المؤجل.

فتتبع معِدّا التحقيق في “خيوط”، هذا الهدر؛ للكشف عمّا جرى، وكيف تم ذلك.

حصل معدا التحقيق على وثائق عدة، ننشرها هنا، تكشف عن فساد كبير رافق عمليات صرف مبالغ الوديعة للتجار.

فإلى جانب الفارق الكبير بين السعر الفعلي لصرف الدولار مقابل الريال، والسعر الذي يقدمه البنك، كان يتم صرف مبالغ أكبر من قيمة الاعتماد المقدَّم، وفقًا للأوراق الرسمية.

ففي تاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، كان مبلغ الاعتماد لاستيراد “زيت الطعام” المحدد ضمن اتفاقية الوديعة 2.760.000 دولار. لكن ما تم صرفه فعليًّا، وفقًا للتوجيهات الخطية المدونة على الوثيقة ذاتها من قبل نائب محافظ البنك المركزي حينها، شكيب حبيشي، هو مبلغ 2.898.000 دولار؛ بفارق بلغ 138 ألف دولار.

وفي وثيقة أخرى، بالتاريخ نفسه والجهة المستوردة ذاتها، تم اعتماد مبلغ 2.176.650 دولارًا، بينما مبلغ الاعتماد الموجود في الوثائق الرسمية هو 2.073.000 دولار؛ بفارق بلغ 103 آلاف دولار.

وهو الأمر الذي تكرر أيضًا بتاريخ 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، حيث تم صرف اعتماد بمبلغ 2.055.344 دولارًا، لعملية قيمة وارداتها وفقًا للوثائق الرسمية 1.868.495 دولارًا، وبفارق كبير وصل إلى 187 ألف دولار.

تلك نماذج لفوارق كبيرة بين قيمة الاعتماد الحقيقي وما تم صرفه فعليًّا، ومن خلال تفحص معِدَّي التحقيق لعمليات الصرف، من العملية رقم (1) إلى العملية رقم (11)، بمساعدة المحلل المالي اليمني رشيد الآنسي، مستشار محافظ البنك المركزي السابق في عدن، اتضح أن هناك فارقًا بمبلغ 12 مليون دولار خلال فترة وجيزة لم تتعدَ أربعة أشهر (من 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2018 إلى 5 يناير/ كانون الثاني 2019). 

حاول معدا التحقيق التواصل مع نائب محافظ البنك المركزي اليمني شكيب حبيشي -الذي تمت إقالته أثناء إعداد هذا التحقيق- وطلبا منه توضيحًا للفوارق التي كانت تظهر بين مبلغ الاعتماد والمبلغ المنصرف فعليًّا، لكنه رفض الرد، وقال المكتب الإعلامي للبنك، إن هناك شركة دولية تم تعيينها من قبل الحكومة لمراجعة حسابات البنك والتدقيق في أموال الوديعة. 

وكانت الحكومة اليمنية أعلنت مطلع فبراير/ شباط الماضي، عن اختيار شركة دولية لمراجعة وتدقيق حسابات البنك المركزي اليمني، على خلفية اتهامات بفساد كبير رافق عمليات صرف الوديعة السعودية، وقالت الحكومة حينها إن الاختيار وقع على شركة “إرنست آند يونغ”. 

غير أنه، وبعد مضيّ ما يزيد عن عشرة أشهر، لم يتم نشر أي نتائج عمّا توصلت إليه الشركة العالمية، المشار إليها سابقًا؛ الأمر الذي اعتبره اقتصاديّون تأكيدًا على انعدام الشفافية، ومحاولة التستر والتغطية على الفساد الذي رافق صرف الوديعة السعودية. 

وهو ما أكّد عليه رئيس مركز الإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، الذي قال لـ”خيوط”، إن السرية التي أحيطت بنتائج ما توصلت إليه شركة التدقيق المحاسبي وإضاعته في دهاليز الغموض، يضع علامات استفهام كبيرة حول اللوبيات الكبيرة التي تقف وراء ما جرى داخل البنك المركزي اليمني خلال السنوات الماضية والعمليات التي رافقت صرف الوديعة السعودية.

هَدْر

كان هناك تلاعبٌ واضحٌ في أسعار صرف الريال أمام الدولار، حيث كان البنك يقدّم أسعارًا تفضيلية للتجار بفارق كبير عن السعر الحقيقي في السوق المحلي، وفقًا لنشرة البنك المركزي اليمني ومقارنتها بالسعر المتداول في السوق المحلية.

الباحث الاقتصادي، عبدالواحد العوبلي، قال إن إدارة البنك المركزي اليمني أهدرت الوديعة وتعاملت معها كما لو أنها هِبَة غير مرتجعة، وذلك بتقديم أسعار صرف تفضيلية للتجار ومستوردي السلع الأساسية، وبفارق كبير عما هو عليه في الأسواق.

وأضاف: “الفارق وصل نهاية العام 2018 وخلال العام 2019، إلى نحو 200 ريال للدولار الواحد. هذا غسيل أموال، لم تعد مصارفة قانونية أو طبيعية، إنه هدر واضح للوديعة وتبديد لأهميتها”.

ومن خلال مراجعة الوثائق التي حصل عليها معِدّا التحقيق وتقرير البرلمان والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، اتضح وجود هدر كبير للوديعة عبر تحديد أسعار مصارفة غير واقعية؛ حيث اعتمد البنك المركزي أسعار صرف متفاوتة لتمويل اعتمادات الواردات من السلع الغذائية المشمولة في اتفاقية الوديعة، بدأت بسعر صرف 497 ريالًا للدولار الواحد منتصف أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2018، ثم ارتفعت إلى 585 لكل دولار وعادت إلى 570، وسرعان ما تراجعت إلى 440 ريالًا للدولار مع بداية ديسمبر/ كانون الأول من العام 2018، وهو سعر الصرف الذي استمر فترة طويلة وبفارق كبير عن سعر صرف السوق المحلي تفاوت بين 110 و195 ريالًا؛ الأمر الذي أدّى إلى استنزاف نسبة كبيرة من أموال الوديعة.

توجه معدا التحقيق إلى البنك المركزي لسؤاله عن سبب تقديم أسعار تفضيلية للتجار وشركات الاستيراد، فقال إن الهدف من ذلك، كان الحفاظ على أسعار صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية.

ودافع المركز الإعلامي التابع للبنك، عن هذه الخطوة، وقال إن هذه السياسة أدّت إلى تراجع سعر صرف الدولار من 800 ريال إلى 450 للدولار الواحد، في ديسمبر 2018، مضيفًا أن “البنك لا يمتلك عصا سحرية للحفاظ على قيمة العملة المحلية”.

إقرأوا أيضاً:

وبالعودة إلى شهر أكتوبر 2018، وجد معدا التحقيق أن صرف سعر الدولار مقابل الريال اليمني كان قد وصل بالفعل إلى نحو 830 ريالًا، وبعد سريان التعامل بالوديعة السعودية، أصدر البنك المركزي اليمني بعدن، قرارًا حدد فيه سعر صرف الدولار مقابل الريال اليمني بـ450 ريال. وأرجع محافظ البنك المركزي الدكتور محمد زمام تحسن سعر الريال اليمني حينها، إلى عدد من العوامل بينها انتظام تغطية المواد الأساسية من الوديعة السعودية. 

غير أن سعر الصرف الذي حدده البنك حينها لم يكن واقعيًّا، وهو ما أكد عليه تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة الذي قال إن الوصول بسعر الصرف المستخدم في تمويل الواردات من الوديعة، إلى (440 ريالًا) للدولار، تم من خلال توظيف عمليات التدخل في السوق (بيع وشراء العملات) لإحداث تخفيض متسارع وغير حقيقي في قيمة الصرف الأجنبي للريال. وهو ما انعكس في عدم استقرار سعر صرف الريال المحدد من قبل البنك، حيث لم يستمر سعر الصرف تحت معدل 500 ريال/ للدولار، سوى خمسة أيام فقط، وتحت سعر 460 ريالًا استمر يومًا واحدًا فقط، وصولًا إلى سعر صرف 440 ريالًا لكل دولار، وهو أعلى معدل استنزاف لاحتياطي الوديعة.

وتحدث تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن تعمد قيادة البنك المركزي إنشاء فجوة في القيمة بين سعر الصرف السائد في السوق وبين سعر الصرف المستخدم في التمويل من الوديعة بغرض تسييل الحسابات البنكية القديمة للبنك المركزي في صنعاء، واستخدامها في سداد قيمة الاعتمادات بدلًا من السداد النقدي. 

تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة رقم (51) الصادر بتاريخ 17 مارس/ آذار 2019، والخاص بتقييم عمليات التمويل للاعتمادات المستندية المستخدمة من احتياطي الوديعة السعودية، قال إن إجمالي عمليات البنك المركزي في توظيف الاحتياطي من العملات الصعبة في تمويل الاعتماد والتدخل المباشر في عمليات السوق المفتوح، ترتب عليه إهدار ما يزيد عن 61 مليار ريال يمني من المعادل للاحتياطات الأجنبية المستخدمة خلال مدة أربعة أشهر فقط، وتحديدًا الفترة بين 13 أكتوبر 2018 إلى 13 فبراير 2019.

موضحًا أن البنك استخدم خلال هذه الفترة (445.107.184) دولارًا من الوديعة السعودية، بسعر تحويل إلى أصول محلية بالريال (210.897.967.956) ريالًا، بينما المبلغ المعادل المفترض من الأصول النقدية المحلية بالريال للاحتياطات الأجنبية وفقًا لأسعار السوق خلال نفس الفترة (259.574.523.344) ريالًا، وبنقص هدر بلغ (48.676.545.388) ريال.

وخلال الفترة ذاتها أيضًا، ووفقًا لتقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة المرفوع إلى رئيس الوزراء، قام البنك المركزي بتمويل اعتمادات أخرى من الموارد الذاتية بقيمة إجمالية بلغت (31.102.921) دولارًا، تم بيعها للبنوك بما يعادل (14.911.493.659) ريال، بينما القيمة الحقيقية وفقًا لأسعار السوق في ذات الفترة تعادل (17.666.854.448) ريالًا، وبهدر مقداره (2.755.363.789) ريالًا.

الجهاز أيضًا، وفي تقرير حمل رقم (32) بتاريخ 10 فبراير/ شباط 2019، كشف أيضًا عن هدر قام به البنك المركزي في الربع الأخير من العام 2018، بلغ (9.873.887.200) ريال. واعتبر الجهاز أن كل هذا الهدر الذي لحق بالمال العام يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية لاسترداد المال العام ومحاسبة المسؤولين على صرفه.

بلغ عدد التجار وشركات الاستيراد التي استفادت من أموال الوديعة، 133 شركة وتاجرًا تلقوا دعمًا من أموال الوديعة بمبلغ 1.835,680,730 دولارًا، وفقًا لتقرير اللجنة البرلمانية المكلفة. وتمتعت بأسعار مصارفة تفضيلية دفعتهم لتقديم مزيد من طلبات التمويل للاستيراد، وارتفعت الفاتورة الاستهلاكية لليمن، للخمس المواد المشمولة في الوديعة إلى أرقام قياسية لم تشهدها اليمن من قبل، وهو ارتفاع على الورق فقط، ولم يكن له ما يؤكده في الواقع، بل إن عددًا من الأسماء والجهات المستفيدة من الاعتمادات المستندية من أموال الوديعة السعودية، لم يكونوا تجارًا أو مستوردي غذاء، وهو ما أكّدت عليه وثيقة صادرة عن وزارة الصناعة والتجارة اليمنية. 

حيث وجهت الوزارة بتاريخ 4 أبريل/ نيسان 2020، مذكرة إلى محافظ البنك المركزي اليمني حينها، أحمد عبيد الفضلي، تقول إن العديد من الأسماء المستفيدة من دعم البنك، والتي حصلت على اعتمادات مستندية، ليس لديها ملفات في الوزارة، وليس لدى الوزارة أي معلومات عنها. 

نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية رئيس اتحاد الغرف التجارية والصناعية بعدن، أبو بكر باعبيد، انتقد عدم تمثيل الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية في مجلس إدارة البنك وفقًا للقانون، ووجّه انتقادات لاذعة لقيادة البنك المركزي التي أدارت الوديعة السعودية، وقال إنها رفضت التجاوب مع أي طرف حكومي وبأنهم “يشتوا يلعبوا”. وأكّد باعبيد للجنة البرلمانية التي التقته بتاريخ 23 فبراير 2021، أن هدف الوديعة لتأمين الغذاء بأسعار معقولة لم يتحقق، وأن المعادل بالريال اليمني من قيمة الوديعة السعودية الذي دفعه كثير من التجار نقدًا غير موجود في خزائن البنك المركزي.

رأي المحافظ الحالي..

حاول مُعِدّا التحقيق التواصل مع محافظ البنك المركزي الحالي أحمد غالب المعبقي (تم تعيينه بتاريخ 6 ديسمبر الفائت) لكن مكتبه كان يعتذر نظرًا لانشغاله. غير أنّ مُعِدّي التحقيق اطلعا على رأي المحافظ المعبقي في تقرير اللجنة البرلمانية التي التقته بتاريخ 18 فبراير/ شباط 2021، وكان يشغل حينها رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وعضو اللجنة الاقتصادية اليمنية.

كشف غالب عن قيام قيادة البنك المركزي ببيع دفعتين من الوديعة السعودية بسعر (380) ريالًا للدولار، مؤكدًا عدم التزام البنك حينها بضوابط صرف الوديعة السعودية التي قال إنها أديرت في ظل اختلالات واضحة.

أحمد المعبقي انتقد أيضًا عدم إشراك وزارة التجارة والصناعة في عملية الرقابة على السلع المستوردة والتأكد من العروض المقدمة لطلب تمويل اعتماداتها. وانتقد السرية التي أحيطت بها من قبل قيادة البنك المركزي السابقة.

تناقضات..

خصصت الوديعة السعودية لتمويل خمس سلع رئيسية؛ هي: (القمح، الأرز، السكر، الحليب، زيت الطبخ)، وخلال 18 شهرًا (من أكتوبر/ تشرين الأول 2018، إلى أبريل/ نيسان 2020) استنزفت هذه السلع مبلغ 1.89 مليار دولار، من مبلغ الوديعة، على الرغم من أن الوديعة استثنت عددًا آخر من المستوردين، وتحديدًا في العاصمة صنعاء لأسباب سياسية وأمنية، ما يعني أن هؤلاء التجار استوردوا أيضًا السلع الاستهلاكية المشمولة باتفاقية الوديعة من خارج أموال الوديعة، ما يعني أيضًا أن أرقام استيراد هذه السلع المشمولة باتفاقية الوديعة يفترض أن يزيد، لا أن ينقص.

الأمر الذي يكشف عن استنزاف حقيقي تعرضت له الوديعة من قبل التجار وشركات الاستيراد تحت مبرر استيراد خمس سلع رئيسية فقط، وهو ما يؤكده تقرير وزارة التجارة والصناعة، الذي يتحدث عن تراجع طرأ على استيراد عدد من المواد الغذائية خلال الأعوام 2018، 2019، 2020.

لم يكن البنك المركزي اليمني يطلب البيانات الجمركية من التجار عند تمويل وارداتهم، وفقًا لما أكّده مستشار محافظ البنك المركزي اليمني السابق والمحلل المالي اليمني رشيد الآنسي، الذي قال إن البنك تنبه لذلك في وقت لاحق، وتحديدًا في النصف الثاني من العام 2019، لكنه حين طالب التجار بالبيانات الجمركية للفترة السابقة لم يتم توفيرها. 

الآنسي أرجع ذلك في حديثه لـ”خيوط”، إلى نقص في الكفاءات والخبرات لدى موظفي البنك. وأضاف: “عندما تم نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن لم يتم نقل أي كفاءات سابقة إلى البنك، واستمر المركز الرئيسي الجديد للبنك يعمل بطاقم فرع البنك بعدن سابقًا؛ الأمر الذي أحدث اختلالات كثيرة”.

وهو ما يؤكّد عليه رئيس مركز الإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، الذي قال إن تعامل البنك المركزي مع الوديعة السعودية عكس سوء إدارة البنك المركزي بشكل عام، وغياب الشفافية في عملية تخصيص هذه الوديعة وصرفها، وتوزيعها للتجار لدعم استيراد المواد الأساسية.

وبحسب مصطفى، فإن من أبرز المخالفات الرئيسية الواضحة التلاعبَ في تخصيص هذه المبالغ وصرفها لتوريد سلعٍ لم تكن ضمن السلع الخمس التي خصصت الوديعة السعودية لتمويل وارداتها، وقال إن الوديعة سُخِّرت لاستيراد الدواجن والمستلزمات الطبية، وهو ما أكّد عليه التقرير البرلماني، الذي قال أيضًا إن ما نسبته (11.7%) من أموال الوديعة ذهب لتمويل واردات سلعٍ بالمخالفة لقرار مجلس الوزراء اليمني، الذي حصرها بخمس سلع (القمح، السكر، الأرز، حليب الأطفال، زيت الطبخ).

اليومَ، ونحن على مشارف انتهاء مدة الوديعة وأموالها، يقف البنك المركزي اليمني عاجزًا عن سدادها؛ لأنه لم يتمكن من جمعها، كونَه لم ينتهج سياسة الاستعاضة لاسترداد مبلغ الوديعة، وفقًا لخبراء الاقتصاد.

وأضاف نصر في حديثه لـ”خيوط”: “هناك بنوك وشركات بعينها استأثرت بأموال الوديعة، وهناك ضبابية رافقت عمليات الصرف، وهناك فوارق مهولة جدًّا تم هدرها من الوديعة”.

ويؤكّد مصطفى نصر وجودَ العديد من الأخطاء وقضايا الفساد التي تتطلب تحقيقًا شفافًا ونزيهًا لكشف الحلقات المفقودة في هذا الملف الشائك، وشدد على ضرورة محاسبة كل من ارتكب إهدارًا لهذه المبالغ، باعتبارها أموالًا عامة. 

وخلص مصطفى إلى أن الوديعة واحدة من الأمثلة على العجز وغياب الإدارة الرشيدة للبنك المركزي اليمني على مدار السنوات الماضية، وهي تعكس أيضًا أزمة القيادة على كل المستويات، اقتصاديةً وسياسيةً: “المشكلة ليست في البنك المركزي فحسب، وإنما في الحكومة ووزارة المالية، وأيضًا مؤسسة الرئاسة، الجميع مسؤول عن هذا الهدر”.

بنود مجحفة

اليومَ، ونحن على مشارف انتهاء مدة الوديعة وأموالها، يقف البنك المركزي اليمني عاجزًا عن سدادها؛ لأنه لم يتمكن من جمعها، كونه لم ينتهج سياسة الاستعاضة لاسترداد مبلغ الوديعة، وفقًا لخبراء الاقتصاد.

وبالتالي، فإنه ما لم تقم السعودية بتمديد مدة استحقاق الوديعة، فإن الأصول الثابتة للبنك المركزي اليمني في الخارج مهددة بالمصادرة، وفقًا لاتفاقية الوديعة التي حصل معدا التحقيق على نسخة منها، والتي تنص أيضًا على أن القضاء السعودي هو المخول فقط في البتّ بأي إجراءات قانونية مع البنك المركزي اليمني.

الوثيقة التي اعتبرت في أحد بنودها سرية، ظلت طيّ الكتمان، ولم يتم الكشف عن مضامينها. 

وعندما شكّل البرلمان اليمني لجنة تقصي في ما تردد عن فساد تعامل البنك المركزي اليمني مع الوديعة بتاريخ 31 يناير/ كانون الثاني 2021، رفضت قيادة البنك التعاون مع لجنة البرلمان.

التقى معدا التحقيق بعضوٍ في اللجنة البرلمانية، قال إن قيادة البنك المركزي رفضت الرد على طلب البرلمان الحصول على توضيحات ورفضت التعاون معها.

وعند سؤاله عن البنود المجحفة لوثيقة الوديعة، قال عضو اللجنة البرلمانية، الذي طلب عدم الكشف عن هُويته؛ نظرًا لحساسية الموضوع: “توجهنا بطلب للبنك المركزي للحصول على نسخة من محضر اتفاق الوديعة، لكن قيادة البنك رفضت ذلك”. وقال إن مضامين هذه الوثيقة انتهاكٌ حقيقيّ لسيادة البنك المركزي ولسمعته، وهو تجاوز واضح يجب ألَّا يمرّ.

واختتم النائب البرلماني حديثه لـ”خيوط”، بالدعوة إلى ضرورة إحالة كل المتسببين بتبديد الوديعة السعودية إلى القضاء ومحاسبتهم، وفي مقدمتهم مجلس إدارة البنك، وإعلان نتائج التحقيقات التي جرت بكل شفافية للرأي العام؛ كون الأموال التي تم تبديدها هي أموال تخصّ أبناء الشعب اليمني، وتم صرفها في غير مصالحهم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني