لقاء “ذا أتلانتيك” مع محمد بن سلمان:
الحياد في زمن الحرب

في هذا اللقاء خرج ولي العهد السعودي بتصريحات غير معهودة منه تجاوزت كل اتهامات المعارضة السعودية له بالانتقاص من قدراته وحنكته السياسية، بل وتجاوزت كل الضغط الذي كان يعيشه في خضم أزمة مقتل جمال خاشقجي.

ما زالت تداعيات أحدث لقاءات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الإعلامية مع مجلة The Atlantic تتوالى، ليس بعناوين اللقاء وحده أو المعلومات التي قدمتها مادة الصحافي غرايمي وود، ولكن لردود الفعل السعودية غير الرسمية التي أعطت انطباعاً دولياً بعدم رضا ولي العهد عن النتيجة التي خرج بها المقال. ما قد يثير بعض الشبهات حول لقاءاته الإعلامية السابقة مع وسائل الإعلام الأميركية.

بدأ بن سلمان عهده بلقاءات صحافية مع وسائل الإعلام المحلي السعودي، وهي لقاءات بدت بمثابة تأهيل لينطلق بعدها نحو الصحافة العالمية ويرد على مقالات الصحافي المغدور جمال خاشقجي التي بلغ تأثيرها حينها أكثر مما كان يتصور. هكذا توالى ظهور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الإعلامي من القادة العرب، والذي بدا أنه مقتنع بأن أموال الشعب التي يتصرف فيها أمام مرأى الجميع ستصمت الصحافيين وتجعلهم يكتبون ما يريد، فهذا فعلاً ما حدث إلى حد ما من وجهة نظر عدد من السعوديين الناقدين لهذه اللقاءات، بخاصة مع برنامج “60 دقيقة”، لكن أحدث مقابلاته الصحافية والتي نشرت في مجلة “ذا أتلانتيك” الأميركية جاءت مختلفة إلى حد كبير. إذ يبدو أن اللقاء الذي نشره الصحافي غرايمي وود بصيغة مقال قد أغضب معظم الأطراف جميعاً، لماذا؟ لأن كاتبه يبدو أنه حار في معنى الحياد ومبادئ الصحافة، ما دفع الصحافية الأميركية كارين عطية إلى تحليل مقالته كاملة في صحيفة “واشنطن بوست”، تحت عنوان “ترقية ذا أتلانتك لمحمد بن سلمان إهانة للصحافة”، معتبرة أن تمييع الارتكابات التي اتهم بها بن سلمان من خلال ابداء الاعجاب به هو أمر يساهم في تعويم المستبدين.

“إن رأس المؤسسة الاسلامية هو ولي الأمر، وإن القرار النهائي بشأن الفتاوى لا يأتي من المفتي بل من الملك”.

في هذا اللقاء خرج ولي العهد السعودي بتصريحات غير معهودة منه تجاوزت كل اتهامات المعارضة السعودية له بالانتقاص من قدراته وحنكته السياسية، بل وتجاوزت كل الضغط الذي كان يعيشه في خضم أزمة مقتل جمال خاشقجي، ليقع هذه المرة بلسانه ويجيب بعبارات كانت بحاجة للكثير من التنقيح قبل النشر. وهو ما دفع الفريق الإعلامي التابع له كما يبدو إلى تقديم نسخة عربية معدلة مطبوعة للقاء، ونشرها عبر وسائل الإعلام السعودية الرسمية وشبه الرسمية المحلية، وهذه هي الطريقة المستخدمة خلال السنوات الماضية في البلاد لتقديم محتوى محلي خاص مقابل التصريحات الدولية التي يقدمها لتحسين صورة المملكة والتماشي مع السياسات الدولية.

من بين هذه المعلومات التي تم تحريرها وإعادة صياغتها او حتى حذفها عن القارئ المحلي، عدم إجابته على سؤال وود المتعلق بمستقبل السماح لبيع الخمور في السعودية، وسؤاله عن عقوبة “الزنا” التي لم تلق التحريم الكامل في إجابته والتي قد تثير حفيظة المجتمع المحافظ ومن تبقى من رجال دين فيه حتى وإن كانوا موالين له. وفي هذا الشأن جاءت إجابة ولي العهد الأكثر غرابة، عندما أشاد الصحافي  المحاور بمعرفة بن سلمان بالشريعة الإسلامية خاصة بعدما طمأنه بأن تطبيق الشريعة لا يجب أن يكون على غير المسلمين في البلاد، ما يعني إباحة جلد المسلمين وقصاصهم في السعودية بينما السماح لغير المسلمين بالاستمتاع بمرافق البلاد وفقاً لمعتقداتهم أو بمعنى آخر قد يسمح قريباً شرب غير المسلمين للخمور في السعودية من دون السعوديين والمسلمين.

 إطراء وود الذي يبدو أنه عزز من اعتداد بن سلمان وأناه المتضخمة دفعه للتوسع في إجابته قائلاً: “إن رأس المؤسسة الاسلامية هو ولي الأمر، وإن القرار النهائي بشأن الفتاوى لا يأتي من المفتي بل من الملك”. وهذه من المضحكات المبكيات في النظام السعودي الذي يتطلب مباركة المفتي مع تنصيب الملك وولي عهده، ثم حمل الشعلة من يد المفتي والسير بها أمامه، أي أن دور الشعب هو متابعة الكرة التي تركل بين أقدام السلطة الدينية والسياسية في السعودية، ولكن.. يبدو أننا نشهد تغييراً جذرياً في هذا المشهد السوريالي قريباً في السعودية، والذي ينذر بالخليفة محمد بن سلمان وليس الملك محمد بن سلمان، فمؤشرات خطابه الديني تبدو أقرب إلى منصب سياسي ديني بعد سيطرته الكاملة على الوزارات والقرارات التشريعية والتنفيذية وغيرها.

إقرأوا أيضاً:

بالطبع التعديلات الموجودة في النسخة السعودية للقاء لم تقتصر على الشأن الديني فقط، بل إن إجاباته المتعلقة بمقتل خاشقجي الذي ادعى أنه لم يقرأ له من قبل، وأنه ليس من قائمته الألف المطلوبة للتصفية، وحصار قطر الذي تم تشبيهه بالنازية وهتلر “جابت العيد” كما نقول في السعودية، لتعاد بعدها صياغتها في النسخة السعودية من اللقاء، ولعل هذه الأخطاء غير المحسوبة في لقاء محمد بن سلمان يمكن تحليلها مع مختص نفسي أكثر من كونها زلات لسان أو فقدان تركيز أو خطأ محرر. لكن الجيد في الأمر أن صحافياً غربياً تم اعتباره لساعات بعد نشره المقال متساهلاً مع بن سلمان، قد تمكن من نقل الصورة الأخرى التي لطالما شكا منها أهالي المعتقلين السعوديين وغيرهم من المتضررين من النظام الحالي سواء كانوا سعوديين أو غير سعوديين. إذ اضطرته طريقة التعاطي مع اللقاء في السعودية وتحويره، إلى كتابة مقال آخر يفضح تفاصيل التحورات التي أراد منه ولي العهد صياغتها وتحسينها لكنه لم يفعل او ربما لم يفهم الرسالة، ومقابل ذلك تم إبلاغه بأنه لن يستطيع زيارة السعودية مستقبلاً أو لقاء ولي العهد.

هذا اللقاء المثير للجدل جاء فيما يشهد العالم غزواً روسياً لأوكرانيا، وتوترات عالمية اقتصادية جادة يلعب فيها النفط دوراً رئيسياً، ما يسلط الضوء على السعودية التي لا يمكنها أن تستمر في الحياد وإلا فقد تقع في الفخ الذي وقع فيه غرايمي وود، فمحمد بن سلمان اليوم أمام ندين، تماماً مثلما وقف ترامب قبل أعوام قليلة أمام أزمة الخليج مع قطر، إلا أن ترامب كان أمامه بضع سنوات معدودة للحكم، أما بن سلمان فلم يتم تنصيبه بعد لحكم البلاد، وهو ما قد يعرضه للسقوط المبكر. 

وبينما تناولت أنباء احتمال زيارة بايدن السعودية، نفى البيت الأبيض الأمر، لكن حتى وإن تم ذلك فمن المستبعد أن يلتقي بايدن محمد بن سلمان في السعودية من دون لقائه الملك، وهو ما يطرح أسئلة حول السيناريوات المحتملة للعلاقات السعودية- الأميركية، في ظل وجود محمد بن سلمان والموقف السعودي الذي قد يضطره إلى إنهاء صورة الحياد في الحرب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني