“حقيبة القلق”: قصص من “التغريبة” الأوكرانية 

أصبح الخوف والقلق الآن رفيقين دائمين لنا في حياة اللجوء في أوروبا الغربية، ويشغلان مساحة أكبر وأكثر في عالمنا.


أبحث في “غوغل” عن أسماء المدن: “دنيبرو”، “ريفين”، “خيرسون”، “ميكولايف” و”أوديسا”. 

كل صباح، أول ما أقوم به هو التحقق ما إذا كانت كييف لا تزال صامدة، لم تسقط.
لا أستطيع أن أتحمل قضاء اليوم كله مشغولاً في التنقل بين المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي، وقراءة تحديثات الأخبار حول الحرب الروسية على أوكرانيا.
بدأت بالتواصل مع بعض الرفاق والأصدقاء الذين توقعت أنهم ما زلوا داخل الحدود الأوكرانية. كنت أرغب في الحصول على أي خبر، يوفّر الحد الأدنى من الشعور بأنهم ما زالوا بخير.

في وقت كتابة هذا النص، كان أكثر من مليوني أوكراني قد فروا من بلادهم، منذ بدء الغزو الروسي، (24 شباط/ فبراير 2022)، وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. معظمهم إلى بولندا. كذلك غادر ملايين الأشخاص منازلهم، لكنهم ما زالوا في البلاد. معظمهم مواطنون أوكرانيون.

بطريقة ما  تريد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين رؤية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي. تم تنفيذ توجيه يقضي بإعطاء حماية مؤقتة من سنة إلى ثلاث سنوات، “سيمكن الأشخاص الفارين من دول خارج الاتحاد الأوروبي من ضمان الحماية الفورية والمؤقتة”.وأن يحصل اللاجئون الأوكرانيون على تصريح إقامة وعمل على الفور في دول الاتحاد الأوروبي. حيث يمكن للمسافرين الذين يحملون جوازات سفر أوكرانية السفر مجانًا في القطارات عبر بولندا. وفقًا لموقع Business Insider، ستعطي الشرطة والجيش في أوكرانيا الأولوية للأوكرانيين في القطارات المغادرة من أوكرانيا.


لكن بالنسبة لأولئك الذين ليسوا أوكرانيين، فقد تبين أن الوضع مختلف، غالبًا ما يكون هؤلاء أشخاصًا موجودين مؤقتًا في البلاد لأجل الدراسة، العمل، أو يرغبون في إكمال مسيرة اللجوء نحو أوروبا الغربية، لذلك ليس لديهم شبكة الأمان الاجتماعي والمعارف مثل السكان الأصليين.


“وصلت إلى أوكرانيا قبل سنتين، لم يعد بإمكاني العيش في بلدي. شعرت بالحرية والهدوء والسعادة هنا. كان هناك حديث في وسائل الإعلام عن أن بوتين وجيشه سيغزون أوكرانيا، وعرضوا خرائط لعمليات الحرب المحتملة. تشاجر الخبراء على الهواء مباشرة. لكنني واصلت حياتي: العمل، والتسكع مع الأصدقاء، والتجول في عالم الحانات في كييف”، يخبرني حسن من لبنان الذي وصل إلى هنا قبل سنتين.

يضيف: “الآن، نحاول السفر إلى لفيف ثم إلى بولندا. لكننا لا نعرف ما هي التصاريح المطلوبة، وكيف يجب أن نمضي قدمًا. قبل كل شيء، نحن قلقون من خطر أن تتقطع بنا السبل في مكان ما على طول الطريق. لقد تعلمنا بمرور الوقت ألا ننتظر حكومتنا”، يقول حسن، العالق الآن على الحدود في الجهة الأوكرانية.

الطلاب الأفارقة، كما غالبية اللاجئين والمقيمين في أوكرانيا من الشرق الأوسط، يشهدون على العنصرية والتمييز عند المعابر الحدودية، وكثيرا ما أجبروا على الوقوف في الصف الأخير في الطوابير الطويلة لعبور الحدود، والتحقق المُكثف من كل الأوراق التي يحملونها، الأشخاص الذين لا يملكون جوازات سفر، لا يمكنهم تجاوز الحدود على الإطلاق.

يُظهر مقطع بارز بشكل خاص كيف تُجبر امرأة نيجيرية تحمل طفلاً رضيعاً على إعطاء مقعدها لشخص آخر، شارك أناس من آسيا وأفريقيا شهادات مماثلة.

هذا الأمر دفع وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا إلى التعليق، وكتب على تويتر: “الأفارقة الذين يلتمسون اللجوء هم أصدقاؤنا ويحتاجون إلى الفرص نفسها التي يحصل عليها الآخرون للعودة بأمان إلى بلدانهم الأصلية”.

“في اللقاء مع هؤلاء الذين يمسكون الحدود، وفي المواجهة مع الحرب تتشكل نظرتنا  للعالم، أفهم أن الجميع يحاولون حماية أنفسهم. لكننا شعرنا بالفزع لأننا منقسمون بهذه الطريقة. لا أستطيع أن أصدق أي مبررات. السبب واضح، وهو أنه لون بشرتنا أو عرقنا”، يخبرنا محمد.ع طالب الطب الصومالي-السويدي في أوكرانيا. 

“أنا أستطيع أن أفهم أن أوكرانيا تريد إعطاء الأولوية لنسائها وأطفالها، فهذا أمر طبيعي. لكن ليس لدينا مكان نذهب إليه في أوكرانيا، يجب أن نكون قادرين على المغادرة”، يضيف محمد.


اللجوء الثاني

 في اللغة الأوكرانية، تكاد تكون كلمة “حقيبة السفر” التي نحتاجها عند النزوح، أو الهروب شاعرية جداً؛ في حال الترجمة الحرفية، تصبح شيئًا مثل “حقيبة القلق”، بغض النظر عن مدى صعوبة التعبير الأدبي، يحدّثني ماجد الذي وصل إلى بولندا في السيارة بعد رحلة استغرقت تقريباً 19 ساعة، عبر طرق صغيرة ملتوية، كل ذلك لتجنب الطرق السريعة الرئيسية الموصى بها في تطبيق” GPS”. 

“في بعض الأحيان قبل أن أنام، أتخيل أن أحزم حقيبتي للهروب مرة ثانية. أين يجب أن أكون؟ في كل مرة أكون عاجزًا تمامًا وأقرر أنني لا أريد أن أهرب. هل أنا أب سيء؟ أنا أهتم بتنظيم حياتي الخاصة ورعاية عائلتي.  في كييف قبل أسبوعين كان الحديث عن الحرب شيء غير واقعي، مزحة سيئة”.

العيش في نفق المترو:

كانت الحرب مستمرة منذ ستة عشر يومًا عندما تحدثت مع يعقوب، كان يحتمي في  مترو أنفاق العاصمة كييف، يعقوب مصمم على البقاء في كييف. لم يذهب أبعد من ذلك.
تعرفت على يعقوب في ربيع عام 2016، حاول يعقوب الحصول على إقامة في السويد، لكن في النهاية قرر العودة إلى أوكرانيا التي يحمل جنسيتها.

“يبدو أن الوقت إما ثابت أو انتهى. أعيش هنا الآن، في الحياة اليومية المطولة والمتكررة داخل هذا النفق، يتم وصفنا في وسائل الإعلام بأننا أشخاص ينتظرون الموت. لن أخبرك بأية تفاصيل عن الحرب، ولا أريد أن تصيبك الصدمة”. 

يضيف: “لا يزال كل شيء يبدو غير واقعي، مثل كابوس طويل جدًا. أستيقظ وأفكر “أتمنى أن يكون حلما” ثم أتذكر أنني أعيش الآن في عالم آخر”.

إقرأوا أيضاً:



في غضون أسبوعين فقط، شق أكثر من مئتي ألف لاجئ طريقهم إلى مولدوفا، أفقر دولة في أوروبا. لم تستقبل أي دولة أخرى هذا العدد من اللاجئين نسبة إلى عدد سكانها.
الوضع فوضوي. أعلنت مولدوفا حالة الطوارئ، وتناشد رئيسة الوزراء ناتاليا جافريليتا للحصول على المساعدة من الولايات المتحدة ، من بين دول أخرى.

يضطر علي إلى تكثيف اتصالاته المتقطعة مع أشقائه مرة أخرى، للحصول على الموارد المالية المطلوبة لتأمين عملية الخروج من مولدوفا، التي وصل إليها، بعد أن فقد مصدر دخله الوحيد، بعد سيطرة القوات الروسية على مدينة خيرسون.
في البداية، كانت خطته هي السفر من أوكرانيا  إلى السويد، ولكن بعد ذلك حصل على وظيفة وأقام في مدينة خيرسون في جنوب أوكرانيا.

“كنت أملك حياة ناجحة ومستقرة، بعد خروجي من سوريا، في عام 2013، لكن الآن أحاول عبور الحدود دون ملابس أو طعام، أكلت بشكل متقطع في الأيام السابقة، وتعرفت على الجوع(صديقي القديم) مرة أخرى، ولكن أحتاج إلى مزيد من الوقت، أحتاج إلى التفكير ومن المستحيل أن تفكر عندما يتم وضعك في حلقة مفرغة، حيث عليك فقط الركض بشكل أسرع وأسرع حتى لا يتم قتلك، والدوس عليك حتى الموت”، يقول علي.

لكن، كلما استمرت الحرب هناك، ازدادت الأمور سوءًا هنا. إنه تأثير الدومينو.
تقوم وكالة الهجرة السويدية الآن بتوقع عدد اللاجئين من أوكرانيا. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن 212000 أوكراني سيأتون إلى السويد قبل نهاية النصف الأول من العام، وفقًا لما قاله ميكائيل ريبينفيك، المدير العام لمجلس الهجرة السويدي للتلفزيون السويدي: “بالأمس، كان السيناريو الأكثر ترجيحًا هو 76000 شخص قبل نهاية العام. الآن السيناريو الأعلى للوكالة، 212000 شخصاً، هو الأكثر احتمالا.”

في مواجهة هذه الشهادات من الأصدقاء أدرك أنني في النهاية أعيش في أمان نسبي هنا في السويد، تستمر حياتي كالمعتاد، بإنتظار وصول يعقوب بخير إلى هنا في القريب العاجل. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني