في ساحة كييف… الرفاق حائرون يتقاتلون!

استعمل بوتين الإيحاء بالقوة، عبر صورة جسده عارياً وهو يصطاد الأسود ويداعب الأحصنة ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية، موهماً شعبه الروسي بأنه يختزن أعظم قوة وثقافة وحضارة عرفتها البشرية.

مُتابعاً أخبار الغزو الروسي لأوكرانيا، اُلَمْلِم ذكرى لقاءات الأمس البعيد بأحداثه وصُوَره التي ما زالت حيّة في الذاكرة، وأسأل عما يمكن أن يفعله الإنسان، أي إنسان على وجه الأرض، غير التضامن العفوي والصادق مع الشعب الأوكراني في دفاعه المُشرّف عن بلاده وعن حرية خياراته السياسية، بوجه خيار الحرب التي فرضها عليه قيصر روسيا. 

أفكر بالأسباب التي تقف خلف قناعات ومواقف يملكها أفراد مُثقفون وفنانون، وهم أحرار في مواقفهم وقناعاتهم، وهي لا تُدين هذا الاعتداء السافر والوحشي ضد الشعب الأوكراني، بل وتعتبره عملاً دفاعياً مشروعاً يندرج في ما يسمى محاربة الاستعمار والامبريالية واستعادة أراضي روسية تاريخية للحفاظ على الأمن القومي الروسي، أو تُحلل فعل  الاعتداء في كونه “مؤامرة أميركية” لمنع القوى “الثورية” المُمانعة من إعادة تشكيل معسكرها العالمي وبعث الاتحاد السوفياتي بقيادة “الرفيق الثوري” فلاديمير بوتين.         

          

أمّا أحداث ذاك الامس، العابق في ذاكرتي، والممتد عيشاً لسنوات توالت بين صيفي 1986 و1994، فمكانه مدينة كييف عاصمة جمهورية أوكرانيا الحديثة التي تابعت فيها دراستي الموسيقية، ومعظم مدن الاتحاد السوفياتي السابق التي تنقّلت فيها زائراً: خاركوف، مينسك، تبليسي، طشقند موسكو، لينينغراد، يريڤان وشبه جزيرة القرم…   

ساحة المدينة

أتابع أخبار الحرب عبر قنوات البث التلفزيونية العالمية التي تبث صوراً حيّة للأحداث، ومعظمها يضع صورة ساحة “ميدان الاستقلال” وهي الساحة الرئيسية للمدينة التي كنت أقصدها يومياً كل صباح حيث يقع المعهد العالي للموسيقى المُسمّى “معهد تشايكوفسكي” كنوع من تكريم لهذا المؤلف الموسيقي السلافي ذي النزعة الرومنطيقية، والذي عاش في ظل حُكم القياصرة، ولم يكن يحب العيش إلّا في الأراضي الأوكرانية مهد الشعب السلافي، ليس لأنه قومي شوفينيّ، بل بسبب انكشاف أمر مُثليّته الجنسية التي جعلته مُضطهَداً جندرياً من الناس والسلطة في الأراضي الموسكوبية.

وليس ببعيد من هذه الساحة أيضاً يربض تمثال تاراس شيفشنكو وهو الشاعر السلافي والسياسي الذي عاش في القرن التاسع عشر، وكان له دور ريادي في تأسيس الهوية الثقافية والسياسية للشعب الأوكراني. وقد سُميت جامعة كييف الوطنية على اسمه وكذا دار الأوبرا في كييف التي تأسست عام 1867.

أيضاً على مقربة من هذه الساحة يقع دير “اللافرا” أو دير “كهوف كييف” الذي أسس لأول كنيسة اورثوذوكسية سلافية، ومنها انطلقت السلافية شعوباً ولغات متعددة وثقافات متنوعة ومتقاربة. في منتصف هذا الشارع تحديداً يقع متحف بيت بولغاكوف الكاتب الروسي السوفياتي صاحب روايتي “المعلم ومرغريتا” و”مذكرات قلب كلب”. هذا الكاتب الذي عاش في الحقبة الستالينية وكانت لديه الجرأة الأدبية والشجاعة الأخلاقية لانتقاد الفاشية الستالينية في كل رواية كتبها وضمنها سخريته السوداء من النظام الشيوعي التوتاليتاري.

ساحة مدينة كييف (كريشّاتِك) والتي أصبحت حديثاً تُسمى “ميدان الاستقلال” بعدما انطلقت منها ثورة شعبية عام 2004، هي ليست ساحة عادية لمدينة عادية قد يتفق كثيرون على جمال طبيعتها المطرّزة بخُضرة أشجار الكشتان ونعومة انسياب نهر الدنيبر الذي يمر في وسطها، وعلى ضفافه أُنشأت كييف- روس وصُهرت شعوب وأعراق. إنما هي ساحة استثنائية في مدينة عريقة ولّادة للثقافة والأدب والفن وحاضنة للمُضطهَدين والمُعذّبين. ساحة شهدت على حروب وثورات كثيرة وأريق الدم فيها انهاراً ومشى على أرضها فلاحون طيبون فقراء وأمراء وقياصرة وقطاع طرق وفاشيون ولصوص وكل أنواع البشر واصنافهم.

شكوى أهل الساحة

لا أريد القول إن لا مثيل لهذه الساحة في العالم، بل الأرجح هو أنّ لمدينة كييف وساحتها الاستثنائية سحراً طاغياً ومؤثراً. هذا ما كنت أشعر به كل صباح وانا اخرج من أنفاق المترو إليها في طريقي إلى مكان دراستي في المعهد الموسيقي.

فطغيان سحرها في نفسي لا يُستمد من تاريخ هذه الساحة وحسب، بل أيضاً من أهلها وناسها الطيبين والمشحونين بالعاطفة والرغبة الدائمة للاستماع إلى الوافد الجديد من عالم غريب، بعيد ومُعذَّب، ليتعاطفوا مع معاناته ويتضامنوا مع قضاياه. في حين أن أهل هذه الساحة، كانوا أيضاً توّاقين ليبوحوا لنا ولوْ بحذر عن معاناتهم وعذاباتهم واحلامهم المكبوتة. كانت حاجتهم الى البوح اكبر بكثير من حاجتنا نحن الآتين من دول لا تُشبه الدول بشيء. دول القبائل والطوائف التي مزّقتها الحروب والنزاعات الأهلية.  

وفِدْتُ إلى كييف عام 1987 في طلب العلم مع الوافدين إليها من اللبنانيين هرباً من ويلات الحرب الاهلية اللبنانية. وقتذاك كانت كييف عاصمة لجمهورية أوكرانيا  السوفييتية التي كان وضع شعبها مثل بقية شعوب الجمهوريات السوڤياتية المُستتبعة للمركز الروسي في موسكو. كان وضعاً  يُصدر أنيناً خافتاً في الغرف المغلقة يشكو من سوء الأحوال الاقتصادية، ويسوده شعور بالأسى من الظلم الفادح الذي أحدثه ويُحدثه يومياً النظام التوتاليتاري للحزب الشيوعي السوفييتي، المتمركز في موسكو من قمع وتنكيل وقتل ونفي لأصحاب الرأي المعارض. كما كان وضعاً يطفح بأحلام الثورة والتحرر عن المركز الروسي من أجل بناء الدولة الوطنية المُستقلة.

بركان فيزوف

هكذا كانت أوضاع شعب أوكرانيا في السنوات الأربع الأولى من وصولي إليها واستمرت تتصاعد وتفور غلياناً لتنفجر في النهاية كبركان يُشبِهُ بنتائجه ما حدث بمدينة بومبي القديمة.

هذا ما آلت إليه تجربة الاتحاد السوفييتي في بناء “المجتمع الاشتراكي” في تفجّره من الداخل كما بركان فيزوف الذي انفجر عام 79 في القرن الميلادي الأول، مدمّراً في غضون دقائق المدينة بحيث طمرت الاتربة والحمم البركانية الحجر والبشر، وحوّلتهم إلى جماد ميت. ظلت المدينة مدفونة 1700 عام إلى أن اكتُشفت مصادفة لتتحول بعد التنقيب عنها إلى متحف طبيعي لدراسة تاريخ الحياة والبشر.

بيد أن ديكتاتوراً شعْبَوِياً روسياً يأبى إلا أن يحقق أحلامه بعودة كيان الاتحاد السوفييتي الذي انهار ومات. 

هتلر، ستالين، بوتين هم انعكاس واحد في مرآة وحيدة. 

استعمل بوتين الإيحاء بالقوة، عبر صورة جسده عارياً وهو يصطاد الأسود ويداعب الأحصنة ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية، موهماً شعبه الروسي بأنه يختزن أعظم قوة وثقافة وحضارة عرفتها البشرية، هي وحدها التي يجب أن تسود وتُهيمن على كل الشعوب القريبة منه والبعيدة. أما قوة جيشه العسكرية فسخّرها لتحطيم إرادة الشعوب (سوريا مثالاً طازجاً) موهماً هذه الشعوب الضعيفة بأنه يساعدها على حل مشكلاتها والتخلص من التطرف الديني.

شكوى الوافدين إلى الساحة

الحروب الناتجة من وهم بعث التاريخ الذي أدى الى سلب فلسطين بالقوة، وقسوة الأنظمة العربية الديكتاتورية الذي أنتج حروباً أهلية وتخلفاً اجتماعياً واقتصادياً مُزمناً، وغياب الديموقرطية في الأحزاب الذي ولّد ظلامية دينية لا تنتهي، هو ما كنا نشكو منه، نحن الوافدين طلاب العلم والثقافة إلى كييف وكل مُدن الاتحاد السوفييتي السابق. كنا نشكو إلى أهل الساحة في كييف الذين لم يكونوا فقط من الأوكرانيين، بل كانوا أيضاً من الروس والأرمن والآذاريين والجورجيين والاستونيين… وهم كانوا يستمعون إلينا بشغف ويتضامنون معنا بصدق، وفي النهاية يقولون لنا انتم عانيتم وتعانون منذ منتصف القرن العشرين، أما نحن فنعاني مثلكم واكثر، منذ قرون طويلة.

اللغة والتاريخ

من البداية، تعلّم جميع الطلاب الوافدين اللغة الروسية والتي لم تكن لغة الدولة الرسمية وحسب، بل كانت لغة حصرية في كل شيء وإجبارية لجميع الشعوب المُستتبَعة، برغم من امتلاك هذه الشعوب للغة وثقافة خاصتين على مدى قرون وحتى قبل أن يظهر الأخوان كيريل وميتودي لينْحتا اللغة السلافية الأم. 

إلى جانب حصرية اللغة الروسية، كان تاريخ الحزب الشيوعي الروسي والسوفياتي، هو التاريخ الوحيد المسموح بقرائته وتعلُّمه. حصرية اللغة والتاريخ الروسيين، جعلهما أداة هيمنة ثقافية على الشعوب المنضوية في الاتحاد، ما رفع منسوب الشعور بالغبن القومي والقهر لديها. في حين ان المرحلة الستالينية التي امتدت الى ما بعد موت ستالين اضافت الكثير من أساليب الهيمنة السوفياتية على شعوبها مثل أسلوب التجويع (الغُلودومور) الذي مورس ضد الشعب الاوكراني، وأسلوب النفي الجماعي الى سيبيريا الذي مورس بحق شعب التتار وهم السكان الأصليون لشبه جزيرة القرم، وأسلوب الفتن الطائفية والعرقية في آسيا الوسطى، وأسلوب الترهيب والتخوين عبر وسم المعارضين السياسيين بأعداء الشعب ومن ثم معاقبتهم إعداماً أو نفياً أو سجناً.

انفجار بركان الاتحاد السوفييتي وانهيار منظومته السياسية والاقتصادية سمحا للشعوب غير الروسية بإنشاء دولها الوطنية المستقلة وإنْ بعد مخاضات صعبة ولكن في نفس الوقت فتح جروحاً جديدة لصراعات قومية قديمة-متجددة، لم تكن روسيا الاتحادية ببعيدة من إشعال فتائلها في الشيشان وجورجيا وكاراباخ والقرم والدونباس.

من ضحايا الانفجار ايضاً كانت الشخصية المعنوية الروسية “المتفوّقة” التي اُصيبت بانكسار وبُلِيَت، ومعها الأحزاب الشيوعية في العالم، بجرح نرجسي. وقد نجح پوتين  خلال 20 عاماً من حُكمه وعبر خُطبه الشعبوية وتدخلاته السافرة، في إعادة بث شعور قومي روسي متطرف، يُشبه إلى حد بعيد ما فعله هتلر بالشعب الألماني إبّان الحرب العالمية الثانية. وهو ما قد يُفسر هذه العجرفة في خطابه الأخير الذي أعلن فيه الحرب على جمهورية أوكرانيا المستقلّة، مصمماً على وجوب تصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبه لينين بإعطاء شعوب الاتحاد السابق حق تقرير المصير.

ما العمل؟ سؤال لينين الأخير

تُرجِعني شاشة التلفزيون إلى صورة ساحة كييف في نبأ عاجل يُفيد بأن بوتين وضع سلاحه النووي في حالة تأهب قُصوى. صورة الساحة وقد نقلتها الكاميرا من الجهة المقابلة، فبانت لي الواجهة الأمامية لمعهد تشايكوفسكي الموسيقي بأعمدته الرومانية الطابع. فأُقرر بمُخيِّلتي ان أتقدم الى الساحة لادخل من جهة القاعة الموسيقية للمعهد.

أسمع صوت أوركسترا موسيقية تتمرن على موسيقى “مارش سلاف” التي كتبها تشايكوفسكي تمجيداً للشعب السلافي. من إحدى الزوايا تصلني أصوات نقاشات متوترة. في البداية كانوا 6 رجال في كواليس المسرح لينين، ستالين تروتسكي، برجنيف، غورباتشوف ويلتسين! 

لينين: (بحدة وانفعال): “من هو هيدا ابن ال …كذا يلّي بدو يصلح اخطائي؟ وكيف وصل ع السُلطة هيدا الرفيق يلّي اسمو…؟  ناقصنا واحد مجنون  يهدد البشرية بالسلاح النووي!”.

 يلتسين (عابساً حائراً): “اسمو بوتين وكان ضابط مخابرات و…(صمْت)!”.

تروتسكي (يهز رأسه بأسى مُتوجهاً بحدّة إلى ستالين): “شو رأيك يا ستالين تخبّر شو عملت حضرتك بالثورة الاشتراكية بعد مَوْت الرفيق لينين!”

ستالين (يصرخ بوجه تروتسكي): “انت آخر واحد بحقلّك تحكي يا فيلسوف عصرك…قال شو بدو يصدّر الثورة ويحقق الأممية الرابعة! ولكْ ما هي الاممية التالتة وكانوا ركبها عم بِسِكّو…وانا احسن شي عملتو انو بعتت واحد يغتالك بالمكسيك”.

لينين (مستنكراً باندهاش): “شو…انت قتلت رفيقي العزيز تروتسكي!؟”.

تروتسكي (بحزن) : “شو القصة وقفت بس على اغتيالي وحدي…لائحة الأسماء طويلة من رفاقنا الأعزاء بالحزب واصدقائنا المثقفين والكتّاب والشعرا والفنانين”…

ستالين (يصرخ عاضباً بوجه الجميع) : “انا الفلاح الجيورجي والقائد السوڤياتي العظيم يلّي بنى اهم قوة نووية عُظمة…انا يلّي صنعت التاريخ والمجد لشعوب روسيا…لولاي ما حدن بجيب سيرتكن بالتاريخ…ب شرفك يا لينين ما هيك كان  طموحك؟ لولاي انا، القائد الشيوعي الفذ، ما كان في سوفيات ولا من يحزنون”.

غورباتشوف (يبتسم ساخراً) : “ايه طُز…اجلّ السامعين”.

ستالين (لا يرد على غورباتشوف بل يصرخ في النادل المنتظر بعيداً) : “جيبولنا فودكا روسية وكاڤيار يا رفاق، صار لازم نشرب ونرقص على لحن كاتيوشا احتفالاً بالحرب…وقول للموسيقيين بالقاعة يوقفوا  لعب هالموسيقى السلاڤية تبع المخنث تشايكوفسكي لأنو خلص وقتها…نحنا هلق سوفيات، كنّا ورح نضل”.

غورباتشوف (بتحدٍ): “يا رفيق ستالين الاتحاد السوفييتي مات وصارت عضامو مكاحل”.

 بريجنيف (يبدو النعاس على وجهه): “بس يا رفيق غورباتشف، متل فهمنا من اندروپوف رئيس المخابرات انو انت سعَيْت بإديْك وإجْريْك لفرط الإتحاد السوفياتي العظيم. والمعلومات بتقول انو الپريسترويكا والغلاسنوست كانو بنود من مؤامرة صنعتها بنفسك مع المخابرات الأميركية قبل سنوات من استلامك لقيادة الحزب”.

غورباتشوف (تعباً): “لمعلوماتك يا رفيق بريجنيف نظرية المؤامرة صارت موضة قديمة وما عاد حدا يصدقها … والبشرية وصلت للعصر الرقمي”.

بريجنيف (مُتأفئفاً): “к черту انشالله بيوصلو ع جهنم الحمرا”.

يلتسين (وقد اصبح لسانه ثقيلاً بعد ان ابتلع نصف قنينة الفودكا): :يعني لا مؤامرة ولا بطيخ… كل ما في الامر يا رفاق انو البلاد السوڤياتية فقدت جاذبيتها الثورية وقوتها الاقتصادية وصارت متل حبس كبير للسكان…يعني الأوضاع وصلت لعند غورباتشوف منتهية على الاخير. وانا جيت من بعدو كفيْت ع الباقي بإعلان استقلال روسيا الاتحادية. كان هيدا احسن شي للجميع. بس ما حسبت حساب انو يكون ضابط المخابرات يلي عيَّنتو محلّي يطلع هلقد مهووس بجنون العظمة”.

غورباتشوف (يومئ إلى ستالين): “أكيد جنون العظمة، ما هو طالع للرفيق الأكبر”.

الرفيق ستالين لا ينظر الى أحد بل يتابع تدخين غليونه وابتلاع ما بقي من كافيار وفودكا، مستمتعاً بالموسيقى الراقصة الذي يقودها  قائد الأوركسترا مخائيل غرغييڤ.

وفي أثناء ذلك غورباتشوف يحاول إخبار لينين بكل ما ارتكبه ستالين مع الرفيق بيريا من جرائم وفظائع بحق الثورة والبناء الثوري، وما لحق من عار وذل واضطهاد بالشعوب التي انضوت تحت شعار كل السلطات للسوفييت.

ينهار لينين ويكاد يقع فيجتمع الرفاق حوله باستثناء ستالين الذي يبتعد ويتحسس مسدسه من نوع توكاريف ليتأكد من أنه محشو بالرصاص.

لينين ( يستعيد رباطة جأشه): “نعم يا رفاق لقد اخطأت بالفعل… اكيد خطأي ما كانش لأنو اعطيْت كل الشعوب، يلي قررت طوعياً تدخل على الاتحاد حق بناء دولها الوطنية وتقرير مصيرها على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية… هيدا ما كان خطأ ابداً يا رفاق. الخطأ الأساس يلي ارتكبتو هو اندفاعي المتسرّع  بإطلاق ثورة اجتماعية في بلد زراعي وغير متطور صناعياً واكثرية شعبو ما بيقرا وما بيكتب… هيدي الثورة كان اهدافها بناء الاشتراكية وتوزيع عادل للثروة والقضاء على سلطة القيصر ومنع الحروب والاستغلال الرأسمالي. بس للأسف ما زبط شي منها. كم كان خطئي فادح وكلّف كتير دمار ودم…آه لوْ كنت أعلم!”.

 لينين (يتابع): :هلق اسمعوني منيح يا رفاق، انا فلاديمير ايليتش لينين بعترف انو أخطأت وكان من الأجدى انسانياً والانفع تاريخياً لعموم الشعب الروسي والأوكراني وباقي الشعوب الاخرى بأن تتحرر لوحدها لتنمو وتتطور كما باقي البلدان الأوروبية أو الآسيوية. وانا فعلاً كتير حزين انو خطئي الأول تحول مع مرور الزمن الى خطايا كثيرة بحق أفراد ومجموعات”. 

غورباتشوف (مُصفقاً بحماسة): “هيدا نقد ذاتي كتير مهم رفيق لينين”…

لينين (بحزن شديد): “يا رفيق كلامي بهيدا الزمن الصعب مش رح يقدم او يأخر بأي شي…بس شو العمل مع هالمجنون الدكتاتور بوتين…؟ يعني ممكن يدمر البشرية بسلاحه النووي؟”.

يبدو أن جمهوراً قد بدأ بالتجمّع حول الشخصيات الست. من بعيد يطل الصديقان ماركس وانغلس ويتوجهان إلى لينين:

ماركس: “بالواقع ما كان في ضرورة ابداً ليحُطُّونا معك دايماً بنفس الصورة. فليس هناك نظرية ماركسية– لينينية يا سيد لينين. وبالاساس نحن لوْ رجعنا ع الحياة كنا اكيد غيّرنا كتير بمواقفنا الفلسفية… وهيدا شي مش عيب ابداً يا سيد لينين. ومع ان موقفك بهيدي اللحظات الحرجة والصعبة من حياة البشرية هو موقف نقدي ومشرف ولكن ما حدث قد حدث وما فينا نصلح أخطاءنا التاريخية. وكل شي فينا نتأمل حصوله هو انو البشر الأحياء يكون عندهم قدرة على قراءة التاريخ ونقدهُ من دون محاولة لإعادة بعثه. فإعادة بعث التاريخ لإحيائه هو وَهْم خالص”.

يُشاهد من بين الحشد تشايكوفسكي وبولغاكوف يقفان مع تاراس شفشينكو وغليير وآخرين. أما فكرت أميروف وآرام خاتشتوريان فيُلاحظ انسجامهما شوستاكوفيتش الذي كان يقول لهما: إن الموقف الإنساني المتضامن مع البشر المُعذبين والضعفاء من جراء الحروب والنزاعات القومية والدينية هو أساس الثقافة الإنسانية الحقة وجوهر الإبداع في التأليف الموسيقي الدرامي.    

لينين (ينسحب مُحطماً): “وين أينيسا آرمان؟ حابب شوفها… (ينادي عليها) اينيسا يا نور حياتي وشمسي الساطعة”.    

وحده ستالين يُرى منزوياً مع مجموعة من الشبان، وتبدو عليهم سمات شرق أوسطية. اقترب منهم قليلاً ليصلني صوت أحدهم يتحدث ربما بلهجة لبنانية قائلاً: “رفيق ستالين اذا بتجي لعنا بتشوف وبتسمع قديش نحنا منريدك ومنحبك لدرجة التقديس. نحنا بحاجة إلك يا رفيق ستالين”.

ستالين (يستمع بفخر وانتشاء): “طيب ماشي، بس خبرني في عندكم فودكا وموسيقى وفقش وطقش”.

الرفيقx : “اكيد اكيد في عنّا بالحزب فرع للويسكي والفودكا وعنا ملحن مغروم فيك وعاملك نشيد “يا عهد الأممية تحية تحية”…شو بتقول؟”.

ستالين (بحماسة): “تفارشي، يلّا انْهِجْ من هَوْنْ، وهالساحة ما تعود تشوف إلنا وج”…

على وقع صوت زمور الخطر في ساحة المدينة يختفي الحشد وتصمت الموسيقى.

انتبه الى الخبر العاجل اسفل الشاشة يُنبئ بقرب وقوع غارة جوّية. يظهر المذيع فتختفي صورة الساحة لأستعيد موقعي من خارج الشاشة/ الحدث. 

المُذيع يُعلن عن انفجار حصل في زراباوجيا بالقرب من أكبر محطة نووية في أوكرانيا… اُطفئ الشاشة قلقاً مفكراً بما قد يفعله المرء في الساعات الأخيرة قبل فناء البشرية بقنابلها النووية.

إقرأوا أيضاً:



لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني