عمرو أديب و”البيض الأورغانيك”: 
إعلاميو السلطة يأكلون من خبز السلطان ويضربون بسيفه

الأرقام المرتفعة لأجور العاملين في الإمبراطوريات الإعلامية تضع العامة من المصريين في مواجهة مع عمرو أديب، الذي يأكل من خبز السلطان ويضرب بسيفه. يعيش ببذخ ويطالب الناس بالتقشُّف.

أدى الارتفاع الشديد في أسعار السلع الغذائية في مصر مؤخراً إلى موجة سخط  شعبية وصلت إلى منصات التواصل الاجتماعي، ليأتيَ رد النظام المصري – كما جرت العادة – على ألسنة الإعلاميين المنتمين إليه، ولم يجد الإعلاميون المصريون سوى التحذير من المزيد من الغلاء والأوضاع الصعبة التي ستلاحق المصريين – بشكل مؤكّد – وألقوا باللوم على الحرب الروسية الأوكرانية، التي تؤثر في كوكب الأرض من أقصاه إلى أدناه، فلماذا لا تؤثر على مصر؟

الإعلامي المصري عمرو أديب، الأكثر ظهورًا، أطلق تصريحات حول غلاء الأسعار ضاعفت موجة الغضب، وجعلته في مرمى السهام.

دعا أديب المصريين إلى تغيير عاداتهم الشرائية لتخفيف الشعور بغلاء الأسعار، وقال: “لا تشتروا البيض الأورغانيك، اكتفوا بالبيض العادي، مذاقه لا يختلف كثيرًا مع البسطرمة”.

يفترض الإعلامي المصري، الذي يعمل في فضائية “MBC” السعودية، افتراضًا خاطئًا بأن المصريين يتناولون البيض بالبسطرمة بوتيرة شبه يومية، كما يفترض أنهم يعرفون “البيض الأورغانيك” ويشترونه ويتناولونه، بينما بدا من التعليقات أن الغالبية العظمى من المصريين لا تعرف الفرق بين البيض العادي و”الأورغانيك“.

طالب أديب المصريين أيضاً بتحضير الخبز منزليًا والتوقف عن شرائه، بسبب غلاء أسعاره، متحججًا بأن ذلك “يحدث في أمريكا” وسط حديث طويل حول الحياة الصعبة التي يعيشها الأمريكيون حاليًا من الناحية الاقتصادية. 

يستثمر عمرو أديب في هجومه على المصريين، لشعورهم بغلاء الأسعار، إرثًا كبيرًا من إدانة مؤسسات الدولة للمواطنين كلما غلت الأسعار، وتحميلهم المسؤولية عن أي موجة غلاء، بدأ ذلك في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات حين وصف “انتفاضة الخبز” بـ”انتفاضة الحرامية“، وتحدثت الصحف اليومية الحكومية الثلاث (الأهرام والأخبار والجمهورية) آنذاك، عن كون الإنتفاضة “مخططًا شيوعيًا لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم”.

كانت الصحف تروّج رواية النظام عمّا يجري على الأرض، دون التفكير في شيء واحد، وهو أنّ سبب التظاهرات هو عدم قدرة الناس على تحمُّل غلاء الأسعار، وهو ما يحدثُ الآن أيضًا، فدائمًا ما يفسّر النظام السياسي، ومن وراءه الإعلاميون، أي غضب شعبي بسبب غلاء الأسعار بالرغبة في هدم الدولة وتعطيل حركة الإنتاج وعجلة التقدم والغرق في الرفاهيات.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يسارع دومًا في خطاباته إلى السخرية من المواطنين ويبرّر أي أزمة اقتصادية بكثرة الإنجاب. ويروي ساخرًا، في أحد المؤتمرات، أن سيدة مصرية قالت له إنها أم لعدة أطفال و”الحياة صعبة”، فردّ عليها: “وأنا عندي 100 مليون، قولي لي اعمل فيهم ايه؟”. 

يتابع السيسي ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي جيدًا، ففي إحدى المرات اتّخذ قرارًا برفع أسعار البنزين على الهواء، بعد ترند “رقصة كيكي” الذي تُستخدم فيه السيارات، فقال في مؤتمر “اسأل الرئيس” عام 2018: “قاعدين تركبوا العربيات وكيكي. يا مهندس طارق، زوّد البنزين، متقلقش” (في حديث إلى المهندس طارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية المصري).

يرى السيسي أن الشريحة التي تملك سيارات وتتمتّع برفاهية الإنجاب كثيرًا، تستطيع تحمل الغلاء. ويخاطب عمرو أديب وإعلاميو النظام الشريحة ذاتها التي تعرف “البيض الأورجانيك”، بينما لا يلتفتون إلى أن الإجراءات الاقتصادية والغلاء تؤثر على مواطن آخر، لا يستطيعُ تحمل الزيادات الواضحة في أسعار “الأساسيات” التي لا يستطيع الإنسان العيش من دونها، بينما وصل الغلاء الآن إلى الأساسيات.

بدا ذلك في فيديو نشرته سيدة، تقول فيه إنها تذهب إلى السوق وتعود باكية، وتتمنى “أي عربية تشلني (تدهسني) وأرتاح”.

يعيش أغلب المصريين حياة سوداوية، يتغاضى عنها إعلاميو النظام والرئيس. لا تظهر تلك الحياة في البرامج التلفزيونية أو الأعمال الدرامية، وكأنّ تلك الطبقة الواسعة يُلقَى بها طي النسيان، ولا أحد يريدُ لها أن تظهرَ، أو أن تتكلم، كأنها لم تعد موجودة من الأساس.

دائمًا ما يخاطب الإعلام تلك الفئة، ويتحدث عنها، ليوحيَ بأن المصريين يدّخرون أموالهم “تحت البلاطة”، ويقدرون على مواجهة الحياة. تتَبع الدولة مبدأً رسّخه السيسي في حديث سابق، وهو أن “الحاجة اللي تغلى متشتروهاش”، فالرئيس يعتقدُ أن ما يضربه الغلاء هو رفاهيات يمكن الاستغناء عنها، وهو ما يردّده الإعلام أيضًا، لكن الحقيقة أن الغلاء في مصر يطال كل شيء، حتى طبق الكشري، الذي كان يوصف بـ”غذاء العمّال والغلابة” زاد سعره بضع جنيهات مؤخرًا، ولم يعد هؤلاء “الغلابة” يقدرون على شرائه، حتى أنّ صحيفة إماراتية وضعت عنوانًا ساخراً يقول: حرب أوكرانيا تهزّ عرش الكشري

لم يعُد المصريون يتحمّلون التخلي عن كل السلع التي يصيبها غلاء الأسعار، بينما يصر النظام المصري – وفي ذيله الإعلام – على تجاهل الغالبية العظمى منهم، والاكتفاء بمناقشة مشكلات الطبقة الوسطى العليا، وكأنها مشكلات جميع المصريين لتمييع الأزمة وإظهار الشعب كصانع مشكلات لا يريد تحمُّل المسؤولية، وإلقاء اللوم على السلوك الاستهلاكي للمصريين بغرض خداع المراقبين من الخارج، الذين تحسبُ لهم الدولة حسابًا كبيرًا.

وفي جانب من ذلك الخطاب السياسي والإعلامي المتعمّد منذ سنوات لإقناع المصريين بأنهم المشكلة، تبرز مشكلة خفية، وهي الإيحاء بأنه لن تكونَ هناك حلول للأزمة الاقتصادية التي تعيشُها مصر وعلى الطبقات الدُنيا تحديدًا أن تتأقلم، وهو المخطط الكبير الذي يعمل الإعلام “بجانبيه الفني والتلفزيوني” على تصديره ليلًا ونهارًا.

معاناة الشعب المصري الحقيقية لا تظهر في الأفلام والمسلسلات. لا أحد يشكو هناك. يظهر الناس وكأنهم يعيشون حياة بسيطة وهادئة غير محرومين من شيء، ويستطيعون صناعة السعادة بالقليل، كما ظهر في مسلسل “نقل عام“، الذي أنتجته إحدى شركات الدولة المصرية مؤخرًا، بينما يعرض الإعلاميون مشكلات المصريين وكأنهم لا يستطيعون تحمُّل نقص السلع الترفيهية، أو خلو مائدة الإفطار من “البيض الأورجانيك بالبسطرمة”، بينما هناك ملايين المصريين اللذين لا يتناولون البسطرمة على الإطلاق، لكونها سلعة غالية الثمن، ولا يقدرون على شراء الفول الجاهز من العربات (والفول هو الإفطار الشعبي التاريخي للمصريين)، فيلجأون إلى تدميسه (أي إعداده منزليًا).

الجانب الآخر الأكثر مأسوية، والذي يشير إلى تناقض كبير في حياة المصريين، هو أن الإعلاميين، الذين من المفترض أن يناقشوا مشكلات الناس الحقيقية، ويكونوا على علم بها أكثر من غيرهم، يتعالون على الناس، ولا يأبهون بمعاناتهم، أو يعرفون بوجودها حتى. ومن شدة قربهم إلى السلطة، أصيبوا بانفصال عن الواقع، وتحولوا إلى مادة لسخرية المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا يتخيّل هؤلاء الإعلاميون وجود من لا يستطيع شراء احتياجاته الأساسية. وهم  غارقون في البيانات الرسمية التي تصدّرها الدولة عن إنجازاتها وتلزمهم بإذاعتها، وتحليلها، وترويجها، وتسويقها، ولا يتخيّلون أن المثل المصري “محدش بينام من غير عشاء” لم يعد يجدى، لأن هناك من ينام من دون طعام العشاء في مصر، ليس فقط بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ولكن من قبل وقوع الحرب.

هؤلاء الإعلاميون يتقاضون ملايين الجنيهات شهريًا، ولا يحتكون بـ”الناس” الحقيقيين وأوضاعهم ولا يشعرون بهم. وبينما يطالبون الناس بالتقشف وترشيد الإنفاق، لا يطيقون تطبيق ذلك على أنفسهم، فأغلبهم يقضي إجازاته في أوروبا والولايات المتحدة ودبي والرياض ويرسلون أبناءهم للدراسة في الخارج، وبعضهم راكم ثروات وأعمال ومصالح على مدى أكثر من 30 عامًا تؤهله ليصبح مليارديرًا.

في ظل الهجوم على الإعلامي عمرو أديب، انتقد مغرّدون ومتابعون إقناعه المواطنين بالتقشّف وهو يرتدي ساعة من علامة “اوديمار بيجيه” سويسرية الصُنع، لا يقل سعرها عن 50 ألف دولار

إقرأوا أيضاً:

لا يتسق المشهد مع الحديث الذي يلوم الناس ويطالبهم بالتخلي عن الأساسيات في حياتهم وإعداد الخبز منزليًا، خاصة أن من يتبنّى ذلك الخطاب هو إعلامي نشأ ثريًا، وعاش مرفَّهًا طوال حياته، فهو نجل السيناريست الكبير عبد الحي أديب، الذي أسّس مشروعات أشرك أبناءه في ملكيتها وإدارتها، وأنهى تعليمه الأساسي بكلية “فيكتوريا” الشهيرة بـ”مدرسة الملوك والمشاهير”، وقد تخرّج منها الحسين بن طلال، ملك الأردن السابق، والملك سيمون الثاني، ملك بلغاريا السابق، والفنانون الراحلون يوسف شاهين وعمر الشريف، وعمل في الإمبراطورية الإعلامية السعودية في برنامج “القاهرة اليوم” بقناة اليوم، التابعة لمجموعة “أوربت”، قرابة 20 عامًا قبل أن ينتقلَ بين قنوات مصرية عدة ويصل إلى “إم بي سي” السعودية لعدم قدرة القنوات المصرية على تحمُّل راتبه الكبير، الذي يجعله – حاليًا – حسب تركي آل الشيخ، مسؤول الإعلام السعودي –أغلى مذيع في الشرق الأوسط، إذ يصل عقده، حسب تقارير صحفية، إلى 3.5 مليون دولار سنويًا. 

الأرقام الخيالية لأجور العاملين في الإمبراطوريات الإعلامية تضع العامة من المصريين في مواجهة مع عمرو أديب، الذي يأكل من خبز السلطان ويضرب بسيفه. يعيش ببذخ ويطالب الناس بالتقشُّف. 

مثله، لكن بدرجات أقل، باقي الإعلاميين المصريين، الذين يعملون في أروقة القنوات المملوكة للدولة المصرية أو الخاصة، ويتقاضون أجورًا باهظة، وصاروا ضيوفًا للمؤتمرات المرفهة والفنادق الباهظة. فضلًا عن انتقال أغلبهم للعيش بكمباوندات لبعدها عن الطبقات الأكثر فقراً، ولم تزدهم أموالهم سوى انفصالًا عن الواقع ونسيانًا لأحوال المصريين الحقيقية التي يجب أن يناقشوا كيفية معالجتها وإيصال شكاوى الناس إلى المسؤولين، طبقًا لأبسط أدوار الإعلام.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني