نساء لبنان: تاريخ من التهميش السياسي ذروته انتخابات في زمن الانهيار

التشكيك بالكفاءة والخبرة السياسية والتعيير بالسلوك والحياة الشخصية كأسلوب ذكوري تقليدي... تكتيكات تعتمدها أحزاب المنظومة الحاكمة لمواجهة أي وجه تغييري، لا سيما النساء.

“بيحاربوني بأكاذيب وإشاعات وبيحاولوا تضليل الناس لأنهن بيعرفوا إنه ما فيهن يمسكوا شي عليّ”، تقول المرشحة في دائرة البترون ليال بو موسى لـ”درج”، مُشيرةً إلى أن خوف أحزاب السلطة وأنصارهم من القوى التغييرية ككل يدفعهم إلى اللجوء لأساليب مبتذلة لإحباط عزيمة المرشحين، لا سيما النساء منهم. 

هذه ليست المرة الأولى التي تترشح فيها ليال، لذلك هي تدرك تماماً التكتيكات التي تعتمدها الأحزاب التقليدية لزعزعة ثقة المرشحات بأنفسهن. “قديه يعني ممكن تجيبي ماكسيموم”، “مين اللي رح ينتخبك”، “شو فيكي تعملي كمرأة”… عبارات ذكورية وتنميطية كثيرة تُروّج لها السلطة ضد كل مرشحة مستقلة، عدا تمحور التركيز على شكلها الخارجي وحياتها الشخصية بدلاً من التركيز على برنامجها السياسي مثلاً، وهو ما لا تتضمنه الانتقادات الموجّهة للمرشحين الرجال، الأمر الذي يؤكد ارتباط الصورة المنمّطة للنساء بالمجال العام. 

لا تواجه ليال وحيدةً التشكيك بالكفاءة والخبرة السياسية والتعيير بالسلوك والحياة الشخصية كأسلوب ذكوري تقليدي، بولا يعقوبيان وماري كلود نجم، وغيرهما من النساء اللواتي ممن مارسن العمل السياسي، واجهن أحكاماً ذكورية أيضاً. 

“تدنّي نسبة الترشّح مرتبطة بمضاعفة الأزمات على النساء” 

لا يزال دور النساء الفاعل غائباً عن العمل السياسي في لبنان، وهو ما يعود لأسباب بنيوية متجذّرة في طبيعة المجتمع اللبناني الذكوري وتاريخه. فعدد اللواتي فزن بمقاعد نيابية عام 2018 بلغ 6 نساء فقط من أصل 128 نائباً. الأمر الذي يُفسر تصنيف لبنان كواحد من بين الدول الأربع الأكثر تأخّراً لناحية التمثيل السياسي للمرأة، وفق ما ورد في التقرير السنوي لـ”المنتدى الاقتصادي العالمي” الصادر عام 2018. إذ ذكر التقرير أن لبنان يحتاج إلى سدّ 97 في المئة من الفجوة بين الجنسين في هذا المجال السياسي، كما لا يزال عليه ردم 90 في المئة من الفجوة لناحية تبوّؤ النساء المناصب القيادية في العمل. حتى يوم الثلاثاء 8 آذار/ مارس، لم يُسجّل ترشح سوى 15 امرأة، كما يوضح الخبير الإحصائي محمد شمس الدين لـ”درج”. 

تُعيد الناشطة النسوية مايا العمّار تدني نسبة مشاركة النساء إلى جو الإحباط العام في لبنان، وهو ما لا يدعو إلى التفاؤل بحضور نسائي أكبر في البرلمان المقبل مما هو عليه اليوم. كما تؤكّد عمّار أن ضآلة المشاركة عائدة بشكلٍ مباشر إلى “البعد المرتبط بمضاعفة الأزمة على النساء. فالأزمات، تأتي مُضاعفة على النساء اللواتي أرهقهن النظام وسياساته”.   

نسبة الترشح المنخفضة لا تنطبق على النساء فقط، إذ بلغ عدد المرشحين ككل 400 بعد أكثر من شهرين على فتح باب الترشّح، علماً أن مهلة التقديم ستُقفل في 15 من شهر آذار/ مارس الحالي. يعود تراجع نسبة الترشح بشكل أساسي إلى غياب الحماسة لدى كثر، هذا عدا الإجراءات اللوجيستية المعقّدة التي جعلت من الترشّح عملاً شبه مستحيل، لا سيما للوجوه الجديدة. إضافة إلى التعقيدات بفتح حسابات مصرفية للمرشحين واللوائح، وإضراب الموظفين في القطاع العام، وعدم الحضور إلى الوظيفة، إلا ليوم أو يومين بالأسبوع، خصوصاً في دوائر النفوس ووزارة المالية، فإن إشكالية تأمين مبلغ 30 مليون ليرة للترشح بات معضلة حقيقية لدى المرشحين، لا سيما الوجوه المستقلة التي لا ترغب بتحصيل تمويل من أي جهة. “عم جمّع المبلغ من معاشي الشهري”، “عم شيل المبلغ من قدّام ولادي”… عبارات سمعناها في مقابلات متفرّقة أجراها فريق “درج” مع مرشحين مستقلين للانتخابات المقبلة. علماً أنه، وفقاً لقانون الانتخابات المُعدّل، لا يستطيع المرشّح استرداد الرسم المالي (30 مليون ليرة) في حال لم يجد لائحة لخوض الانتخابات عبرها.

 

منصة “المجتمع المدني النسوي”

وسط غياب النساء الواضح عن الحياة السياسية وافتقار البرامج الانتخابية للمرشحين والمرشحات لبنود وقوانين تضمن حقوق النساء، أطلقت منصة “المجتمع المدني النسوي في لبنان”، المؤلّفة من 52 منظمة ومؤسسة تنشط لتعزيز حقوق النساء، لائحةً من 10 مطالب أساسية تشكّل خريطة طريق للنائبات والنواب المستقبليين لتنزيه القوانين من التمييز القائم على النوع الاجتماعي وتحقيق المساواة الجندرية. 

يتطلّب تحقيق المساواة الجندرية بين الجنسين نقل مطالب النساء وهمومهن إلى البرلمان، وهو ما ارتكز إليه أعضاء المنصة لتحديد مطالبهم التي تستوجب بشكل خاص إقدام النائبات والنواب المناصرين لقضايا حقوق النساء، عند وصولهم إلى الندوة البرلمانية، على اقتراح ودعم وإقرار إصلاحات تشريعية باتت ملحّة. 

عدد اللواتي فزن بمقاعد نيابية عام 2018 بلغ 6 نساء فقط من أصل 128 نائباً.

“ضمان تمثيل المرأة الفاعل والهادف وقيادتها ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة” هو أحد أبرز المطالب. ويُحقّق ذلك عبر سنّ تدابير موقتة مثل “الكوتا” والمعايير والأهداف للإسراع في تأمين تمثيل متساوٍ للنساء في الهيئات المنتخبة والمعينة في كلّ مجالات الحياة العامة، كما اعتماد قانون يحمي النساء من العنف السياسي، بما في ذلك أي إجراء يهدف إلى حرمان المرأة المشاركة في الأنشطة السياسية أو الحزبية أو التنظيمية. إضافة إلى المطالبة بإصلاحات اقتصادية تراعي الفوارق بين الجنسين وتضمين كلّ جهود التعافي قضايا المساواة الجندرية وحقوق المرأة. وفي هذا السياق، تقول العضوة في المنصة ومؤسسة جمعية “مدنيات” ندى عنيد لـ”درج” “السبب الرئيسي لضعف تمثيل النساء في الحياة السياسية هو العقلية الذكورية المهيمنة على الحياة السياسية والتي لا تشجّع على حضور النساء”، وهو ما يؤكّد ضرورة دعم المبادئ العامة التي طرحتها المنصة.  

من جهةٍ أخرى، طرحت المنصة “الالتزام بعدم تضمين خطابات المرشحين والمرشحات أي تمييز ضد النساء أو تنميط أو إشارات ذكورية أو أبوية أو كارهة للنساء، كمطلب أساسي. إضافة إلى “المطالبة بإدماج منظور النوع الاجتماعي في الخطط والتشريعات والموازنات المستقبلية كافة”. كما “دعم مقترحات القوانين الإصلاحية التي تهدف إلى مكافحة ومعاقبة العنف القائم على النوع الاجتماعي”، و”إقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية يطبّق على كلّ النساء والرجال في لبنان”، إلى “تعديل قانون الجنسية لضمان منح المرأة اللبنانية الحق ذاته الذي يتمتع به الرجل في إعطاء جنسيتها لأولادها وزوجها الأجنبي”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني