التعليم المدمج في غزة…
فرصة للتطوير بلا كهرباء ولا انترنت أو أجهزة!

البيئة التعليمية تشهد حالة من المعوقات الفعلية التي تقف بين المعلم والطالب والوسيلة التعليمية في ظل النظام التعليمي الراهن الذي يلجأ فيه المعلمون إلى دمج التقنيات التكنولوجية في التعليم متقمصين من التجربة التعليمية خلال جائحة "كورونا".

مع تراجع خطورة “كورونا” قررت وزارة التربية والتعليم العودة إلى المدارس وفق منحى “التعليم المدمج” الذي يجمع بين التعليم الوجاهي المدرسي، والتعلّم من بعد، لتحقيق أهداف التعلم للصفوف من (1-12). إلا أن هذا القرار يضع الأهالي لا سيما الفقراء منهم أمام تحدٍ جديد، يتمثّل بتأمين أجهزة ذكية لأطفالهم ليستطيعوا متابعة تعليمهم، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة ولا ترحم أصحاب المداخيل المحدودة، هذا إلى مشكلة تراجع مستوى الطلاب وصعوبات التعلّم الكثيرة بعد عامين من الحجر والعزلة.

فاطمة عبد الحميد (39 سنة) أم لثلاثة أطفال، تروي معاناتها في التعامل مع أبنائها الذين تراجع مستواهم التعليمي، مرجعة ذلك إلى العامين الدراسيين اللذين مضيا في التعلم من بعد، فيما لم تكن تمتلك الوسائل التكنولوجية اللازمة لتوفير ما يلزمهم من أجهزة ذكية وانترنت، ليلتزموا  في الدروس، التي افتقدت غالباً إلى التنظيم، ما زاد الضغوط على الطلاب. 

توضح عبد الحميد، “لامست تدني مستوى أبنائي التعليمي منذ بدء العمل ببرنامج التعلم من بعد، واليوم تجذر الوزارة هذه المشكلة و ترمي العبء على عاتق الأهالي دون مراعاة الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها المواطنون في القطاع وصعوبة تأمين أجهزة ذكية”.

وفي السياق ذاته ترى مها خضورة (32 سنة) وهي أم لطفلين، أن مستوى أبنائها التعليمي بات بتراجع ملموس خلال عامين من التعلم من بعد، واليوم تزداد الأمور تعقيداً لافتقار الأطفال للقواعد الأساسية التي ترتكز عليها المناهج التعليمية المعقدة أصلاً.

تتابع أن العملية التعليمية باتت صعبة على أولياء الأمور أيضاً، تتمثل بفرض الإدارة المدرسية جملة من الالتزامات التعليمية على عاتق الطلاب بدفع تكاليف إلكترونية، من تأمين أجهزة وانترنت وكهرباء. “حاولت أنا وزوجي على مدار أربعة شهور توفير ثمن جهاز ذكي متوسط الجودة لأبنائي لإتمام مهماتهم المدرسية”.

“لامست تدني مستوى أبنائي التعليمي منذ بدء العمل ببرنامج التعلم من بعد، واليوم تجذر الوزارة هذه المشكلة و ترمي العبء على عاتق الأهالي دون مراعاة الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها المواطنون في القطاع وصعوبة تأمين أجهزة ذكية”.

الفقر والانترنت يقهران المنظومة التعليمية

انتقد تسعة من أولياء الأمور من أصحاب الدخل المحدود، طبيعة الوسائل التعليمية القائمة التي باتت تعتمد على عملية التعليم المدمج بين التعليم الوجاهي والتعلم من بعد، والذي شكل صعوبات أمام ضمان مسيرة التعليم نتيجة ارتفاع معدلات الفقر في قطاع غزة. فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نسبة الفقراء في الضفة الغربية بلغت 14 في المئة، ونسبة الفقراء في قطاع غزة 53 في المئة، فيما يعاني ثلث سكان القطاع (33.7 في المئة)، و(5.8 في المئة) من سكان الضفة الغربية من الفقر المدقع.

ويشير الإحصاء إلى أن 49 في المئة من الأسر حُرم أطفالها المشاركة في النشاطات التعليمية بسبب عدم وجود إنترنت، بينما لم يشارك 22 في المئة منهم بسبب عدم قيام المدرسين بتنفيذ نشاطات تعليمية، و13 في المئة من الأسر كان عدم مشاركة أطفالها يرجع إلى عدم رغبة الطفل في المشاركة في النشاطات التعليمية. 

تظهر بيانات لوحة التحكّم في “رادار كلاود فلير” (ـCloudflare Radar) “من 27 نيسان/ أبريل – 27 أيار/ مايو، 2021″، أنّ معدّل استخدام الإنترنت في الأراضي الفلسطينية (الضفّة الغربية وغزّة) يشهد تقلّبات يوميّة. 

وبحسب “كلاود فلير”، يظهر مقياس التغيّر في معدّل استخدام الإنترنت تغيّراً في عدد مستخدمي الإنترنت ضمن الفترة الزمنية المختارة بناءً على بيانات من شبكتها. 

بينما ينص القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية في المادة (24) على أن: “التعليم حق لكل مواطن، وإلزامي حتى نهاية المرحلة الأساسية على الأقل، ومجاني في المدارس والمعاهد والمؤسسات العامة، فيما تشرف السلطة الوطنية على التعليم كله وفي جميع مراحله ومؤسساته وتعمل على رفع مستواه”.

إقرأوا أيضاً:

التعليم المدمج حقيقة معقدة

سهاد المصري محاضرة ومشرفة تربوية، ترى أن البيئة التعليمية تشهد حالة من المعوقات الفعلية التي تقف بين المعلم والطالب والوسيلة التعليمية في ظل النظام التعليمي الراهن الذي يلجأ فيه المعلمون إلى دمج التقنيات التكنولوجية في التعليم متقمصين من التجربة التعليمية خلال جائحة “كورونا” التي عكست حقيقة صعوبات وتدنياً في مستوى التحصيل التعليمي لدى الأطفال. وتشير إلى أن الخلل يكمن في عوامل عدة، أهمها عدم وجود أي مقومات فعلية لبناء بيئة تعليمية قائمة على التكنولوجيا يستطيع المعلمون الاعتماد عليها بطريقة تكاملية وبسيطة، ولكن في المقابل يبقى واقع كبر سن المعلمين وصعوبة التعامل مع التكنولوجيا مشكلة إضافية يصعب التعامل معها بشكل اعتيادي. 

وتلفت إلى مشكلة الكهرباء التي لم تلحظها الخطة الجديدة، وهي تثقل المعلمين والطلاب على السواء، ويمنعهم في أحيان كثيرة من حضور الصفوف الافتراضية.

أكرم كلوب هو أستاذ في اللغة العربية، يقول، إن التعليم من بعد خلف جملة من الإشكاليات، أهمها فقدان المعلم القدرة على ضبط الطلاب وحركة الصف وضمان تفاعل طلابه معه، مشيراً إلى أنه يفضّل التعليم الوجاهي لعدم إتقان بعض المعلمين استخدام أجهزة الحداثة، والاستعانة بالأبناء لكتابة امتحان وتعليم درس ما، “والأصح أن يحصل المعلم على دورات للتعليم الإلكتروني لكن للأسف الدورات كانت نظرية أكثر منها عملية، والآن تريد الوزارة جعل التعليم مدمجاً، فيما الثغرات الفنية أضعفت المستوى التعليمي، لاعتماد الطالب على أهله في حل الأسئلة وانعدام مقومات الاعتماد على النفس والإحساس بالمسؤولية والاستفادة منها بسبب حالة الترهل التي يمر بها قطاع غزة اجتماعياً وسياسياً، والتي أرهقت الغزيين، ورمت آلاف الخريجين على مدى 14 عاماً بلا عمل أو طموح”.

حنان الكرد معلمة مرحلة ابتدائية، ترى أن السلطة تلجأ إلى الحلول الموقتة لتفادي المشكلة القائمة، لكن ذلك لا يعالج الأزمة الحقيقية في التعليم، بل يزيد في الترهل والتراجع والصعوبة على الطلاب والمعلمين والأهالي، “إنها معادلة غير عادلة”.

الوزارة: التجربة أثبتت جدارتها!

يعقب أحمد النجار مدير العلاقات العامة في وزارة التربية والتعليم شكاوى الأمهات، “الوزارة منذ بداية العام الدراسي اعتمدت خطة تعليمية وفقاً لتطورات الحالة الوبائية في قطاع غزة، كان أولها العودة إلى التعليم الوجاهي بالكامل، مع العمل على استكمال كل الإجراءات مع الطلبة، لاستخدام الصفوف الافتراضية في حال لجأنا وفقاً للحالة الوبائية إلى التعليم المدمج”. 

ويؤكد النجار أن الوزارة، وحتى بعد انتهاء جائحة “كورونا” ستعمل على اعتماد التعليم المدمج في خططها للسنوات المقبلة كتعليم مساند، لافتاً إلى أن “التجربة أثبتت جدارتها بالفعل”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني