غزو أوكرانيا ومَكْر “الرأسمالية” 

البوتينية كانت جزءاً من رأسمالية ما بعد الحرب الباردة، وهي أصابت القيم الليبرالية بمقتل وبغزوات لا تقتصر على غزو أوكرانيا. من هنا يجب أن يبدأ النقاش، ومن هنا نعالج الصدع البوتيني الذي يشطر العالم.

 

هل يصح الاعتقاد بأن الغرب صُعق بخطوة فلاديمير بوتين، غزو أوكرانيا، وأن مرد فوضى ردود الأفعال الناجمة عن هذا الغزو، هو الصدمة التي خلفتها الخطوة جراء احتكاكها بما تمثله أوروبا، أو ما يمثله الغرب الليبرالي والديموقراطي من قيم؟

لدينا عشرات الأمثلة التي تنفي هذا الافتراض، فالبوتينية التي شرع العالم اليوم يبحث لها عن أصل، تارة في الماضي السوفياتي لروسيا، وتارة أخرى في قيصرية الإمبراطورية، وجنحت بعض التفسيرات إلى ردها إلى “بسيكوباتية” بوتين، لا بل ربطها مفسرون جدد للظواهر الشمولية إلى وعي بوتين بجسمه وإلى تضخم هذا الوعي وتحوله إلى رغبة التهامية، هذه البوتينية كانت إلى لحظة بدء الغزو شأناً غير مستهولٍ، وقابلاً للتعامل معه بما تقتضيه الوقائع، ووحده الغزو ما دفع إلى تصويره بوصفه جحيماً يجب رده عن هذا الكوكب. 

غزو الشيشان وتدمير غروزني عن بكرة أبيها، لم يلفتا أحداً إلى أننا أمام رجل خارج المنظومة “القيمية” لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتكرر الأمر في جورجيا وفي القرم، وكانت سوريا إحدى الذروات التي بلغتها الوحشية البوتينية، والجميع وجد أساليب للتعامل معها ببراغماتية خلفت مزيداً من الدماء السورية المراقة. ولنا في التعاون الروسي- الإسرائيلي نموذجاً لكيفية إدارة “الغرب” علاقاته مع هذا “الوحش”. فإسرائيل، وهي “واحة غربية في هذا المشرق”، لم تجد من يتحفظ على حميمية العلاقة التي ربطتها بموسكو في سوريا، وعلى تكريسها الاحتلال الروسي هناك بصفته مدخلاً لإدارة الفوضى هناك. وأحداً لم يلفته أن سوريا، وقبلها غروزني وجورجيا، كانت تمريناً للتقدم نحو أوروبا.

العقوبات اليوم تكشف تعقيدات ما كان المرء ليلاحظها لولا استيقاظ “الليبرالية” على حقيقة الوحش الذي يعيش في خاصرتها. فروسيا بعد الحقبة السوفياتية، وتحديداً في حقبتها البوتينية، تم إدماجها بالأسواق من دون الشروط “الثقافية والليبرالية” التي يفترض أن يمليها هذا الإدماج

حازم الأمين

لكن بموازاة الذهول الغربي جراء الخطوة البوتينية المسبوقة بعدد من مثيلاتها، كشفت الخطوة هشاشة وفوضى في أشكال التصدي للخطوة، ووضعت الليبرالية وما يحيط بها من قيم التعددية وسيادة القانون أمام أسئلة قاسية، فربط الغزو بخروج بوتين من منظومة قيمية وسياسية لا تنسجم مع ما أرسته مرحلة ما بعد الحرب الباردة من تبادل حر ومن التزام بشروط الانخراط بالاقتصاد العالمي الثقافية والإنسانية والقانونية، لا يصح بما أنه باشر اشتغاله مع غزو أوكرانيا وضرب صفحاً عن مسح غروزني وغزو جورجيا وتدمير المدن السورية على رؤوس سكانها. ومرد الذهول هنا يقتصر على أن الرجل باشر زحفه نحو دولة أوروبية!

علينا هنا أن نستعيد ظروف العلاقة بين موسكو وتل أبيب، تلك التي بلغت ذروتها في عهد بنيامين نتانياهو. هذه العلاقة تشكل نموذجاً لعلاقة المكر والشراهة بين إسرائيل ببعدها الغربي وروسيا البوتينية بتخففها من أي التزام أخلاقي. كان الرجلان يجلسان متقابلين ويتبادلان ابتسامات التواطؤ. نتانياهو متفهم لحماية بوتين بشار الأسد، وبوتين متفهم ومسهل للغارات الإسرائيلية على ما يفترض أنه جيش الأسد! أما العالم، فبدا قابلاً ومتفهماً وأحياناً متواطئاً.

الاقتصاد العالمي بوصفه منظومة تشتغل وفق شروط القيم الليبرالية، ارتكب ما لا يحصى من الموبقات، وهذا هو الوقت المناسب لمحاسبته. فانطلاقاً من الإدانة غير المترددة لغزو أوكرانيا، ومن الوقوف مع الأوكرانيين في مواجهة محاولة بوتين التهام بلدهم، علينا أن نلاحظ أن النظام المالي العالمي كان سبق له أن دمج الاقتصاد الروسي البوتيني في آلته، وأقام معه شراكات عضوية. حصل ذلك بموازاة غزو بوتين عدداً من البلدان. والعقوبات اليوم تكشف تعقيدات ما كان المرء ليلاحظها لولا استيقاظ “الليبرالية” على حقيقة الوحش الذي يعيش في خاصرتها. فروسيا بعد الحقبة السوفياتية، وتحديداً في حقبتها البوتينية، تم إدماجها بالأسواق من دون الشروط “الثقافية والليبرالية” التي يفترض أن يمليها هذا الإدماج. أوروبا حولت مدافئها إلى حقول الغاز الروسية نظراً إلى انخفاض الأكلاف، متغاضية عن وصول عملاء الاستخبارات الروسية إلى عواصمها لاغتيال المعارضين الروس، والشركات الأميركية عقدت اتفاقات مع الأوليغارشيا الروسية في ذروة دعم الأخيرة تغول بوتين في سوريا وغيرها. لم يكن “الشرط الليبرالي” شرطاً أخلاقياً في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وفي مرحلة زحف الأسواق “الليبرالية” نحو الشريك الجديد. فلاديمير بوتين يعرف ذلك، وهو اختبره بنفسه، وهو لم يكن بعيداً من حساباته التي أجراها قبل غزوة أوكرانيا.

وعندما نقول إنه الوقت المناسب لاستدراج الغرب، الذي أغضبه الغزو، إلى نقاش يعنينا، طالما أننا في غمرة التفكير بكيفية حصار روسيا البوتينية، انطلاقاً من ادعاء عدم انسجامها مع ما تمثله القيم الغربية من التزامات. علينا استعادة التسويات التي أجرتها هذه “القيم” مع نماذج تشكل افتراقاً عنها، على رغم أنها تلتقي مع قيمها الرأسمالية. فالغرب يكف عن كونه ليبرالياً في علاقاته مع أنظمة الخليج مثلاً. قوة الرأسمال هناك تفوق نظيرتها القيمية، واستحضار الأخيرة في سياق قتل الصحافي جمال خاشقجي يقتصر على أسابيع قليلة تعود بعدها العلاقات إلى طبيعتها، كون السعودية قوة اقتصادية كبرى، تمكن التضحية بالقيم الليبرالية في سبيل علاقة معها تدر أرباحاً وتثمر استثمارات، وفي هذا تكراراً لمعضلة الليبرالية مع ربيبتها الرأسمالية.

ليست هذه دعوة للاستعاضة عن “القيم الليبرالية” وعن تجاوزها، انما محاولة لرد الخيبات إلى أصل آخر. يحق لأوروبا طبعاً أن تستهول غزو أوكرانيا أكثر من غزو سوريا، لكن أن تعيد هذا الاستهوال إلى قيم تدعونا إلى تبنيها، ففي ذلك مفارقة تستحق التوقف عندها.

البوتينية كانت جزءاً من رأسمالية ما بعد الحرب الباردة، وهي أصابت القيم الليبرالية بمقتل وبغزوات لا تقتصر على غزو أوكرانيا. من هنا يجب أن يبدأ النقاش، ومن هنا نعالج الصدع البوتيني الذي يشطر العالم.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني