“عتبة الألم عند السيدة غادة”:
جدلية المرأة والمدينة في دمشق- هيروشيما 

" إنني لم أخترع شيئاً من عندي. فكما أن الوهم، وهم عجز الإنسان عن النسيان موجود في الحب، كذلك توهمت امام هيروشيما أنني لن أنسى أبداً مثل ذلك في الحب".

أتذكرك

كانت هذه المدينة مصنوعة للحب.

وكنت أنت مصنوعاً لجسمي نفسه.

من أنت ؟

أنك تقتلني.

أنا جائعة، جائعة للأكاذيب والموت منذ الأبد.

هيروشيما حبيبي، مارغريت دوراس

يتقبل الشعر تلك المقاربات بين المرأة والمدينة، وكذلك الروايات، إلا أنه يصعب على العروض المسرحية أن تربط بين الشخصية المسرحية وبين حياة مدينة بأكملها. هذا ما يحاوله نص وعرض “عتبة الألم عند السيدة غادة”، كتابة وإخراج عبد الله الكفري، فالشخصية الأساسية غادة تتماهى مع حكاية مدينة دمشق في راهنها. غادة التي تحاول أن تنفض عنها غبار الماضي، تتعثر، وتحترق كما تعرضت دمشق للدمار حين حاولت أن تتحول في التاريخ. وأصبح سؤال التعامل مع الذاكرة المشوهة، ذاكرة الحرب والعنف، ذاكرة الاحتراق والدمار هاجساً ملحاً في حكاية غادة الفردية وفي التاريخ السوري.

في مقدمتها للنص تصف الفنانة حنان الحاج علي وضع دمشق مركز الأحداث: “في مدينة دمشق، متسربلة بمرحلة انتقالية تشي بتحولات عميقة في ظل مناخ سياسي متصلب، يذيب الكينونة الفردية في حلة كينونته الجماعية، ويجهد في تحوير مقاصدها وتخريب أفعالها كي لا تنجح في الوجود، إلا بكونها خيار يأس، بدل أن تكون خيار أمل وحرية”. تشبه حنان الحاج علي عمليات القمع التي رافقت مرحلة التغيير السورية بعمليات التجميل التي تلوي عنق الوقت لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء: “هذا زمن دمشق وقاطنيها العالقين في ذاكرة فردية وجماعية عصية على النسيان والتجدد، وفي شبكة علاقات عسيرة التغير تتمحور في شخصية غادة التي تشبه إرادة كثيرين ممن يحاولون التخلص مما تكدس على بنيتهم الفكرية والجسدية عبر فعل جذري جراحي تجميلي استئصالي”.

غادة تمثيل ريم خطاب التي تحولت إلى مدينة هي موظفة عمومية في الأربعينات من عمرها، ما زالت مرتبطة بعمق بزوجها الأول المترجم الذي توفي إثر نوبة قلبية أثناء ممارسة الجنس مع صديقتها، وهي الآن تحاول الخروج من الماضي نحو المستقبل، تقابل مع طبيب أسنان أنس، تمثيل محمد آل رشي، وطبيب التجميل ربيع، تمثيل كامل نجمة، تريد أن تسترجع صورتها الفيزيائية وهي شابة:

تخرج غادة صورة من حقيبتها وتقدمها لربيع الذي يتأملها.

ربيع: كم عمر الصورة ؟

غادة: ست سنوات وأود التقاطها مجدداً دون أي تغيير، لا أزال احتفظ بالفستان.

الانحباس في الماضي النوستالجي:

كما الخطاب السوري النوستالجي إلى مدينة دمشق ما قبل “الأزمة”، حين يتداخل الحنين بفقدان القدرة على النقد في الشعر، ما زالت غادة تعشق الحديث عن زوجها الأول المترجم الخائن: 

غادة: “لم أستطع يوماً فصل كلامه عما يترجمه. متى ينتهي هو من الحديث ومتى تلتقي كلماته بكلمات شاعره المفضل باسترناك. كنت أتلصص على أوراقه دائماً، أتفقد جيوبه لأقرأ أي شيء جديد قام بترجمته ولم يقرأه علي. ما كان يقوم به صعب. كيف لك أن تبعث هذه الكلمات حية دون أن تمتلكها؟”. 

إلى حارسات دمشق المبقيات على فتنتها:

وتمضي غادة في قرارها بمحاربة الماضي ومحاولة شفط الذاكرة القاسية وشفط الدهون كمحاولة منها لمعاودة التصالح مع الذات والمدينة. فتتعرف على طبيب التجميل ربيع. وفي نهاية الحكاية، وعلى السرير ذاته الذي تمت عليه عملية التجميل تعود غادة في نهاية المسرحية مشوهة بالكامل نتيجة احتراق أصابها في ظروف غامضة بين الاحتراق والانتحار. والسؤال الأساسي هل يمكن لغادة أن تعيش مع ذاكرة الألم والاحتراق الجديد، كما هو سؤال المدينة دمشق بعد العنف والدمار: هل يمكن أن تتعايش المدينة مع ذاكرة القمع والألم؟ ينوه الكاتب الكفري أن شخصية غادة تم تطويرها من خلال ملاحظات ومشاركات وتعليقات واقتراحات مئات الأصدقاء على موقع الفيس بوك خلال أكثر من عامين. هل شاركت المدينة في كتابة الشخصية المسرحية عبر هذه الوسيلة ؟ على أي حال النص مهدى: “إلى حارسات دمشق المبقيات على فتنتها الألم معكن جلب لي المواساة”.

كما حكاية دمشق الهاربة من ذاكرة القمع والعنف لتقع في ذاكرة الدمار والتشويه، كذلك تركز حنان الحاج علي في مقدمتها للمسرحية على موضوعة العلاقة مع الذاكرة: “العلاقة مع الذاكرة محورية، تتسلط على غادة ذاكرة تمنعها من قبول الجديد والتفاعل معه، تبدو عالقة في الماضي. لكنها أيضاً ترغب في المضي قدماً، فتكتشف متأخرة أنها لا تمتلك أدوات عمل تعينها على إنجاز مرحلة التحول. فعقود طويلة من الثبات والعزلة ألقت بظلالها على طرائق وقنوات التغيير التقليدية المهادنة. إنها الذاكرة وأثر التدميري، لا في النتيجة فقط بل قبل ذلك في الطريقة التي تدفعنا لأن نهاجمها بها، وإذا اتجهت غادة من خلال التجميل لمقاومة الذاكرة، فهي لا تلغي ذاكرتها الخاصة من ذاكرة مدينة، ولا تجتزئها من سياقها العام”.

الحب والحرب وذاكرة المأساة:

في رواية هيروشيما حبيبي للأديبة الفرنسية مارغريت دوراس تتماهى أيضاً الشخصيات الروائية مع المدن. يكتب عنها المترجم سهيل إدريس: “نحن في هيروشيما، في شهر آب من صيف 1957، امرأة فرنسية في حوالي الثلاثين من عمرها، موجودة في هذه المدينة، وقد جاءت إليها لتمثل في فيلم عن “السلام”. وقبيل عودتها إلى فرنسا بليلة واحدة، تلتقي بمهندس ياباني تعقد بينهما قصة حب قصيرة. لا تمتلك الشخصيتان أسماء، بل يلقبان بعضهما ب “هو” بإسم مدينته هيروشيما، وهي بإسم “نيافر” أي المقاطعة الفرنسية التي تأتي منها هي”. وفي بداية الفيلم الذي أخرجه الفرنسي آلان رونيه عن الرواية تحضر الصور المستمدة من الأرشيف الفوتوغرافي لضحايا قنبلة هيروشيما، وتتجاور في الفيلم جنسانيات الحب والتقارب العشقي بين الحبيبين مع الأجساد الناتجة عن عنف هيروشيما. يكتب إدريس: “”تولد قصة الحب بين صور الأجساد المبتورة في مستوى الرأس والأجناب، متحركة، إذاً هي فريسة الحب أو الاحتضار، يغطيها على التوالي الرماد والندى والموت الذري، وعرق الحب الناجز. ومن هذه الأجسام المشوهة، المغفلة، يخرج جسماهما رويداً رويداً. إنهما مضطجعان في غرفة في فندق، عاريين، جسمان أملسان نضران. يتحدثان عن هيروشميا”.

المفردات التي يتحدث بها الرواية والفيلم عن مدينة هيروشيما تقارب الصور العنفية التي عرفتها المدن السورية: 

هي: لقد رأيت كذلك الناجين، وأولئك الذين كانوا في بطون نساء هيروشميا. يظهر على الشاشة طفل جميل، لكنه أعود، فتاة صبية مخترقة تنظر إلى نفسها في المرآة، فتاة أخرى عمياء ملتوية اليدين تعزف على القيثارة. امرأة تصلي أمام أولادها الذين يموتون. سحاب ذري، أناس في الشوارع يمشون تحت المطر، صيادون أصابهم الإشعاع الذري، سمكة غير صالحة للأكل.

إقرأوا أيضاً:

المدن وذاكرة العنف المشوهة:

يكتب سهيل إدريس عن هيروشيما: “من المستحيل التحدث عن هيروشيما، وكل ما بالإمكان عمله هو التحدث عن استحالة التحدث عن هيروشيما، بدعوى أن معرفة هيروشيما هي موضوعة مسبقة كخديعة نموذجية للفكر. إن حديثهما سيتناول في وقت واحد موضوعهما ذاته وموضوع هيروشيما، وسيختلط كلامهما ويمتزج بحيث يكف عن أن يتميز بعضة عن الآخر”. إذاً، كيف تتعامل المدن مع ذاكرة العنف، ويصبح سؤال النسيان أو التذكر موضوعة تاريخية:

هي: حاولت أنا أيضاً، مثلك، أن أقاوم النسيان بكل قواي، ولقد نسيت، تمنيت أن تكون لي ذاكرة أشباح وأحجار.

هل تنبؤنا حكاية غادة أنه يستحيل التعامل مع ذاكرة العنف والدمار بالطرق التجميلية، تكتب الحاج علي: “لكن إن عمليات التجميل وإن نجحت في أن تزيل أسباب الألم الظاهري، ولكن الذاكرة تبقى محبوسة في الأسباب الباطنة والكامنة”. يمكن لعملية شفط الدهون أن تزيل تراكم الشحوم الجسدية، لكن هل تزال معها من الذاكرة التجارب الحياتية المتراكمة فوق طبقات الزمن والذات؟”. 

دمشق: المظهر والجمال كقوة سياسية واقتصادية:

يستقصي بحث كريستينا سالاماندرا بعنوان: “رأسمال العفة التراتب الاجتماعي والتميز في دمشق”، يستقصي الاستهلاك والاستعراض والتميز الاجتماعي بين النساء في أوساط نخب دمشق بين 1992-1994، فتكتب: “يجري التفاوض والتنافس على الهويات الاجتماعية بصورة متزايدة في دمشق من خلال الاستهلاك والاستعراض التنافسيين، تبرز النسوة هنا كلاعبات رئيسات في تنافس على الموقع والبريستيج- التميز”. فتربط الباحثة بين المظهر والسلطة السياسية والاقتصادية: “إن القدرة على شراء وصقل وتجميل مظهر يشدد على الجمال ويوحي بالثروة مسألة جوهرية لجميع النساء في دمشق”. ويصبح المظهر-التجميل رأسمال قوة: “تصبح أسماء جديدة نخبوية من خلال الاستعراض العام للثروة”. أما في المسرحية فإن طبيب التجميل ينتقد ممارسات النساء في المدينة:

ربيع: النساء في هذه المدينة لم يعدن يرغبن في ذلك، لا ذنب لهن في ذلك، يرغبن في أجساد أخرى أكثر ملاءمة، أقضي جلسات مطولة أتحدث فيها إلى فتيات في العشرين يرغبن في الحصول على صدور أكبر وشفاه متورمة وأنوف شاهقة، هن لا يعرفن عن هذه الأجساد شيئاً ولم يتأملنها مطولاً.

دمشق: المرأة في محاكم النساء:

تعتبر الباحثة سالاماندرا أن النساء الدمشقيات هن اللواتي يقمن نظام المراقبة والمحاكمة والقيود على بعضهن البعض: “تدير النساء المسابقات كحكام ومتنافسات ويشكلن العالم الاجتماعي لدمشق. يَخلقن ويُخلقن من قبل نماذج استهلاك وممارسات وقت فراغ جديدة تولد المراتب الاجتماعية وتحافظ عليها”. وتعتبر الباحثة أن العلاقات العدائية بين النساء جزء من نظام قمعي: “إن النساء غالباً هن الناقدات الأقسى لأنفسهن، ويخضعن بعضهن البعض لمجموعة من القيم الأخلاقية والمعايير الصارمة. وكما يشير جورج سيمل: “لا يسمح موقف النساء الدفاعي بخفض جدار العرف ولو بنقطة واحدة”. كذلك الأمر في العلاقة المسرحية التي ينسجها الكاتب بين عاد وأمها منى، تمثيل حنان الحاج علي إنها علاقة حدية، انتقامية، نشعر بقساوة الأحكام التي تصدرها كل منهما على الأخرى في حوارتهما.

غادة إلى أمها: الشيء الوحيد الجيد الذي فعلته هو أنك استأصلت رحمك، حسن أن مأساتي لم تتكرر. 

الطب والتجميل، العمارة والتدمير:

تتجاور مفردات الطب والتجميل مع مفردات العمارة والتدمير، مفردات الألم الفردي مع مفردات الألم الجمعي:

غادة: أكره أدواتكم وما تقومون به، قلع، حفر، نزع، شق.

أنس: الألم أمر نسبي، تحتاجين إلى الكثير من الوقت حتى يتسرب إنذارها إليك، من الجيد أنك لم تعاني لكن السيئ في الأمر هو أن أسنانك كانت تخرب قدرة التحمل لديك عالية.

وتتجاور مفردات الشكل والمظهر مع مفردات الذاكرة والمجتمع والذات:

أنس: ما من تجميل دون تخريب.

ربيع: هي قسوة الآخرين التي تدفع معظم زواري للمجيء إلي.

أنس: يمكننا أن نتذكر منه ما نريد ولكن لا داعي لأن نخربه، قد نعود إليه لاحقاً ونحب فيه شيئاً اعتدنا كرهه ونسيانه، قد نكتشف أن السبب الذي كنا نظنه يستحق غضبنا تافه وقد يكون مهماً.

هل الرهان على الحب محتمل ؟

هل أحبت دمشق خطيئتها؟ في المسرحية أحبت غادة زوجها المترجم الذي خانها، ونيوفر في رواية دوراس ما زالت مرتبطة بقصة حبها الأول مع مجند ألماني من أعداء الحرب في بلادها: “ذات يوم أتى إلى الصيدلية جندي ألماني ليضمد يده من حرق أصابها، وكنا وحدنا في الصيدلية وضمت له يده كما علموني أن أفعل. وضمدت يده مرة أخرى. ولم أكن أرفع بصري إليه، كما علموني. ولكن حدث في مساء ذلك اليوم نفسه أن ضجراً خاصاً تملكني من الحرب، وعزفت على البيانو. وعرفت أنه أول رجل يسمعني وأنا أوقع على البيانو للمرة الأولى في حياتي. كان جسمه قد أصبح جسمي، ولم أكن أنجح في تمييزه عنه. وكنا متفقين أن نلتقي ظهراً، على محطة اللوار، وحين وصلت عند الظهر، لم يكن قد مات بعد تماماً، كانت النار قد أطلقت عليه من حديقة”.

هل تؤمن دمشق بالحب مجدداً؟ 

لقد آمنت غادة بقدرة الحب، بينما رؤية نيوفر الذاتية أن المدينة المنكوبة ستغطى بالزهور: “لقد غطت هيروشيما نفسها بالزهور، لم يكن في أي مكان إلا زهور كانت تنبعث من الرماد في نضارة عجيبة لا تعرفها الزهور حتى الآن. إنني لم أخترع شيئاً من عندي. فكما أن الوهم، وهم عجز الإنسان عن النسيان موجود في الحب، كذلك توهمت امام هيروشيما أنني لن أنسى أبداً مثل ذلك في الحب”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني