“رولا يعقوب ارقدي بسلام”: بعد تسع سنوات من المماطلة المحكمة تدين الزوج

     صمتُ البنات لا يعني بالضرورة أنهن لم يكنّ، طيلة هذه المدّة، على يقين بأنّ والدتهن ظُلِمت وأُخذت منهن عمداً وباكراً جداً، على رغم مساعي إقناعهن بخلاف ذلك. والأكيد اليوم أن لا شيء استطاع أن يقطع حبل أثر الأمّ على بناتها، ومعركة العدالة للنساء لأجلهنّ مستمرّة.

وفي العام التاسع، صدر الحكم.

أخيراً، أثبتت هيئة محكمة التمييز برئاسة القاضية رندة كفوري- التي حلّت خلال صيف 2021 مكان الرئيسة السابقة القاضية سهير الحركة- التهمةَ على كرم البازي بتسبّبه بوفاة رولا يعقوب في السابع من تموز/ يوليو 2013. أثبت القضاء اللبناني إذاً ما كان يدركه المجتمع خير إدراك، وعلى رأسه ليلى خوري، والدة رولا التي لم تستسلم طيلة عقد من الكدّ والنضال لتستردّ شيئاً من حقّ ابنتها. 

هي رولا التي أكّد القضاة اليوم أنّها لم تمُتْ بسبب نزيف دموي “خلقي” كما أشاع أطبّاء شرعيّون بُعيد الجريمة، إنّما نتيجة عنف متكرّر وضربة قاضية أزهقت روحها من داخل منزلها في حلبا، مُيتّمةً خمس طفلات، أصغرهنّ كانت لا تزال رضيعة، واثنتان منهنّ كانتا شهدتا يومَها على لفظ والدتهما أنفاسها الأخيرة. اليوم، تتلقّى الشاهدتان اللتان أتمّتا الـ21 والـ19 عاماً من العمر، خبرَ الحكم من مقاعد الجامعة حيث تعملان على تأمين مستقبل أفضل لهما ولشقيقاتهما الثلاث اللواتي خطف العنف الذكوري أمّهن منهن باكراً جداً. 

الرحلة الشاقة لإثبات المعلوم

   بموجب قرار محكمة التمييز الذي صدر في 23 آذار/ مارس 2022، حُكم على كرم البازي بالسجن 5 سنوات لـ”تسبّبه بوفاة” رولا يعقوب، بالاستناد إلى المادّة 550 من قانون العقوبات التي كانت أدانته وفقها الهيئة الاتهامية في لبنان الشمالي عام 2016.

المادة 550 من قانون العقوبات اللبناني:

من تسبّب بموت إنسان من غير قصد القتل بالضرب أو العنف أو الشدة أو بأي عمل آخر مقصود عوقب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا اقترن الفعل بإحدى الحالات المنصوص عليها في المادتين السابقتين.

 قبل قرار محكمة التمييز الأخير، كان كرم ينعم بحريته، يقضي معظم وقته مطمئناً، يواعد ويتزوّج ويُنجب، لا بل يجرؤ على تسمية ابنته من زواجه الثاني “رولا”، على اسم المرأة التي عنّفها حتّى الموت.

    كان كرم ينام قرير العين، متّكلاً على شقيقته في شؤون رعاية بنات رولا الخمس؛ وقد اعتنت بهنّ بالفعل، بكل صبر ومحبّة، على حساب خططها ومشاريعها الخاصة. تمتّع كرم بكلّ تلك النّعم بفضل قرار قاضي التحقيق في الشمال آنذاك، آلاء الخطيب، الذي أسدى له مطلع عام 2014 خدمةً كانت بمثابة خدمة العمر، إذ أطلق سراحه بعد 6 أشهر فقط من التوقيف وأمر بمنع محاكمته وكفّ التعقّبات بحقّه. 

     أقل ما يُقال في القرار الظنّي أنّه شكّل حجر العثرة الأكبر الذي مهّد لسلسلةٍ من المطبّات ولإطالةٍ مديدةٍ قُدّر للملفّ أن يشهدها، ليظلّ يتنقّل من محكمة إلى أخرى ومن قضاة رؤساء ومستشارين إلى آخرين، على مدى تسعة أعوام كان من المتوقّع أن تدفع بالمدّعية ليلى خوري، والدة رولا، إلى التراجع. سوى أنّ ليلى لم تتراجع أمام أحجار العثرة التي يتعلّم أن يعتادها من اعتاد القهر. 

     لكن في المقابل، عرفت ليلى حلفاء ومُيسّرين كثراً، إذ وقف إلى جانبها أقارب ومحامون ومجموعات حقوقية وفي طليعتها “منظمة كفى عنف واستغلال”، وشهود تعاونوا معها إلى أقصى الحدود وواظبوا على حضور الجلسات من أجل الإدلاء بشهاداتهم التي كانت تؤكّد تعنيف كرم البازي لرولا، ورؤية آثار الكدمات على جسمها، وسماع صرخات استنجادها بالجيران. 

     لماذا تأخّر صدور الحكم إلى هذا الحد؟

    استأنفت المدّعية ليلى خوري القرار الظنّي الجائر عام 2014، فحصدت قراراً من الهيئة الاتهامية في الشمال بقبول الاستئناف وإدانة المتّهم عام 2016، بالتسبب بالوفاة (لا القتل قصداً أو عمداً). لكن سرعان ما عاد كرم البازي وميّز القرار، غير أنّه خسر معركة التمييز، ليُحال الملف إلى محكمة الجنايات في لبنان الشمالي مطلع عام 2017. 

    في قوس تلك المحكمة، استردّ كرم طعمَ راحة البال الذي أهداه إيّاه القاضي آلاء الخطيب، إذ أصدرت الأكثرية (قاضيان من أصل ثلاثة) حكماً في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 برّأه من تهمة التسبّب بوفاة رولا، مع الإشارة إلى أنّ القاضي داني شبلي، رئيس المحكمة، هو الذي سجّل مخالفته للقرار وقدّم شرحاً وافياً لأسباب مخالفته، استُخدم من ضمن الحجج التي صبّت في خدمة رحلة تمييز حكم الجنايات التي انطلقت في شباط/ فبراير 2019 واستمرّت حتّى آذار/ مارس 2022. 

     وبحسب مصادر قانونية متابعة للملف، من أبرز العوامل التي عرقلت سير هذه الرحلة وأخّرت خواتيمها، كان وضع البلاد بعد 17 تشرين/ أكتوبر 2019 والتعبئة العامة نتيجة تفشّي “كورونا”؛ ولكن أيضاً تنحّيات عدّة من هيئة محكمة التمييز الناظرة في الملف، إضافة إلى حالات عدم تبليغ الشهود، وتعذّر وصول قاضٍ أو ممثّل عن النيابة العامة، ما أدّى إلى عدم اكتمال هيئة المحكمة في أحيانٍ كثيرة. والنتيجة كانت أن معظم الجلسات التي كانت مقرّرة بين كانون الثاني/ يناير 2020 وآذار/ مارس 2021، كانت تُرجأ ولا تُعقد.

كرونولوجيا قضائية

24-1-2014: صدور القرار الظني عن قاضي التحقيق في الشمال ومنع محاكمة المتّهم كرم البازي.
12-5-2016: اتّهام محكمة الاستئناف في لبنان الشمالي كرم البازي بالتسبب بوفاة رولا يعقوب.
10-1-2017: ردّ محكمة التمييز طلب المتّهم تمييز قرار الاستئناف وإحالة الملف إلى محكمة الجنايات في الشمال.
30-10-2018: صدور الحكم عن محكمة الجنايات في لبنان الشمالي الذي برّأ المتّهم “لعدم كفاية الدليل”.
8-11-2018 و14-11-2018: تقديم طلبَي تمييز حكم الجنايات، الأول من النيابة العامة الاستئنافية في لبنان الشمالي والثاني من المدّعية الشخصية ليلى خوري.
28-2-2019: قبول طلب تمييز حكم الجنايات.
26-6-2019: عقد جلسة التمييز الأولى.
أيار/ مايو 2019- شباط/ فبراير 2022: فترة شهدت حالات إرجاء جلسات أكثر من انعقادها (إرجاء 7 جلسات على الأقل).
23-2-2022: عقد جلسة الاستماع الأخيرة في محكمة التمييز
23-3-2022: إصدار محكمة التمييز حكمها على كرم البازي بالسجن 5 سنوات بتهمة التسبّب بوفاة رولا يعقوب.

  أبعد من العقاب

    في لبنان، غالباً ما كان يُحدّد النقاش حول جرائم العنف ضد النساء وجرائم قتلهن بسؤال العدالة بمعناها الضيّق، فتُغفل مسائل لا تقل أهمية عن مبدأ المحاسبة، جسّدت بعضَها قضيّةُ رولا يعقوب، ومن بينها الأثمان الصحية والمعنوية والمادية الهائلة لمرور الوقت، لدرجة يصبح الحكم بحد ذاته، مهما كانت دلالاته إيجابية، أقل بكثير مما بذله فريق الادّعاء من جهود وتكاليف، للتوصّل إلى قيمة مثالية تصلح لأن يُختتم ملفّهم وتُدمل جراحهم بها- ولا يوازي حجم الجرم والخسارة طبعاً.  

    في حين أعاد قرارُ محكمة التمييز الأخير شيئاً من الإيمان بإمكانية عدم إفلات مقترف الجرم من العقاب، ولو بعد حين، إلا أنّه لن يستطيع أن يمحو تلك الرحلة المحفوفة بالشقاء والصعاب المفروضة على كلّ مريد للعدالة في لبنان. ذلك أنّ الوصول إلى آليّات العدالة وثمارها، حتى في ظلّ توفّر الدعم الاجتماعي والإعلامي والحقوقي لصاحب الحق، يبقى غيرَ مضمون، ومكلفاً جدّاً. وفيما لو تحقّق الوصول، فذلك لا يعني أنّ المُطالب بالحقّ لم يُسحَق ويُنهك، صحيّاً ونفسياً واقتصادياً، قبل النطق بالحكم. فمَن يعوّض عليه تلك الخسارات الجمّة التي تُولّدها أفعال المماطلة والتقصير والتعقيد، بمعزل عن نتيجة الحكم في خواتيم القصّة؟

     وفي ملفّ رولا يعقوب تحديداً، يصبح السؤال، مَن يعوّض على الأم وابنة شقيقتها سلوى التي ساندتها على مدى السنوات التسع، صحّتهما التي تدهورت ومعنويّاتهما التي تهاوت وتقدُّمهما في السنّ الذي تسارع بفعل آمال خابت وعشرات المشاوير سيراً على الأقدام أو في الحافلات، تكلّفتاها من حلبا إلى بيروت لحضور جلساتٍ عُيّنت ثم ألغيت لألف سبب وسبب ولم يشعر بهما أحد، علماً أن لا مدخول أو ضمانات صحية تسعفهما؟

     أضعف الإيمان إذاً أن يُهدى حكم التمييز اليوم إلى والدة رولا ورفيقة مشاويرها ومحاميها، ولكن إلى بناتها أيضاً، مع الاعتراف بثقل وقعه عليهن. 

     صمتُ البنات لا يعني بالضرورة أنهن لم يكنّ، طيلة هذه المدّة، على يقين بأنّ والدتهن ظُلِمت وأُخذت منهن عمداً وباكراً جداً، على رغم مساعي إقناعهن بخلاف ذلك. والأكيد اليوم أن لا شيء استطاع أن يقطع حبل أثر الأمّ على بناتها، ومعركة العدالة للنساء لأجلهنّ مستمرّة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني