بينهم بائع “هوت دوغ” ومدرب الجودو الخاص ببوتين: وجوه من الأوليغارشية الروسيّة التي تلاحقها العقوبات

على رغم وعود بوتين خلال حملته الانتخابية بالقضاء على الأوليغارشية الروسية، إلا أنه لم يسعَ في الحقيقة إلى القضاء عليهم كلياً إنما سحق الأوليغارشية المزعجة له سياسياً فقط.

يواجه “طباخ بوتين” عقوبات غربية اليوم للاشتباه بصلته بشركة “فاغنر” العسكرية ذات السمعة السيئة. وأعرب يفغيني بريجوزين وهو أحد أثرياء الأوليغارشية المقربين من بوتين، عن شعوره بالضيق من العقوبات التي ستمنعه من مواصلة أعماله التجارية في أوروبا. بدأ بريجوزين صعوده إلى السلطة في بيع “الهوت دوغ”، وبعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه من السجن بتهمة السرقة، افتتح سلسلة مطاعم، ليحقق لاحقاً نجاحاً كبيراً وتعتبر مطاعمه الراقية من أفضل المطاعم في روسيا اليوم، ما أكسبه لقب “طباخ بوتين”، ودفعه إلى الدوائر الداخلية للنخبة الروسية. طباخ بوتين ليس الوحيد الذي يعاني من العقوبات اليوم، إذ قال الرئيس الأميركي جو بايدن متوجهاً إلى نخبة الأثرياء الروس: “سنستولي على يخوتكم وشققكم الفاخرة وطائراتكم الخاصة”.

كيف ظهرت الأوليغارشية؟

الأوليغارشية هي الانعكاس الفظ للرأسمالية الجشعة التي لا يوقفها شيء. في الحالة الروسية ظهرت هذه الأوليغارشية من رماد الشيوعية السوفييتية، وتضم النخب التجارية فاحشة الثراء التي تمتلك أيضاً قوة سياسية متفاوتة، وتأتي أهمية الأوليغارش اليوم لسببين، أولاً كونهم يديرون عجلة اقتصاد روسيا وثانياً لقربهم من الرئيس بوتين وقدرتهم على التأثير في قراراته، إلا أنهم يعيشون واحدة من أسوأ الفترات منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وقد بدأوا بالفعل بتهريب يخوتهم العملاقة نحو المالديف، إذ تم نقل ما لا يقل عن خمسة يخوت روسيّة عملاقة إلى هناك، بهدف حمايتها من العقوبات الغربية، فالمالديف لم يسبق أن وقعت معاهدة مع الولايات المتحدة لتسليم المجرمين. وبحسب الموقع المتخصص في تتبع حركة السفن marine traffic، فإن من بين اليخوت التي وصلت إلى المالديف، يخت نيرفانا المملوك لأغنى رجل في روسيا، فلاديمير بوتانين، الذي وصل في 2 آذار/ مارس، لكن ماذا عن الطائرات الخاصة والقصور الفاخرة، والمجموعات الفنية والتي تقدر بملايين الدولارات؟ هل يمكن وضعها جميعها على اليخوت والهرب بها نحو المالديف؟

تختصر هذه المجموعة العلاقة القذرة بين السياسة والمال، الصفقات المشبوهة، التسلق السياسي لجمع الثروات، ولفهم مدى تأثير الأوليغارشية اليوم في السياسة الروسية، لا بد من العودة قليلاً إلى الخلف، إذ ظهرت المجموعة الأولى من الأوليغارشية الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وخصخصة الدولة التي رافقها الكثير من الفساد الذي وصل ذروته في مخطط “القروض مقابل الأسهم”، إذ نُقِلَتْ حصص 12 شركة كبيرة للموارد الطبيعية من الحكومة، وتم على إثرها اختيار كبار رجال الأعمال مقابل قروض تهدف إلى دعم الميزانية الفيدرالية، لتتخلف الحكومة عن سداد القروض عمداً. سمح ذلك للأوليغارشيين ببيع حصص الشركات العملاقة في مزاد علني لأنفسهم، وهكذا سهّلت الدولة إثراء مجموعة صغيرة من كبار رجال الأعمال، مقابل معاناة اجتماعية ومعيشية يواجهها المواطنون الروس.

لأوليغارشية هي الانعكاس الفظ للرأسمالية الجشعة التي لا يوقفها شيء.

بوتين يصنع الموجة الثانية من الأوليغارشية

ظهرت الموجة الثانية من الأوليغارشية بعد استلام بوتين السلطة عام 2000، ما سهّل وصول هؤلاء من خلال عقود الدولة، إذ قام الموردون الخاصون في قطاعات مثل الدفاع والبنية التحتية والرعاية الصحية بتحصيل رسوم زائدة على الحكومة وهي أسعار تزيد أضعافاً على سعر السوق، وهو ما وفر عمولات إضافية للمعنيين من مسؤولي الدولة. وهكذا أثرى بوتين مجموعة جديدة من الأوليغارشية الذين سيدينون له بثرواتهم الهائلة.

في تسعينات القرن الماضي، كان لهذه الفئة دورٌ أساسي في الكرملين، إذ تمكنوا من إملاء السياسة في بعض الأحيان، حتى أن كثراً منهم تولوا مناصب سياسية تحت حكم بوريس يلتسين، إلا أن الأمر تغير منذ وصول بوتين فأصبح صاحب القرار واقترح صفقة ليبعدهم من السياسة، مقابل أن يغض الكرملين النظر عن أعمالهم ويترك لهم مكاسبهم غير الشرعية.

تعرضت الأوليغارشية لضغوط أكبر مع صعود بوتين، كما ساهمت خيبة الأمل الشعبية من خصخصة التسعينات في التراجع الجزئي للأثرياء في بداية القرن الحادي والعشرين فأصدر بوتين قوانين تمنح معاملة تفضيلية لما يسمى بشركات الدولة، وهكذا سيطر بوتين على الاقتصاد وعلى الأوليغارشية معاً.

وعلى رغم وعود بوتين خلال حملته الانتخابية بالقضاء على الأوليغارشية الروسية، إلا أنه لم يسعَ في الحقيقة إلى القضاء عليهم كلياً إنما سحق الأوليغارشية المزعجة له سياسياً فقط.

الأوليغارش أصدقاء بوتين

تقسم الأوليغارشية الروسية اليوم إلى ثلاث مجموعات بحسب قرب أثريائها من بوتين. المجموعة الأولى تضم المقربين من الرئيس الروسي إذ صعد كثر من أصدقاء بوتين سريعاً نحو الثروة، ومنهم يوري كوفالتشوك الملقب بالمصرفي الشخصي لبوتين، والأخوان أركادي وبزريس روتنبرغ، وهما كانا رفيقي تدريب الجودو المراهقين لفلاديمير بوتين. وبعد وصول بوتين إلى الرئاسة سمح للأخوين بالسيطرة على الشركات الكبيرة المملوكة للدولة ليصبحا من الأثرياء الروس! ومن الأوليغارشية المفضلين لبوتين هو أليشر عثمانوف، عثمانوف الذي ساهم بشكل رئيسي في ظهور موقع Facebook، إذ بدأ الملياردير الاستثمار في الشبكة الاجتماعية منذ عام 2009، في حين كانت الشركة تواجه مشكلة في التمويل، في حينها ضخ عثمانوف أكثر من 900 مليون دولار في الشركة، وامتلك ما يصل إلى 10 في المئة منها قبل أن يبيع حصته عام 2014، محققاً المليارات. كما أنه كان مستثمراً رئيسياً في Apple وTwitter وLinkedIn، إلا أن الاتحاد الأوروبي عاقب عثمانوف وصادرت السلطات الألمانية يخته الضخم Dilbar الذي تبلغ تكلفته 600 مليون دولار والذي يضم أكبر مسبح داخلي لليخوت في العالم. 

ومن الأصدقاء المقربين لبوتين ليونيد ميخلسون، أغنى رجل في روسيا عام 2016، وهو مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة “نوفاتيك” المنتجة للغاز الطبيعي. يمتلك ميخلسون مجموعة فنية تبلغ قيمتها 200 مليون دولار، كما انضم إلى مجلس الأمناء في متحف نيويورك الجديد عام 2013، يقال إن يخته الفاخر يستوعب طائرتي هليكوبتر، إلا أنه لم يخضع حتى الآن للعقوبات الغربية، وقد يعود السبب إلى امتلاكه شركة الغاز الطبيعي وحاجة أوروبا إليه. لكن هذا لا ينفي صفقاته المشبوهة، إذ كشفت “أوراق بنما” أنه استخدم نظاماً معقداً من الشركات الوهمية لتسجيل طائرة خاصة من نوع “غلف ستريم” بقيمة 65 مليون دولار في الولايات المتحدة، والتي تتطلب في معظم الحالات الجنسية الأميركية أو الإقامة الدائمة. 

وليس آخر أصدقاء بوتين، إيغور شوفالوف وهو نائب رئيس الوزراء الروسي من 2008 إلى 2018، وكما كثيرين ادعى أنه أحد أنظف المسؤولين في روسيا، إلا أن تحقيقاً كشف شراءه من خلال شركة صورية، شقتين فاخرتين في لندن عام 2014، واستخدم طائرة خاصة سرية لنقل كلاب زوجته حول العالم لأنه درجة الأعمال ليست مريحة بما يكفي لها، كما أوضح أحد مساعديه!

أما المجموعة الثانية والتي لها علاقات أقل من المجموعة الأولى مع بوتين فتضم قادة الأجهزة الأمنية الروسية والشرطة والجيش وبعضهم ينتمي إلى المخابرات السوفييتية السابقة، وكانوا ينظرون بغيرة إلى سلطة الأوليغارشية وثروتها في عهد يلتسين، ليحصلوا على كلتيهما في عهد بوتين، أما المجموعة الثالثة وهي تضم الجزء الأكبر من الأوليغارش الروس الذين لا تجمعهم صلات شخصية ببوتين أو الجيش أو جهاز الأمن الفيدرالي.

إقرأوا أيضاً:

دور الأوليغارشية في حرب روسيا

على رغم من بعد بعض الأوليغارش الجزئي من السياسة الروسية إلا أنهم ومن خلال أموالهم تمكنوا من التحكم بقرارات بعض الدول أو مسؤولين فيها. على سبيل المثال، أقرض بنك FCRB الروسي نحو 10 ملايين دولار لحزب مارين لوبان الشعبوي المناهض للاتحاد الأوروبي في فرنسا، عام 2014، ما تسبب في ديون سياسية لروسيا، وهذا يفسر إلى حد كبير امتناع فرنسا حتى الآن عن السماح لمواطنيها بالتطوع للقتال في أوكرانيا. وعام 2016، دفعت شركة “لوك أويل”، ثاني أكبر شركة نفط روسية، غرامة حكومية قدرها 1.4 مليون دولار لمارتن نيجدلي، وهو مستشار رئيسي للرئيس التشيكي، ما سمح له بالاحتفاظ بمنصبه المؤثر وقد ساعد الروس على كسب تعاطف الرئيس التشيكي في حربهم على أوكرانيا.

من جانب آخر، عارض بعض الأوليغارش حرب بوتين، ومنهم رئيس مجموعة “ألفا” ميخائيل فريدمان وقطب المعادن أوليغ ديريباسكا وكلاهما أُدرج على قائمة العقوبات الغربية، ليصبح ميخائيل فريدمان واحداً من أوائل القلة الحاكمة الذين تحدثوا علناً ضد غزو أوكرانيا، واصفاً ذلك بالمأساة، وكتب أن “الحرب لا يمكن أن تكون الحل أبداً”، كما دعت “لوك أويل” إلى إنهاء الحرب، وهي ثاني أكبر شركة نفط روسية، على رغم أنها لا تخضع حالياً لعقوبات مباشرة.

ينضم إلى القائمة رومان أبراموفيتش، مالك نادي تشيلسي والذي عرض ناديه للبيع قائلاً إنه سيتبرع بثمنه إلى ضحايا الحرب في أوكرانيا، وعلى رغم عدم إدراجه على لوائح العقوبات حتى الآن، إلا أنه يعتبر مقرباً من بوتين ويمتلك الملياردير أحد أكثر اليخوت غرابة في العالم، مع غواصة على متنها وثلاث طائرات هليكوبتر، كما امتلك عدداً من العقارات باهظة الثمن في الولايات المتحدة.

وسط عدم اكتراث بوتين، ظاهرياً على الأقل، للعقوبات الغربية على بلاده وتجاهله الاحتجاجات التي تعم العالم، توجّه الغرب بالفعل إلى معاقبة الأوليغارش المقربين منه، على أمل أن يرضخ لوقف حربه ضد أوكرانيا ويجلس إلى طاولة المفاوضات. إلّا أن آراء أخرى تجد أنه قد لا يكون للأوليغارش تأثير حقيقي لأنهم في الغالب يتنافسون في ما بينهم للتقرب من الكرملين، بعيداً من الدفاع عن المصالح المشتركة مثل رفع العقوبات، إلى جانب أن الكرملين وعد بدعم الدولة للشركات المعاقبة، بخاصة في القطاع المصرفي، فهل ستساهم العقوبات في الضغط على بوتين لوقف الحرب أم أنها ستزيد من جنون بوتين؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني