مصريون عالقون في أوكرانيا: حلم النجاة يتحول إلى كابوس 

" في البداية كانوا يعطون أولوية الدخول للأوكرانيين، وكانوا يرفضون الجنسيات الأخرى خاصة العرب والأفارقة، لكن هذه الأيام بدأوا يسمحون للجميع بالدخول".

بالتزامن مع تزايد لهجة تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بضرب أوكرانيا، تدخلت دول عربية وأجنبية بسرعة لإجلاء أبنائها قبل نشوب الحرب، وفي الوقت نفسه طالبت نبيلة مكرم وزيرة الدولة المصرية للهجرة من المصريين أن يبقوا في أماكنهم والاحتفاظ بأوراقهم الرسمية، دون الإفصاح عن أي إجراءات من الجانب المصري لإنقاذهم.

 استيقظ العالم بأسره فجر يوم 24 شباط/ فبراير على القصف الروسي لأوكرانيا، بعدها بساعات قليلة كررت السفارة المصرية في كييف على صفحتها على موقع فيسبوك مطالباتها المصريين بالبقاء في منازلهم لحين التفاوض على مسار آمن لخروجهم، وفي مساء الجمعة طالبت السفارة رعاياها في المنطقة الغربية التوجه نحو الحدود البولندية دون الإعلان عن مصيرهم بعد العبور.

ليالي الحرب الأولى مرت كالكابوس على المصريين في أوكرانيا. الطالبة المصرية آلاء مجدي وصلت إلى أوكرانيا قبل 5 سنوات واستقرت في مدينة سومي. تقول لـ”درج”: “منذ بدأ ان التوتر بين البلدين بدأ زملائي من جنسيات مختلفة العودة إلى بلدانهم، كنت أقنع نفسي أن قادة العالم لن يسمحوا بحدوث الحرب، وبالرغم من المسافة بين كييف وسومي إلا أن ليلة الضربة الأولى كانت كافية لبث الرعب، تركنا السكن الجامعي وهرعنا إلى الخنادق نرتجف من البرد والرعب أيضًا”.  

المشاعر ذاتها اختبرها خالد أحمد  الذي أتى منذ 7 سنوات واستقر في مدينة خاركوف لدراسة الطب في جامعة “كارزان”. يقول: “بعد أن عرفت بخبر اقتحام القوات الروسية للحدود شعرت كأنني ممزق بين حلمي الذي حملني إلى أوكرانيا للدراسة، وبين خوفي من الحرب وفزع أهلي، لم أعلم ما يجب فعله خاصة وأن السلطات المصرية لم تعطنا أي خبر حول مصائرنا في حال العودة إلى مصر”. 

تذكر نبيلة مكرم وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين في الخارج أن عدد المصريين الموجودين في أوكرانيا يبلغ تقريبًا 5000 آلاف مصري أغلبهم من الطلاب، وبحسب وزارة التعليم العالي هناك 3220 طالباً أغلبهم يدرس في كليات الطب، منهم 750 طالباً يدرسون في الجامعات الحدودية، حيث احتلت أوكرانيا المرتبة الـ 88 في مؤشر التعليم الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2019، من أصل 189 دولة. 

وقد صرح الوزير خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أن الطلاب العائدين من أوكرانيا أمامهم الجامعات الخاصة في مصر ليكملوا ما تبقّى لهم من سنوات دراسية.

يعلّق الطالب خالد أحمد على تصريح الوزير لـ”درج” قائلا: “أغلبنا من أسر متوسطة وبسيطة وسافرنا لأوكرانيا بمنح ممولة بالكامل أو ممولة جزئيًا ونعمل في العطلات كي نوفر مصروفاتنا واغلبنا لن يستطيع تحمّل تكلفة الجامعات الخاصة في مصر، وإلا كنا تحملناها منذ البداية بدلًا من الغُربة”. 

دشن العالقون المصريون في أوكرانيا وذويهم هاشتاج #طلاب_مصر_في_أوكرانيا،  لنشر استغاثتهم للخروج من مناطق القصف، وبعد ساعات قليلة نُشِر تحته أكثر من 1500 منشوراً كلها تحمل مطالبات لوزارة الهجرة والسفارة المصرية بضرورة الإسراع في التحرك لإجلائهم، وأعلنت السفارة المصرية في بولندا استقبالها للمصريين الذين عبروا الحدود.  مكرم تقول إن الوزارة شكّلت غرفة عمليات للتواصل مع أبناء الجالية المصرية هناك ومحاولة إجلائهم من الأراضي الأوكرانية بأسرع وقت وبشكل آمن.

لم ينتظر المصريون في الخارج تحرك المسؤولين وبدأوا في تكوين المجموعات على تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة بمبادرات فردية لتوفير المساعدات. منهم من عمل على توفير طعام وشراب ومنهم من قام بتوفير أماكن سكن أو وسائل نقل مجانية، من بينهم حماده حليم الذي استقر في مدينة “أوش جراد” على الحدود مع سلوفاكيا، والتي تعتبر آمنة إلى حد كبير، استغل عمله الخاص كصاحب مكتب سيارات أجرة  ليبدأ بنقل المصريين الفارين من المدن المقصوفة ويساعدهم في التوجه إلى الحدود مع سلوفاكيا. 

يقول حليم في تصريحات لـ”درج”: “منذ اليوم الأول للقصف بدأت في نشر رقم هاتفي على كل مجموعات التواصل، وبالفعل بدأت في نقل المصريين من المدن المجاورة للحدود، لكن الوضع مأساوي أكثر من كل مشاهد الدمار في الأفلام، كنت أبكي في الطريق. هذه ليست البلد الهادئة التي اخترتها، الخراب يخيم على كل شىء، لم أكن اتخيل طوال مدة إقامتي أن أمرّ بهذه التجربة”.

أصعب ما واجهه حماده في الحرب هو حال الأسر التي ينقلها، يقول: “كل الناس الناجية تحتاج إلى نجدة نفسية عاجلة، خاصة اولئك الذين نجوا في اللحظات الأخيرة، أجد الناس مندهشين يصرخون ويبكون، خاصة الأسر المستقرة التي فقدت عملها والطلاب الذين فقدوا أحلامهم”.

 ويضيف: “أصعب موقف عايشته مع أسرة ناجية من القصف في خاركوف كنت أنقلها إلى الحدود، وقفنا لنستريح قليلًا، حينما سمعت الأم صافرات الإنذار حضنت رضيعها ونزلت تحت السيارة انتابتها نوبة هلع شديدة وظلت تصرخ وتبكي”.

انتشرت شهادات عن التعامل العنصري وحوادث تمييز ضد عابري الحدود من العرب والأفارقة والهنود، جاء ذلك بالتزامن مع تصريحات  لمشاهير وصحفيين أوروبيين أن أوكرانيا دولة اقرب الى اوروبيا وليست كدول الشرق الأوسط ولا أفغانستان، وجرى تداول بعض الفيديوهات، أشهرها للشاب المغربي الذي يحمل سلاحاً أبيض في وجه الحراس ويزعم أنه فعل ذلك بعد أن رفضوا ركوب الجنسيات الأخرى وقالوا أن الأولوية للأوكرانيين، وبحسب تصريحات قوات حرس الحدود البولندية لموقع BBC فإن بولندا ترحب بكل الهاربين من الصراع في أوكرانيا من دون النظر إلى جنسياتهم.

لاحظ حماده خلال رحلاته لنقل العالقين للحدود أن هناك تمييزاً كبيراً في المعاملة:” في البداية كانوا يعطون أولوية الدخول للأوكرانيين، وكانوا يرفضون الجنسيات الأخرى خاصة العرب والأفارقة، لكن هذه الأيام بدأوا يسمحون للجميع بالدخول”.

في تصريحات خاصة لـ”درج” أكد رئيس الجالية المصرية في أوكرانيا علي فاروق إجلاء ما يقرب من 70% من أبناء الجالية ونقلهم إلى الحدود، وأن النقل يتم من خلال سيارات المتطوعين أو القطارات، وبعدها يتم توجيههم إلى السفارة المصرية لتوفر لهم أماكن إيواء، وبحسب صفحة السفارة المصرية فإن بولندا توفّر للمصريين إقامة لمدة 15 يوماً إلى حين عودتهم. 

على الرغم من ظروف الحرب فهي أهون من ضياع جهد سنوات طويلة للحصول على شهادة التخرج، يقول خالد أحمد:” لم أكن أنوي الخروج من أوكرانيا، فالباقي أشهر معدودة وأحصل على شهادتي وأعود، فلن أستطيع تحمل نظرات التحسر من أهلي بسبب ضياع كل ما أنفقوه على دراستي التي لم تكتمل، لكن أصدقائي أقنعوني أن نلجأ لأي دولة أخرى بشكل مؤقت إلى حين تحسن أوضاعنا، وبعد خروجنا من المدينة بخمس ساعات علمنا بقصف مبنى السكن الجامعي بخاركوف، وبالرغم من ذلك لن أعود إلى مصر قبل أن أحصل على شهادتي الجامعية”.

إقرأوا أيضاً:

طرحت وزارة الهجرة بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي استمارة موحدة لتسجيل الطلاب الذين مازالوا عالقين في أوكرانيا أو الحدود ليتم التواصل معهم وإجلائهم، وفي تصريحات صحفية سابقة كشفت مكرم أن هناك 1900 طالباً سجلوا وجاري التنسيق معهم من خلال اجتماعات تعقدها الوزارة مع ممثلين عن الجالية عبر تطبيق “زووم”. 

للمرة الثانية يخذل الحظ الطالبة المصرية آلاء مجدي، فهي مازالت عالقة في أحد خنادق مدينة سومي: “الجيش الروسي على مقربة منا، أنا ومعي 20 طالباً مصرياً آخرين جميعنا عالقون، وبالفعل عقدت الوزيرة نبيلة مكرم معنا اجتماعاً عبر زووم منذ أسبوع، وبعدها أخبرتنا الوزارة أنها ستوفر لنا أوتوبيس نقل ونستعد لكنه لا يأتي، وتواصل معنا أشخاص يزعمون أنهم من الوزارة طالبونا بتوفير 9000 هريفنا(306$) لكل طالب ثمن نقلنا، وافقنا وجمعنا المبلغ وتواصلنا معهم لكن هناك تسويف غير مبرر”.

“درج” تواصلت مع مها سالم المتحدثة الإعلامية باسم وزارة الهجرة لإعطائهم حق الرد عن وضع الطلاب في سومي وعما إذا كانت الوزارة تطلب من رعاياها ثمن نجدتهم، لكنها طلبت أن نرسل لها أسئلتنا عبر تطبيق واتس آب، وبالفعل أرسلناها لكننا لم نتلق أي ردّ. 

كانت آلاء قد أبلغتنا أن شبكة الإنترنت ضعيفة وأنها تحتاج الخروج إلى الشارع حتى تتواصل مع عائلاتها، ولكن قبل أن نفقد اتصالنا بها قالت: “كل الدول أنقذت أبناءها، ونحن مازلنا هنا وحدنا، الوضع خطر ونحتاج إلى تنسيق دبلوماسي لإخراجنا”.

الأوضاع في أوكرانيا تزداد سوءً، الأسعار ارتفعت بشكل جنوني وأغلب السلع اختفت من الأسواق، خاصة الأطعمة المعلّبة والأدوية وحليب الأطفال، هذا ما يعاني منه حماده حليم على الرغم من تواجده في منطقة آمنة وبعيدة عن الصراع فهو لم يفكر في مغادرتها إلا لهذا السبب: “ظللت ابحث ليلة كاملة عن علبة حليب واحدة لابنتي ولم أجد حتى استطاع أحد اصدقائي توفير علبتين فقط، لذلك فكرت في نقل عائلتي إلى سلوفاكيا وأنا سأظل موجوداً هنا حتى خروج آخر مصري”. 

لا يزال المشهد ضبابياً، ولا تزال تصريحات وزارة الهجرة والسفارات المصرية في أوكرانيا والبلدان المجاورة غير جادة، فلم تعلن عن عدد المصريين الذين تم إجلائهم ولم تعلن عن مصير الطلاب العائدين ولا عن سُبل التعامل مع الأسر المصرية العائدة من الحرب، كل ما تؤكد عليه مكرم هو توجيهات القيادة السياسية بأولوية حياة ابناء الجالية المصرية في أوكرانيا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني