فيلم “الإرهاب والكباب” يغضب السيسي
بعد 30 عاماً على إطلاقه

السيسي يتصرّف حيال الإنتاج الفني بعقلية "أمنية" تعتقد أن هامش الحرية الذي كان متاحاً في عصر حسني مبارك وسمح بظهور صور حقيقية من الفساد على الشاشات، هو السبب المباشر في سقوط النظام، وليس الفساد نفسه.

تدور أحداث فيلم “الإرهاب والكباب“- الذي عرض عام 1992- في مجمع التحرير، حيث يتوجه البطل أحمد لنقل طفليه من مدرسة إلى أخرى، ويصطدم بالروتين الحكومي الذي يعطل كل شيء. تتطور الأحداث ليجد نفسه يحمل سلاحاً ويشهره بين المواطنين، ويحتل مجمع التحرير، أشهر مبنى حكومي في تاريخ مصر، ويحصل على رهائن، لتحاصر الشرطة المجمع، ويفاوض المواطن البسيط وزير الداخلية الذي يهدد بتدمير المبنى بما فيه الرهائن، تنشأ علاقة محبة بين الخاطف والرهائن، فيطلب وجبة كباب للجميع، ثم يرفضون تركه يواجه الموت وحده ومغادرة المبنى، بعدما شعروا بأن مطلبه ليس فردياً بل هو مطلبهم جميعاً، وهو التخلص من الفساد والروتين. تقتحم الشرطة المبنى لتجده هادئاً، وكأنه لم يكن مهدداً بعمل إرهابي منذ قليل.

حين سُئل وحيد حامد عن هدفه من الفيلم، قال إن مطالب الناس ورغباتهم بسيطة، يمكن تلخيصها بـ”وجبة كباب”. وخلال تصوير الفيلم، غير المخرج شريف عرفة بعض التفاصيل وجعل ابنة البطل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يجعل نقلها حقاً أصيلاً له، فاعترض حامد وثار، لأن “كل مواطن من حقه نقل أطفاله إلى مدرسة أخرى، حتى إذا كانوا أصحاء”.

يقصد وحيد حامد أن من حق المواطن أن يشعر بأنه مواطن وله حقوق مشروعة، وليست منحة أو حسنة من أحد، لكونه مريضاً أو له وضع خاص، وربما تلك النقطة هي ما يزعج السيسي في الفيلم، فالدولة التي يؤسسها لا تريد أن يشعر المواطن بأن له حقوقاً من واجب الدولة تأمينها، إذ يفضّل النظام اعتبار ما يحصل عليه المواطن من دولته، إعانات ومساعدات، وهو ما يظهر بشكل واضح في مشروع السيسي “تكافل وكرامة” لمساعدة الأسر الفقيرة من خلال جمع التبرعات لهم.

وإذ بات الفيلم راسخاً في ذاكرة متابعي الفن المصري، من هنا بدا هجوم الرئيس المصري على الفيلم مفاجئاً في توقيته ومضمونه، لا سيما أنه عُرِض قبل 30 عاماً، بذريعة أنه جعل البلد خصماً للمواطن كما قال: “لمّا حوّلت الدولة لخصم، في 2011 هدّوها (هدموها)”. 

تمثّل ذكرى 25 يناير وتوابعها ما يشبه أزمة وجودية بالنسبة إلى السيسي، فلا يفوّت حديثاً دون الإشارة إليها كبلاء شديد نجت منه مصر، كما أن استخدامه كلمة “البلد” بدل النظام أو مؤسسات الدولة كان لافتاً، ليضع الناقدين في خانة أعداء الوطن.

يوجّه السيسي تلك الرسالة دوماً، كعادة الرؤساء المصريين الذين يتصرّفون باعتبارهم مصر وباعتبارهم خالدين، فـ”البلد” في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك كان “مصر مبارك”. أما أنور السادات وجمال عبد الناصر الرئيسان الراحلان، فكانا متفقين على أن لا مثيل لهما، وأن فضلهما على مصر كبير، الأول لانتصاره في حرب أكتوبر، والثاني لقيادته أحداث 23 يوليو 1952.

مواطنون بلا حقوق… ولا كباب!

قد يترتّب على ذلك النقد العابر من السيسي لفكرة فيلم “الإرهاب والكباب” عدم عرضه مرة أخرى على أي قناة مصرية لسنوات، حتى يصبحَ من الأفلام “الممنوعة من العرض” بأثر رجعي، فمن يتابع، يلحظ  أن تلميحات السيسي وتعليقاته العابرة في أمور ليس مختصاً بها، لا تلبث أن تتحول إلى قرارات إلزامية.

في إحدى المناسبات، قال إنه يفضل المدرب الوطني للمنتخب المصري لكرة القدم، فتمّت الاستعانة بحسام البدري حتى لا تسقط كلمة الرئيس، ثم تحققت إقالته بعد سلسلة من النتائج السيئة.

الفن الذي يريده الرئيس… دراما الأجهزة الأمنية و”الشهداء”

أدرك السيسي أهمية دور الفن جيداً، فاستخدمه في تمرير قراراته السياسية، ونشر فكرة الانتماء إلى الدولة بمفهومها السياسي، ولأجل ذلك أسّس جهاز المخابرات المصري الشركة المتحدة للإنتاج الإعلامي والفني، التي تملّكت معظم القنوات التلفزيونية الخاصة، وتصدّرت- بمفردها- لفترات طويلة الإنتاج الدرامي والسينمائي، كي تترجم أفكار الرئيس وتصوراته وتوجهاته وتقدّمها في أفلام ومسلسلات، وتمنع في المقابل الأعمال التي تغضبه.

تغير شكل الإنتاج في مصر تماماً في السنوات الماضية، فمنذ السيطرة الكاملة على الشركات وإحكام قبضة الرقابة وفرض عقوبات على من يغرّد خارج السرب، صارت المسلسلات تُقدم طبقاً لأجندة يتفق عليها أطراف اللعبة، فانتهى ازدهار صناعة التلفزيون التي كانت مصر في صدارتها طوال عقود، وتلاشى النفوذ الثقافي المصري، الذي كان يشكّل عصب قوتها الناعمة، وفي قلبه الأفلام والمسلسلات.

حصلت “رويترز” على معلومات تفيد بأن “لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تصر على ألا تتضمن المسلسلات التلفزيونية مشاهد جنسية أو ما ينطوي على الإلحاد وألا تتناول السياسة ضمن موضوعاتها، كما يتعين تقديم رجال الشرطة وأي شخصيات أخرى تمثل السلطات في صورة إيجابية”. وتؤكد أن “تلك الرؤية هي رؤية الرئيس السيسي وهي قائمة على فضائل البطولة والوطنية، وتستخدم السلطات أساليب مبتكرة في العمل على تحقيقها”.

وبدت الأجندة المقرّرة في غاية الضيق، ترحّب بالأعمال التي تمجّد الأجهزة الأمنية، وتقدم ضحايا الجيش والشرطة والحرب على الإرهاب، وتصوغ قصصاً حول تجديد الخطاب الديني– من وجهة نظر رئاسية- تتمحوَر حول نبذ الإخوان، إلى جانب مسلسلات اجتماعية تظهر الجوانب الإيجابية في المجتمع المصري وتتجاهل الجوانب السلبية، حفاظاً على نسيج المجتمع، وتضمّ أكبر عدد من الممثلين، الذين يجبرهم عملهم أن يبقوا ضمن القطيع، حتى لا يصبح مصيرهم الاستبعاد من الأعمال لاحقاً.

لن تجدَ مسلسلاً يدور حول جريمة قتل في حارة شعبية كالتي تحدث بشكل شبه يومي، أو عملاً يتناول الفساد في حياة الضباط أو أروقة الصحف، ولن يجرؤ أحد المنتجين على تقديم عمل يبرز حياة المصريين في سيناء ومعاناتهم في ظلّ حالة الحرب المستمرة داخل قراهم.

سقف الحرية لم يعد يستوعب أبسط الموضوعات المثيرة للجدل والواقعية، التي تؤرق المصريين، إذ يتبنّى السيسي منهجاً فنياً يتجاهل جميع المنصات والقنوات الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي، ذلك المنهج يقوم على التجاهل بدلاً من المواجهة والعلاج، وهنا هو أسير دولة جمال عبد الناصر، التي أعلن إعجابه بها مرات عدة، فكانت تستخدمُ الفن وتحقق نتائج ملموسة على الأرض، وهو ما يفتقدُه السيسي، إذ يستخدم الفن وينفق عليه كثيراً من دون أن يلمس أي نتائج، والأزمة التي لا يستوعبها، أنه في عهد عبد الناصر كان الإعلام محدوداً، فالتلفزيون المصري كان عبارة عن قناتين فقط، والراديو كان أهم وسيلة إعلامية، لذلك كان تأثير الإعلام قوياً، لكن الأمور اليوم اختلفت.

هناك عشرات القنوات والمنصات غير الخاضعة لسلطة السيسي أو رقابته، فما ترفض الدولة إنتاجه أو عرضه على قنواتها، تبثّه منصة “شاهد” وقناة “MBC مصر” السعوديتان. 

بنسبة أكبر من الإنتاج المصري الكامل، تعالج القنوات والمنصات السعودية الأزمات المصرية وتشتبك معها، تقدم الحارة ومخالفاتها ومحنها، والنماذج التي يراها المصريون في حياتهم اليومية، والمشكلات التي يتعرّضون لها ويضطرون لمواجهتها، بينما لا يجدون ذلك على القنوات المصرية، فيغادرونها، فالمشاهد بات يعرف جيداً العمل الفني ذي الأهداف السياسية أو الأغراض التي تخصّ الدولة، ويتجاهله، باحثاً عن عمل آخر يهدف إلى ترفيهه أو توعيته أو يداعب أهدافه الشخصية وحياته اليومية. 

عرضت إحدى القنوات المصرية مسلسل “نقل عام” الذي لم يحقق شعبية تُذكر، وأعقبه عرض منصة “شاهد” لمسلسل “منورة بأهلها” الذي يدور حول جريمة قتل وضحايا وتزوير وسرقة، ومشاهد يعيشُها المصري يومياً، وقد تحول المسلسل إلى نقاش مفتوح على صفحات التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة.

ترتّب على ذلك خسائر ضخمة للشركة المتحدة، الذراع الفنية للدولة المصرية، فبينما يهبط سقف الحرية في القنوات المصرية، تراه يرتفع في “نتفليكس” و”شاهد” لتبدو المنصتان وكأنهما تقودان تغييراً تقاومه الدولة المصرية لتدفع منصاتها وقنواتها إلى الهاوية.

إقرأوا أيضاً:

الدولة تأكل رجالها… من عادل إمام ووحيد حامد إلى حسني صالح

يتّجه السيسي إلى إقناع المصريين بأنهم سيعيشون حياة الكمباوندات والقصور، وأنه ينقلهم من العشوائيات إلى حياة أكثر نظاماً، ولذلك لا يريد سوى رؤية تلك المشاهد على شاشات التلفزيون، ومن هنا اختفت المسلسلات التي تدور في الحواري والشوارع المصرية الأصيلة، لحساب مسلسلات أخرى تبرز نجوماً لامعين، وأعمالاً بالملايين، ومنازل فخمة، وحياة اجتماعية راقية ومواطنين صابرين على حالهم ويعيشون جيداً برغم فقرهم. 

هذا هو مشروع الدولة حالياً، أي إقناع المصريين بأنهم يستطيعون عيش حياة أفضل بالفتات الذي يتقاضونه، حتى يتوقّفوا عن الشكوى. أدرك تلك الرسالة المخرج المصري حسني صالح، فقرر إخراج مسلسل تدور أحداثه في حي الأسمرات، الذي يسمّى في الصحف المصرية، “سكن 5 نجوم للغلابة“، وذلك بعد تطويره من عشوائيات لسكن شعبي متوسط المستوى، من طريق شركة “الجابري” التي تملكها أسرته، فسُرقت معدّات المسلسل، وحين شكا من السرقة التي تعرّض لها علناً بعد شعوره بتواطؤ الشرطة في الأمر، تم إلقاء القبض عليه بتهمة “نشر أخبار كاذبة”.

التضييق على الإبداع، وتحجيم مساحات التفكير في الأعمال الفنية، من المرجَّح أنه لن يؤدي إلى إنتاج عمل يحقق النجاح ذاته الذي حققه “الإرهاب والكباب” مرة أخرى، وجعله أيقونة فريدة في تاريخ السينما المصرية، برغم أن صناعه من المعروفين بعلاقاتهم التاريخية بالأجهزة الأمنية، كالسيناريست وحيد حامد والممثل والكوميديان عادل إمام.

عمل الثنائي في أفلام عدة ترفع الغطاء عن الإرهاب، وتواجهه، يأتي في مقدمها “طيور الظلام” و”عمارة يعقوبيان”. أمَّا وحيد حامد، فهو صانع مسلسل “الجماعة” الذي اتُهم مراراً بأنه كتبه داخل مقر جهاز أمن الدولة لكونه يقدم رواية نظامي مبارك والسيسي حول الإخوان المسلمين، وعادل إمام هو صديق الرؤساء، وتحديداً مبارك، الذي كثيراً ما وقف بصف الدولة في مواجهة الإرهاب، وقدم أفلاماً وآراءً لإنصافها. وكلاهما ساند السيسي ودعمه بشدة. 

لكن ربما يكون الدعم الذي كان مطلوباً منهما في عهود سابقة كان منطقياً أحياناً أو مختلفاً. لم يكن الصمت الكامل هواية الأنظمة السابقة، بل التنفيس عن الغضب  سلاحها للمواجهة.

في عهد مبارك، قدم عادل إمام، إلى جانب “الإرهاب والكباب”، “اللعب مع الكبار” و”طيور الظلام” و”مرجان أحمد مرجان” و”الواد محروس بتاع الوزير” و”النوم في العسل”، وكلها تقدم وجوهاً مختلفة للفساد في ذلك العصر، برغم أن الفنان الملقّب بـ”الزعيم” كان صديقاً شخصياً للرئيس مبارك ورموز نظامه، الذي تفهم رسالة الفن ولم يرى حق المواطن في المطالبة بحقوقه “مواجهة مع الدولة” مثلما رأى السيسي!

الأنظمة السابقة كانت تعي أنّ الناس سيهجرون الفن الذي لا يناقش مشكلاتهم لتصبح المليارات التي تُنفق في صناعته بلا قيمة، لذلك سمح نظام مبارك للسينما بمناقشة الإرهاب، و التوعية بخطورة الزيادة السكانية والاختلاس باسم الدين من جانب شركات توظيف الأموال.

 كان نظام مبارك  يسمح بتصوير وحشية الشرطة والفساد والبطالة وتواطؤ الأجهزة مع تجار المخدرات والسلاح في الأفلام من أجل التوازن.

مراجعة التوجهات الفنية للدولة المصرية في عهد “السيسي” تكشف أن “الإرهاب والكباب” ليس أزمته الوحيدة، إنما أي عمل فني ينصفُ الناس ويتبنّى أصواتهم ومشكلاتهم. 

السيسي يتصرّف حيال الإنتاج الفني بعقلية “أمنية” تعتقد أن هامش الحرية الذي كان متاحاً في عصر حسني مبارك وسمح بظهور صور حقيقية من الفساد على الشاشات، هو السبب المباشر في سقوط النظام، وليس الفساد نفسه، لذا قرر أن يهاجم فيلم”الإرهاب والكباب” وربما يهاجم قائمة أفلام أخرى مستقبلا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني