بداية لم نفعل أيّ شيء يذكر للتصدي لروسيا والآن نبالغ في الردّ

في هذه اللحظة العصيبة، يتمثل الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نقع فيه كأوروبيين هو التهور، وأحد مصادر هذا التهور هو انبعاث تيارات شبيهة "بالمحافظين الجدد" في بريطانيا والولايات المتحدة.

خلال فترة عملي الممتدة لأكثر من عقدٍ مع مراكز الفكر في مجال السياسة الخارجية في أوروبا والولايات المتحدة، كنت أتبنى رأياً متشدداً للغاية تجاه الصين وروسيا. فعندما ظن معظم خبراء السياسة الخارجية على جانبي الأطلسي أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع الصين وروسيا سيجعل منهما “شريكين مسؤولين” في النظام الدولي، بل وربما يساهم في إرساء الديمقراطية فيهما، كنت أرى أنه ينبغي اتباع نهج أكثر حزماً معهما. انتقدتُ تحديداً ألمانيا، التي بالغت أكثر من باقي الدول الأوروبية (التي، في المقابل، بالغت أكثر من الولايات المتحدة) في إيمانها باستراتيجية “Wandel durch Handel” أو “إحداث التغيير من خلال التجارة”، والمزايا الأمنية التي تحصل عليها «من الاتحاد الأوروبي» دون مقابل، خاصة مع انخفاض مستويات إنفاقها الدفاعي ونقص قدراتها العسكرية واعتمادها على الغاز الروسي وسوق الصادرات الصينية. 

بإيجاز، لستُ شخصاً مسالماً أو موارباً عندما يتعلق الأمر بالدول الاستبدادية.

إلا أنه منذ بداية الحرب في أوكرانيا أصبحتُ فجأة أقل تشدداً. شاهدنا جميعاً الصور المروعة من أوكرانيا، وازداد الغضب إزاء جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الروسي. لكن عندما تعالت النداءات التي تناشدنا ببذل المزيد لمساعدة الشعب الأوكراني، وجدتُ نفسي على الجانب السلمي من النقاش، داعياً لإنهاء التصعيد وإيجاد سبلٍ لإنهاء الحرب بدلاً من الدعوة إلى تقديم مزيدٍ من التعهدات لأوكرانيا وتغيير النظام في روسيا.

وفيما يلي سأشرح ما حدث حسبما أظن. 

“الحرب مروعة، لكن هل أصبحت مروعة لأن من يُقتلون الآن هم أشخاص من ذوي البشرة البيضاء؟”

منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وحرب دونباس في 2014، حاولنا منع فلاديمير بوتين من اجتياح مزيدٍ من الأراضي الأوكرانية أو أيّ بقعة أخرى في أوروبا الوسطى والشرقية. وتضمنت الخطة عنصراً اقتصادياً (متمثلاً في العقوبات) وعنصراً عسكرياً (يتمثل في تعزيز قوات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في بولندا ودول البلطيق وتدريب الجيش الأوكراني، وهو أمر اضطلعت فيه المملكة المتحدة بدور قيادي).

لكننا تراخينا. 

فمن الناحية العسكرية، أوضحت الولايات المتحدة بجلاء -ومعها الحق في ذلك- أنها لن تدافع عن أوكرانيا كما لو كانت الأخيرة عضوة في حلف الناتو، فبعد كل شيء ثمة أسباب وجيهة لكونها ليست عضوة في الحلف. في الوقت ذاته، ومن الناحية الاقتصادية، واصلت أوروبا اعتمادها على الغاز الروسي، الذي تم إقصاؤه عن عمدٍ من العقوبات. وبالفعل ضاعفت ألمانيا إمداداتها من الغاز الروسي عبر خط أنابيب “نورد ستريم 2″، الذي تم الإعلان عنه بعد عام من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. 

قبل نحو أسبوعين وحسب، قرر بوتين تحدينا. فقد أمعن النظر فيما نهدد بالقيام به إذا ما اجتاح أوكرانيا ورأى أنه على استعداد لخوض هذه المخاطرة. (من الجائز طبعاً أنه كان سيمضي قدماً في خطة الغزو حتى وإن زدنا من وسائل الردع). لو استغربت روسيا من مدى قوتنا واتحادنا في معرض ردنا على غزوها لأوكرانيا، لعُد هذا فشلاً وليس نجاحاً. لأنه يعني أن وسائل الردع لم تجدِ نفعاً لأننا فشلنا في إقناع روسيا أننا يمكن أن نكون بمثل هذه القوة والاتحاد، وهذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها عندما نفكر في الخطوة التالية التي سنتخذها.

صحيح أننا نواجه وضعاً صعباً للغاية لا مثيل له. لكن يبدو لي أن علينا التركيز على استراتيجية محددة. يجب أن يكون الهدف هو فعل كل ما في وسعنا لتجنب مزيد من التصعيد (مع أخذ احتمالية أن يقوم بوتين نفسه بالتصعيد على محمل الجد، من خلال مثلاً استخدام الأسلحة الكيميائية بل وحتى النووية)، وإنهاء الحرب. لكن بدلاً من ذلك، يدعو الخبراء في أوروبا والولايات المتحدة إلى اتخاذ كافة أشكال العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي لم نتمعن بعد في عواقبها والتي يمكن أن تُدِخل الناتو في حرب مع روسيا. 

 أعرب مراسلون ومذيعون لا حصر لهم عن صدمتهم من أن مثل هذا النزاع الوحشي يمكن أن يحدث في دولة أوروبية “متحضرة”، وليس دولة أخرى من العالم غير المتحضر. يبدو تحديداً أن كثيراً من الأشخاص يشعرون بالأسى بسبب ما يحدث للأوكرانيين لأنهم “يشبهوننا”.

بعد أربعة أيام من اندلاع الحرب، غرد نيكولاس مولدر، المؤرخ في جامعة كورنيل ومؤلف كتاب “السلاح الاقتصادي: تاريخ العقوبات” قائلاً، “كيف لم يتحوّل الغرب في أيّ وقت مضى من الاكتفاء بفرض عقوبات موجهة إلى شن حرب مالية على الفضاء الاقتصادي في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، دون تبني أهداف موحدة أو شروط واضحة للتحرر من أيّ قيود، كل هذا بينما يشن طاغية متهور مسلح نووياً حرباً عدوانية. يبدو هذا مرعباً للغاية”. 

منذ ذلك الحين، أُطلقت أيضاً دعوات عديدة لزيادة الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا. ففي يوم الأحد (6 آذار/مارس) قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن واشنطن أعطت بولندا “الضوء الأخضر” لتزويد أوكرانيا بطائراتها الحربية من طراز “ميغ-29”. وفي يوم الثلاثاء (8 آذار/مارس)، أعلنت بولندا أنها ستنقل الطائرات إلى قاعدة رامشتاين «الأميركية» في ألمانيا لتجهيزها ومن ثمَّ توجيهها إلى أوكرانيا، لكن الولايات المتحدة رفضت هذه الخطة فيما بعد. المقلق هنا هو أن الجميع، بمن فيهم وزير الدفاع البريطاني بين والاس، قد أشاروا ضمناً إلى أن تزويد أوكرانيا بالمقاتلات هو قرار فردي يعود لدول معينة وليس قراراً جماعياً تتخذه الدول الأعضاء في حلف الناتو معاً. 

عند مشاهدة هذا التهافت المحموم لفعل أيّ شيء، يصعب على المرء تجنب الإحساس بأن ما يحدث هو محاولة مبالغ فيها لتدارك الخطأ. كلنا نشعر بالذنب بشأن أخطائنا التي أصبحت فجأة واضحة وضوح الشمس، بما في ذلك اعتماد ألمانيا المستمر على الغاز الروسي، وفشل بريطانيا المتواصل في التصدي لعمليات غسل الأموال الروسية. وها نحن نتخذ خطوات هائلة متعجلة قاومناها لسنوات، لكن دون أن نتمتع بفهم واضح عمّا نحاول تحقيقه، وفي ظرفٍ مختلف تماماً وأكثر خطورة مما كان عليه الوضع قبل اندلاع الحرب.

إقرأوا أيضاً:

في هذه اللحظة العصيبة، يتمثل الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نقع فيه في التهور، وأحد مصادره هو انبعاث تيارات شبيهة “بالمحافظين الجدد” في بريطانيا والولايات المتحدة. حتى قبل اندلاع الحرب، كانت هذه التيارات في كلا البلدين تنظر بشكل متزايد إلى السياسات الدولية باعتبارها صراع عالمي بين الديمقراطية والاستبدادية. بينما قاوم الأوكرانيون بشجاعة ومهارة فائقة، ظهر أيضاً مدى إخفاق الجيش الروسي، الذي بسبب لجوئه إلى أساليب وحشية للغاية ضد المدنيين، بات كثير من الخبراء الآن يشعرون أن الإطاحة ببوتين من السلطة أصبحت ممكنة أخيراً. وهو ما يرى بعض المسؤولين في إدارة بايدن أنه يُشكل انتقاماً على التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016. 

لكن ما يثير الدهشة أكثر هنا، هو أن ثمة خطر أيضاً من أن يُقدِم الاتحاد الأوروبي على خطوات متهورة. بعد عقد من الأزمات، التي لم تحل كثير منها، يطمح الاتحاد الأوروبي إلى أن يصبح كياناً “جيوسياسياً”، فقد تحدث مسؤولون مراراً عن ضرورة أن “يتعلم الاتحاد الأوروبي لغة السلطة”. كشفت الأزمة الأوكرانية مجدداً عن ضعف الاتحاد الأوروبي. لكن منذ اندلاع الحرب أصبح نشطاً للغاية، مع فرضه عقوبات على البنك المركزي الروسي قبل حتى الولايات المتحدة بل وتزويده أوكرانيا بالسلاح. كان جوزيب بوريل أيضاً، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، هو أول من أعلن عن خطة إرسال طائرات حربية إلى أوكرانيا قبل نحو أسبوعين، وهو ما يعبر عما تُشكله رغبة الاتحاد الأوروبي المستميتة في أن يصبح كياناً “جيوسياسياً” من خطورة.

بالإضافة إلى فرض العقوبات على روسيا وتزويد أوكرانيا بالأسلحة، حث أيضاً كثير من الخبراء الاتحاد الأوروبي على التعجيل بضم أوكرانيا إليه. مع ذلك، ينظر الكرملين إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي باعتبارهما جزء من المشروع نفسه الذي تقوده الولايات المتحدة، وبيَّن بوضوحٍ تام أن بوتين لن يتوانى عن فعل أيّ شيء من شأنه منع أوكرانيا من الانضمام لأيّ منهما. فبعد كل شيء، كان الدافع من وراء ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 هو اتفاقية شراكة مقترحة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا. وستؤدي أيّ خطوات إضافية تشجع على انضمام أوكرانيا إليهما إلى تصعيد روسي إضافي، وهي احتمالية يبدو أننا لا نرغب حتى في مناقشتها، إيماناً منا بأنه على أوكرانيا أن تكون قادرة على تحديد مصيرها بنفسها. 

خلافاً لخطر التصعيد، ثمة أمر آخر مقلق بشأن احتضان الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا. قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين -الشخصية التي تجسد فكرة الكيان “الجيوسياسي” الأوروبي- مؤخراً إن أوكرانيا “واحدة منا”.

 برهن هذا التصريح على وجود اتجاه أوسع في الغرب لتأطير هذا الصراع من منظور حضاري. فقد أعرب مراسلون ومذيعون لا حصر لهم عن صدمتهم من أن مثل هذا النزاع الوحشي يمكن أن يحدث في دولة أوروبية “متحضرة”، وليس دولة أخرى من العالم غير المتحضر. يبدو تحديداً أن كثيراً من الأشخاص يشعرون بالأسى بسبب ما يحدث للأوكرانيين لأنهم “يشبهوننا”.

بل وبعد بضعة أيام من اندلاع الحرب، أخبر مسؤول أوكراني بارز شبكة “بي بي سي” أن ما يجعل الوضع مؤثراً جداً بالنسبة له هو أن من يُقتلون “أوروبيون بعيون زرقاء وشعر أشقر”. وعلى ما يبدو فإن النهج السخي الذي تتبعه دول الاتحاد الأوروبي مع اللاجئين القادمين من أوكرانيا -وعلى رأسها بولندا، التي كانت خلال أزمة اللاجئين في عام 2015 واحدة من الدول الأوروبية التي رفضت بشدة استقبال طالبي اللجوء من سوريا وأفغانستان- قد نبع أيضاً من حس تضامني عرقي.

ربما يساعد المنظور الحضاري الذي تم تناول النزاع من خلاله في توضيح سبب عدم اعتبار كثير من غير الغربيين أن هذه الحرب لا تخصهم، كالهند مثلاً التي امتنعت قبل أسبوعين عن التصويت لصالح قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا في مجلس الأمن. فهناك وفي بلدان أخرى غير غربية، ينظر كثير من الأشخاص إلى الحرب في أوكرانيا بطريقة تشبه الطريقة التي علق بها ناشط الحقوق المدنية دو بويز على اندلاع الحرب العالمية الأولى. فقد كتب أن “الحرب مروعة، لكن هل أصبحت مروعة لأن من يُقتلون الآن هم أشخاص من ذوي البشرة البيضاء؟”


هانس كوندناني

هذا المقال مترجم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني