يا فايزة أحمد… عائشة بنت ياسمين
حُرمت الصرخة وعانت مخاضي مرتين 

عاشت أمي في شقاء العمل المنزلي اليومي، لكن هل كانت تعيسة؟ لست أدري، كنت أري شابة منهكة وظلت منهكة حتى أصبحت جدّة، وحين أتذكر المرات التي لمعت فيها عيناها من السعادة كانت هذه المرات تخصنا نحن... أبناءها.

شاركتني فايزة أحمد سرديتي مع أمي، صوتها في أغنية “ست الحبايب” أغرقنا في دموعنا لسنوات، ولا أظن أن فايزة أحمد أو حسين السيد- كاتب الأغنية- كانا ينويان توريطنا في هذه البكائية الممتدة، لولا أن حياتنا كانت درامية بالفعل، ولم نحتمل بكامل هشاشتنا هذه الألحان والكلمات التطهيرية، من دون أن نجهش بالبكاء.

على مدار 23 عاماً شاركتني أمي بكائياتي على أغنية “ست الحبايب” وعلى مدار 11 عاماً لاحقة شاركت أنا أمي بكائياتها على أغنية “يا تمر حنة”، وكأننا متورطتان بلا نهاية في ما فعلته بنا التضحيات، وعالقتان إلى الأبد داخل حنجرة الست فايزة.

إن سألني أحد ما هي أولى التضحيات التي قدمتها أمك “عائشة بنت ياسمين”، سأقول إنها ضحّت بصرختها. لم تصرخ أبداً، حتى في المخاض! كانت تجز على أسنانها، ويحمرّ وجهها كاللهيب وهي تكتم الصرخة، تمسك بقطعة القماش وتعض عليها وعيناها جاحظتان. كنت أعرف جيداً فيلم “الحفيد” في مشهد الولادة العسيرة المملوءة بالصراخ، وفكّرت: “متى ستصرخ أمي”، لكنها كتمت كل شيء.

تكرر هذا المشهد سبع مرات عدد ولادات أمي، في إحدى المرات سألتها، “لماذا لا تصرخين في المخاض، مثلما يحدث في فيلم الحفيد؟”،  قالت “لازم نكتم ونتحمل وإلا لماذا الجنة تحت أقدامنا؟”.

كانت أمي حينها تحكي بلسان حواء، المرأة التي قبلت الخروج مع آدم لتتحمل الشقاء، وتصبر في سبيل تربية أبنائها، لم أعلم وقتها المزيد عن أمنا “ليليث” المطرودة من سرديات الميثولوجيا الشائعة، كي أحكي قصتها لأمي، ولو بطريقة طفولية: “يا ماما، كان ياما كان، كانت لنا أم تانية غير حوا وقبل حوا، كانت اسمها “ليليث”،  قوية ورافضة لسلطة آدم، تركت له جنة عدن عشان حريتها، رغم أن ربنا خلق من بعدها  حواء، لكن آدم عمره ما نسي ليليث، اتحرمت ليليث من الأمومة لكن أي طفل بيموت على الأرض، بتسحبه ليليث بخصلة من شعرها الذهبي وترفعه عندها، تفتكري مين سعيدة ومين تعيسة ليليث ولا حوا”.

عاشت أمي في شقاء العمل المنزلي اليومي، لكن هل كانت تعيسة؟ لست أدري، كنت أري شابة منهكة وظلت منهكة حتى أصبحت جدّة، وحين أتذكر المرات التي لمعت فيها عيناها من السعادة كانت هذه المرات تخصنا نحن… أبناءها.

لا أنسى الحدث الجلل الذي يحصل مرة واحدة في العام، اليوم الذي كانت تتقاضى فيه والدتي مكافأة المراقبة على امتحانات الثانوية العامة، كان مبلغاً ماليا كبيراً، لدرجة أنها تقرر شراء التفاح الأحمر الأميركي، وسمك الماكريل المعلب، والجبن الفرنسي، كانت هذه الليلة بلا نوم، نسهر في انتظار عودتها بخيرات لا تُباع في قريتنا، وكان هذا اليوم أكثر يوم من العام أرى خدودها تشبه التفاح الأحمر، ونحن نجلس حولها كالقطط السعيدة.

ذات يوم سمعت أمي تغني وكان حدثاً فريداً، كانت آتية من مدرسة شقيقتي وهي تحمل نتائج تفوقها بمجموع مرتفع، تغني والدموع تغمر عينيها: “ربك لما يريد أحلامنا هتتحقق ولا شيء يبقى بعيد”. 

هل هناك مساحة رمادية بين السعادة والتعاسة؟ هل هناك أصلاً مساحة للسعادة وسط رعاية سبعة أبناء مات منهم اثنان أمام عينيها؟ أمي دائماً عظيمة لكن هل اختارت أن تكون عظيمة وبطلة في أغنية فايزة أحمد؟ أم فكرت سراً في الهروب مثلما فعلت ليليث؟

سؤال السعادة أو التعاسة، لا يسهل حسمه مع أمهاتنا، ويصعب أن نقيسه بمكيالنا نحن الأبناء، وبرغم ذلك لا أمنع نفسي أبداً من الانشغال به، يا ترى أمي سعيدة أم تعيسة، كنت أتمنى أن تسافر وترى البحر أو تركب الطائرة وتتركنا لأيام مع أبي لتنسى المسؤوليات الأمومية، أو أن تسهر مع صديقاتها دون قلق من لوم الزوج أو فزع الأبناء.

إقرأوا أيضاً:

 لم تخرج أمي من القرية إلى القاهرة إلا لأن لها ابنة هربت وضاعت وسط ملايين يهتفون ضد النظام.

عام 2012، عاشت أمي مخاض ولادتي مرة أخرى، كانت تجز على أسنانها وتكتم الصرخة، لم أرَ وجهها حينها، لكن توقعت المشهد كاملاً، كانت بصحبة عائلتي داخل سيارة مستأجرة، أتوا ليبحثوا عني في القاهرة، بلا عنوان محدد، كنت هاربة مثالية داخل اسطورة “ليليث”، هربت وأجريت محادثة وحيدة قاسية “أنا عشت وسطكم 23 سنة، أظن كده شبعتم مني، هشوفكم لما ألاقي نفسي، سلام”، وأغلقت الهاتف لأيام.

لم يعثروا عليّ بالطبع، فوجئت أمي صباح أحد الأيام بأنني أمام باب بيتنا واستأذن للدخول، كانت تحتضنني كأنني عدت من الموت، دندَنت وهي تتمايل بي “يا تمر حنة” لتدخل فايزة أحمد من جديد سرديتي مع أمي، لكن في مرحلة جديدة “الورد كله كسا الجناين اشمعنى أنت اللي شاردة منا، سألت عنك في كل ناحية ما حد طمن قلبي عليكي، وقالوا ماتت وقالوا صاحية وياما قالوا وعابوا فيكي”. 

 أخذت أمي وشقيقتي إلى منزل الطالبات الذي سكنت فيه مع طالبات الأزهر في مدينة نصر، لم تطلب مني العودة، قالت “الطير الطيب عارف أرضه، أنت مش هتغلطي ودايما هتفرحينا”، كان هذا اختبار الأمومة والبنوة الأبلغ تكثيفاً، وهو ألا نفقد الدعم والحب ونبقى نتشارك الطعام ذاته، وإن كنا في جهتين مختلفتين. 

كانت أمي تعلم أنني نسخة طبق الأصل عنها، في لعبة الجينات والشكل، وصمتي يشبه صمتها لكن هي علقت مع خمسة أبناء وأنا علقت مع المجهول، بيننا الآن محبة لا تقاس ومشبعة بصوت فايزة أحمد، وبكائياتنا الممتدة معه.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني