fbpx

ضحايا الإبادة و”مشكلة الشر”

ما هي الحكمة من قتل أطفال ومدنيين بقنابل الطائرات الحديثة أو بالغازات الكيماوية والبراميل المتفجرة؟ ما المغزى من ابادة صريحة تجري أمام نظر العالم وسمعه، من دون أن يرتفع اصبع لسحب رخصة القتل العام الممنوحة لزمرة من السفاحين ذوي العطش الذي لا يرتوي إلى الدماء؟

من تحت الأنقاض ووسط الأشلاء، يصرخ المفجوعون بموت أحبائهم “أين الله؟ لماذا لا يوقف هذه المجزرة؟” لكنها تتحول بعد قليل إلى دعوات للإستغفار من إثم السؤال المشكك فترتفع كلمات تأكيد الحول والقوة لله العظيم.
ما هي الحكمة من قتل أطفال ومدنيين بقنابل الطائرات الحديثة أو بالغازات الكيماوية والبراميل المتفجرة؟ ما المغزى من ابادة صريحة تجري أمام نظر العالم وسمعه، من دون أن يرتفع اصبع لسحب رخصة القتل العام الممنوحة لزمرة من السفاحين ذوي العطش الذي لا يرتوي إلى الدماء؟
ما يعيشه السوريون في الغوطة اليوم وفي حلب وحمص والعراقيون في الموصل قبلها، من تحمّل ما لا يطاق من صنوف الوحشية البهيمية ووصول استباحة الحياة البشرية إلى ما لم يكن في الوسع تصور أنه موجود، يدفع الانسان الى الشك في ما كان قد اعتقد انه نظام يسير العالم عليه: إله خالق كلي القدرة وخيّر يكافئ ويعاقب البشر بحسب قوانين الشريعة السماوية.
ولا عجب أن يتبع الاستغفار الشك. تراث ضخم من الإيمان الموروث والمتجدد يدمج الإله بالخير والعلم والقدرة، ما يحول دون إيغال المصاب بعزيز أو بمال في شكه وانكاره لعدالة الخالق. بيد أن هذا التناقض هو ما يُسمى “مشكلة الشر” والتي كانت موضع جدال على امتداد تاريخ الأديان. وبينما وجدت الاديان غير الإبراهيمية مخارج نظرية لها، ظلت الأديان التوحيدية الثلاثة تدور في فلك المأزق الفلسفي – اللاهوتي- الفقهي: إذا كان الإله كلي القدرة والخير والعلم، فلا يمكن أن يقبل بالفظائع التي تنزل بعباده المؤمنين. فإما أنه غير كلّي الصفات وإما لديه حكمة ما لا تدركها عقول البشر من كل هذه المعاناة التي تصيبهم.
هذا السؤال شغل حيزاً واسعاً من عمل المتكلمين والفقهاء المسلمين واللاهوتيين المسيحيين في العصور الكلاسيكية. ونجد محاولات عدة عند المتكلمين لتجاوز هذه المشكلة بوضع جهل الانسان ونقصه في مقابل علم الخالق وتمامه، وعليه لا تصح محاكمة فعل الخالق بعلم المخلوق، فيما ذهب آخرون مثل ابن حزم الاندلسي (“الإحكام في أصول الأحكام”) إلى إعادة تعريف الخير واعتبار أن ما ينزله الله من أوامر ونواهي هي الخير بغض النظر عن تقييم البشر له أو مدى تطابقه مع مصالحهم. ورفضت الأديان الإبراهيمية المخارج التي اعتمدتها أديان أخرى مثل الزرادشتية والمانوية اللتين قالتا بثنائية الكون وانقسامه بين خير وشر ونور وظلام ونَجَس وطهارة، في ظل صراع أزلي بين الهي الخير والشر، المتعادلين في القدرة والذي سينتهي في آخر الزمان بانتصار إله الخير.  
مستوى آخر لـ”مشكلة الشر” يظهر عندما ينادي الضحايا وأهلهم متسائلين عن سبب غياب العرب والمسلمين والدول الكبرى والمنظمات الإنسانية وامتناع هؤلاء كلهم عن مد يد النجدة لانهاء المقتلة التي لا تلبث فصولها أن تتكرر بعنف شيطاني محوّلة حياة الناس الى جحيم ناجز. ينطوي النداء على اعتقاد أن المنادى يحمل نوايا الخير والعدل حيال المكلومين وانه قادر على تلبية حاجتهم الى رفع الظلم الواقع عليهم وردّ الموت الذيي يتخاطفهم.
تتشارك “مشكلة الشر” الدنيوية مع نظيرتها الاخروية في تعليق أمل النجاة على قوة خيرة وعادلة. لكن خلافاً للمسألة الدينية، يرتبط حساب العرب والمسلمين والعالم والقوى الكبرى والمنظمات الانسانية على الجانب الخيّر والعادل من العالم، اي الجانب الذي يقيم الضحايا فيه، إلى الثقافة السائدة والتربية المدنية (خارج السياق الديني) والقيم العامة التي تنسب إلى الهيئات والجماعات المذكورة صفات القرابة الدموية او تبني قيماً انسانية شاملة.
غالباً ما تخيّب قوى الخير البشرية (المفترضة) آمال الضحايا وتتدرج مواقف المنقذ المنتظر من اللامبالاة إلى العجز والتواطؤ مع القاتل الذي يجد يديه طليقتين في اتمام المذبحة حتى الطفل الأخير، “الإرهابي الكامن” في جسد صغير والذي سيتحول إلى عدو مستقبلي. يقابل الضحايا خيبة أملهم بمن اعتقدوهم منقذين، بزج هؤلاء في معسكر الشر واكتشاف تواريخ انحياز من اعتقدت الضحية انه سيهب لنجدتها: متى كان العالم معنا؟ انظروا إلى السوابق في كذا وكذا من البلاد التي تُرك أهلها لمصيرهم بل تآمرت عليهم القوى الكبرى وساندت المجرمين… الخ. هذه فلسطين ورواندا والبوسنة، وابادات الهنود الحمر والسكان الأصليين في بقاع الأرض. وإذا أراد المتحدث نسبة نفسه إلى الحداثة والموضوعية أضاف ضحايا الهولوكوست، ولو على مضض.
اكتشاف السمات الشريرة للعرب والمسلمين والعالم والقوى الكبرى..الخ يُبقي “مشكلة الشر” في إطارها البشري حيث يجوز بسهولة نسبية فهم الطبيعة الانسانية التي يشكل الغدر والخيانة وتقديم المصالح الملموسة على القيم المجردة، أو اختراع صفات شريرة لمن توسمت الضحية خيراً فيه قبل أن يخذلها، خلافاً لمشكلة الشر عندما تتعلق بالاله. فالمجموعة الأولى قابلة للمساءلة لخضوعها إلى ذات القوانين الدنيوية التي تخضع الضحايا لها. أما مساءلة الاله فتصب في خانة الكفر البواح.
والحال أن “مشكلة الشر” بمستوييها، الديني والبشري، تقف عقبة أمام ادراك الواقع وبناء سياسات تستند إلى الحقائق وبدلاً من انتظار النجدة من السماء والارض.
 
 [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني