لبنان: “بنك عودة” يفترس مودعيه…
ولا قضاء ينصفهم

علينا أن ننقل الجحيم من منازلنا إلى المصارف. لم يعد الانتظار مفيداً. المصارف هي خزائن النظام، وهي وجهه القبيح واللصيق بوجوه فاسديه.

كان يوماً جحيمياً بالنسبة إلى السيدة اللبنانية التي تلقت اتصالاً من “بنك عودة” يخبرها فيه المتصل أن المصرف أقفل حسابها، وأن شيكاً مصرفياً ينتظرها عند كاتب العدل! والشيك المصرفي يعني لا شيء هذه الأيام في لبنان. هي التي أودعت في المصرف تعويض نهاية خدمة زوجها المتوفي، لتقتطع منه أقساط مدرسة ابنيها. أما سبب إقفال الحساب، فهو أن السيدة تحمل، إضافة إلى جنسيتها اللبنانية، جواز سفر بريطانياً! 

قرر المصرف اللبناني معاقبة بريطانيا التي تجرأ قضاؤها على إصدار حكم قضائي يلزم المصرف بدفع وديعة أحد البريطانيين في بنك عودة. يا للهول، فبريطانيا الدولة غير المهمة والتي لا تسودها العدالة تجرأت على مؤسسة عظمى مثل بنك عودة، المصرف الذي أعدت الهندسات المالية لإنقاذه. قالت لها موظفة المصرف “عليك أن تغضبي من دولتك، أي بريطانيا، لا أن تغضبي على المصرف اللبناني”. الموظفة تفوقت على المصرف بوقاحتها، فهي مكلفة بإبلاغ مودعة بأن وديعتها، وهي جنى عمر من العمل، صارت ورقة من دون قيمة تنتظرها عند كاتب العدل! والمصرف بفعلته هذه خرق القانون، فهو كشف عن السرية المصرفية للمودعة، وأقفل حساباً من دون سبب قانوني. لكن عن أي قانون نتحدث، فالمصارف في لبنان أقدمت على “كابيتال كونترول” من دون قانون، ومن ابتلع البحر لن يغص بمودعة؟

علينا أن ننقل الجحيم من منازلنا إلى المصارف. لم يعد الانتظار مفيداً. المصارف هي خزائن النظام، وهي وجهه القبيح واللصيق بوجوه فاسديه. 

ها هو وليد جنبلاط يعلن أن نبيه بري طلب منه الموافقة على ترشيح مروان خير الدين على لائحة الثنائي في الجنوب، وهو وافق! 

هل تذكرون من هو مروان خير الدين؟ إنه صاحب “بنك الموارد”، والرجل المقرب جداً من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهو أقدم، بعدما أطبق على ودائع الناس في مصرفه، على شراء منزل النجمة جينيفر لورانس في نيويورك، ويخت هائل، بينما كان المودعون في مصرفه عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم! هذا الرجل قرر النظام أن يكون ممثل الشعب في المجلس النيابي. والنظام الذي اختار خير الدين كممثل له في البرلمان سبق أن اختبره، فمثلما أرسل رئيس مجلس النواب نبيه بري زعرانه إلى وسط بيروت للاعتداء على المتظاهرين، كان مروان خير الدين أرسل زعرانه أيضاً للاعتداء على الصحافي محمد زبيب وعلى الناشط واصف الحركي. هذا كان كافياً ليطمئن النظام إلى صحة خياره. لم يخبئ مروان وجهه حين فعل ذلك. الشرطة ألقت القبض على مرافقيه بعد فعلتهم، ثم عادت وأطلقت سراحهم.

نعم يجب أن ننقل الجحيم من منازلنا إلى المصارف، تماماً مثلما علينا نقله إلى منازل أهل النظام المضاءة وسط عتمة منازلنا وزمهريرها. فهل من وقاحة تفوق وقاحة مصرف حول جهد عائلة وجنى عمرها إلى ورقة تنتظرها عند كاتب العدل؟ هذا المصرف يعرف أن لا دولة ولا قضاء ولا عدالة يمكن أن تصد غيه وغطرسته. يعرف أن بإمكانه السطو على نحو علني، وأن يكلف موظفيه بإجراء اتصال جاف بمودعة تعتصر غضباً جراء سرقة معلنة، سيتحول من أقدم عليها إلى نائب في البرلمان كمكافأة على فعلته.

دعكم من غزو فلاديمير بوتين أوكرانيا، فما يحصل في بلدنا هو أيضاً “ميكرو غزو”. والرئيس الروسي الذي قرر افتراس بلدٍ، كان سبقه إلى هذه الفعلة مفترسون صغار في بلدنا لا يقلون عنه جشعاً، وهم افترسوا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وها هم ينشرون صورهم على اليخوت وفي المنتجعات، غير خجلين بأنهم خلفوا وراءهم خراباً.

الأوليغارشيا اللبنانية تحاصرنا أيضاً، والانتخابات على الأبواب. النظام يقظ، ويملك من القوة ما يمكنه من مواصلة الانقضاض. ها هو يرشح أصحاب المصارف ومتهمون بالوقوف وراء انفجار المرفأ، ويسعى لتأمين أكبر تكتل نيابي لجبران باسيل، رئيس “التيار الوطني الحر! النظام الذي يقف متفرجاً على بنك عودة وهو يسطو على وديعة السيدة، والذي يحمي رياض سلامة الملاحق من العدالة في خمس دول أوروبية، يستعد لمواصلة سطوه وبيع الجمل بما حمل. والغرب الذي هب لمحاصرة بوتين عليه أن يكف عن حماية غزاتنا. منازلهم ويخوتهم وشركاتهم أيضاً في متناوله. العدالة لا تستقيم إذا ما اقتصر الأمر على حكم قضائي يُنصف مودعاً، ويلاحق حاكم المصرف المركزي من دون أن يسجنه. العدالة يجب أن تشملنا جميعاً، وهي مستحيلة في بلادنا، فلننشدها في الخارج.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني