fbpx

مصر تُسلّم نفسها

خلال الزيارة الرسمية التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة هذا الأسبوع، دعا الرئيس المصري ضيفه لحضور مسرحية في دار الأوبرا المصرية. كانت المسرحية بعنوان "سلّم نفسك". ليس مجرد عنوان مسرحية، ففي مصر تبدو هذه الجملة وكأنها حقيقةٌ تشهر في وجه كثيرين وجدوا أنفسهم قيد الاعتقال أو الاختفاء أو الصمت القسري. "سلم نفسك" هو العنوان الذي بات ملازماً على ما يبدو لفلسفة حكم الرئيس السيسي الذي يتحضر لولاية ثانية في الانتخابات.

خلال الزيارة الرسمية التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة هذا الأسبوع، دعا الرئيس المصري ضيفه لحضور مسرحية في دار الأوبرا المصرية. كانت المسرحية بعنوان “سلّم نفسك”.
تروي المسرحية قصة مجتمع طهراني يهبط عليه كائن أرضي مثقل بإشكالات اجتماعية كالإرهاب والغش والسرقة والتحرش وعقوق الوالدين. يدور جدل بين أفراد المجتمع الطهراني حول ما إذا كان يجب قتل الكائن هذا أم احتواؤه ومعالجته.
بدا الرئيس المصري متحمساً لقصة المسرحية، وألقى كلمة ظهر فيها متأثراً بفكرة الدفاع عن الوطن ضد الإرهاب حتى النهاية، لكن، أيّ طهرانية تلك التي يبشر بها الرئيس السيسي وكيف السبيل إليها.
“سلّم نفسك”، لا يبدو مجرد عنوان مسرحية، ففي مصر تبدو هذه الجملة وكأنها حقيقةٌ تشهر في وجه كثيرين وجدوا أنفسهم قيد الاعتقال أو الاختفاء أو الصمت القسري. إنه العنوان الذي بات ملازماً على ما يبدو لفلسفة حكم الرئيس السيسي الذي يتحضر لولاية ثانية في الانتخابات.
إنها حرب شعواء فعلاً تلك التي يخوضها النظام المصري ضد مفكرين ومبدعين ومخرجين وصحافيين وناشطين ومواطنين، فحملة الاعتقالات التعسفية، يمنحها القضاء المصري زخماً غير مسبوق، مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي. وقد طالت هذه الاعتقالات خلال المرحلة الماضية عشرات الصحافيين باتهامات مختلفة.
في حديثه بعد عرض مسرحية “سلم نفسك”، شدد الرئيس السيسي على أهمية “الإبداع” كقيمة فنية وسياسية للدفاع عن مصر. لكن الحقيقة فإن التهم التي تخرج كل يوم لا تظهر سوى نفس المفردات التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية. ومصر تشهد حملة ضد الصحافة لم يحصل أن بلغت هذا الحدّ. فقد تمت ملاحقة صحافيين وصحافيات مصريين بتهم غير مسبوقة من نوع “التعاون الصحفي مع أقنية ومواقع اخبارية تعادي النظام المصري”.
ولائحة المعتقلين والموقوفين لا تتوقف عن ضخ المزيد من الأسماء وهي أسماء لا تشمل فقط المعارضين للنظام، بل هي تطال حتى المحسوبين عليه. فها هو المقدم الشهير خيري رمضان والذي يعتبر من المدافعين عن الرئيس السيسي، سجن لبضعة أيام لأنه تحدث عن سيدة شكت له عن أزمات يعيشها زوجها الضابط وقال إن ضباطاً كثيرين يعانون أيضاً.
كانت تلك الجملة التي وردت أصلاً في معرض مديح الجيش لا ذمّه، كفيلة بأن تدخل رمضان إلى السجن لبضعة أيام بتهمة “تشويه سمعة وزارة الداخلية”.
لائحة الموقوفين لا تنتهي، وها هي الصحافية مي الصباغ، قد ألقي القبض عليها أثناء تصويرها وثائقي حول تاريخ الإسكندرية، وهي تقبع حالياً خلف القضبان بانتظار مصير مجهول، بعد أن وُجه إليها تهمة “إذاعة أخبار كاذبة عن مصر في صحف أجنبية تريد الإضرار بالأمن المصري الداخلي”.
أما مصطفى الأعصر وحسن البنا ومعتز ودنان، فوجهت إليهم تهمة “العمل في الصحافة دون الحصول على تصريح، بقصد إذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام”، بينما يقبع كل من أحمد عبد العزيز وحسام السويفي في السجن بتهمة إثارة الفوضى بعد مشاركتهم في تظاهرة داعمة للقدس بعد إعلانها من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عاصمة إسرائيل. كما ووجه القضاء المصري، تهمة “نشر الأخبار الكاذبة” إلى طارق زيادة وسلمى علاء الدين.
الصحافة الأجنبية
وبموازاة ما سبق، شهدت ساحة الإعلام الأجنبي في مصر أيضاً حملات مماثلة، وذلك بعد نشر محطة “بي بي سي”، وثائقي تحدث عن حالات الاختفاء في مصر. وقد عرض هذا الشريط لشهادة والدة شابة مصرية باتت عنواناً في الأيام الماضية هي زبيدة. قالت الأم إن ابنتها اختفت قسراً، وتعرضت للتعذيب والاغتصاب. على إثر عرض الفيلم، أجرى الاعلامي المقرب من النظام عمرو أديب مقابلة مع زبيدة التي نفت أن تكون مختفية. المقابلة في مكان اجرائها وظروفها أثارت تساؤلات حول حقيقة حكاية زبيدة ودور النظام خصوصاً أن زبيدة قالت في المقابلة إنها سبق وأن شاركت في تظاهرات احتجاجية وجرى اعتقالها لكنها اختفت بداعي الزواج وأن أمها لا تعرف عنها شيئاً.
بعد المقابلة تم اعتقال والدة زبيدة بتهمة تقليب الأمور ضد النظام والاستقواء بالإعلام الأجنبي، ولم تكشف الدولة عن مكان اعتقالها. لكن هل كانت غموض قصة زبيدة يتعلق بضعف مصداقية الإعلام الغربي أم القيود الهائلة التي يفرضها النظام على المواطنين وعلى الصحافة.
كل هذا دفع بمنظمات دولية وبعواصم قرار غربية إلى انتقاد ما يحصل في مصر، وقد استنكرت منظمة العفو الدولية قمع الحريات الحاصل، كما طالبت منظمة “هيومن رايتس واتش”، بالإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين دخلوا السجون لمجرد انتقادهم السلطة، ومشاركتهم في نشاطات سلمية.
المحظورات
هذا وتقدر الأقنية والمحطات والمواقع المحظورة في مصر بـ425، وهي شملت أيضاً منظمات غير حكومية مثل منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي نشرت عدة تقارير ووثائق عن الانتهاكات الإنسانية من قبل قوات الأمن وفي السجون. كما نشرت تقارير عن حالات اغتصاب وتعذيب تنفذ بحق معتقلين، واعتماد سياسة الإخفاء القسري للمعارضين. ونتيجة لذلك حظر القضاء نهاية عام 2017، صفحات المنظمة عن شبكات الإنترنت، وجرّم متابعتها.
حالياً، تحتل مصر مرتبة 161 في حريّة الصحافة، وتحتل المركز الثالث في اعتقال الصحافيين. ويقدر عدد الصحافيين القابعين في الزنازين المصرية حوالي 320، ويتوقع المراقبون أن يرتفع العدد كلما اقتربت مصر من الاستحقاق الرئاسي.
في الوقت الراهن تترقب مصر صدور قانون جديد في حال وافق البرلمان المصري عليه، وينص القانون على محاكمة كل من يروج بشكل سلبي عن مصر على الأقنية الأجنبية، بالإضافة إلى وجود مقترحات قوانين أخرى تنتظر الموافقة عليها تحد من مساحات الحرية الفردية.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني