“لقد رأيتُ هاتين العينين من قبل” :
هكذا أحيا الغزو الروسي لأوكرانيا ذاكرتي السوريّة

ليس من السهل تتّبع أخبار الحرب الروسية على أوكرانيا علينا نحن إذ جئنا من حربٍ ما زالت نيرانها مشتعلة في بلادنا.

هذا المقال نشر في صحيفة ديرشبيغل الالمانية 

تقترب، تقترب أكثر، تُلقي بملامحها على العدسة، مباشرةً وأمام مرأى الجميع. لقد رأيت هاتين العينين من قبل، النظرة الحادة الثابتة ذاتها، والسواد الغارق في فجوتي الوجه، تماماً تحت الحاجبين، الغبار الرمادي نفسه على الوجنتين، والأحمر الداكن المنزوي على طرف الوجه. هناك في البعيد، ترى خيالات لأبنية محطمة كلياً وشارع ارتمت عليه خطوات تائهة هاربة من موت وشيك.

خلال اللحظات الأولى لارتطام الصورة أمامي، حدث شيء غريب. انقسمت الشاشة أمامي إلى أقسام عدّة، عُرض في كل منها الوجه ذاته أو شبيه له، الخلفية نفسها أو ما يشبهها، كُتب على كل منها التاريخ والمكان، الماضي والحاضر، وأسماء بلاد أعرفها، منها ما شهد حرباً مماثلة. تجمّد جسدي في مكانه وحاولتُ أن أغمض عينَي، لكنني لم أستطع. حدّقتُ مطوّلاً في الصور، عادت تلاحقني.

الغزو الروسي على أوكرانيا أحيا ذاكرتي السوريّة التي لطالما افتخرتُ بقمع ما فيها.

أوكرانيا 2022- لقطة قريبة على مبنى مكوّن من أربع طبقات، رجل واقف يحدق فيها، ينتقل ببصره من طبقة إلى أخرى، هناك في الطبقة الثالثة يقع منزله، المبنى خالٍ من أي شيء. لا شبابيك فيه ولا أبواب ولا لون. داخله خارجه، منزل الرجل كذلك. على تلك الشرفة كان يشرب فنجان قهوته منذ يومين فقط، قبل أن تنهال عليه وعلى كل سكان المبنى قذائف الطيران الروسي. يطقطق برأسه نحو الأسفل، يسير بعيداً عن كل ما كان له.

في 24 شباط/ فبراير 2022، استيقظ سكان أوكرانيا على صوت صفارات الإنذار. هي الحرب اندلعت مع انطلاق العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا في أكبر أزمة أمنية في أوروبا منذ الحرب الباردة. 

أما نحن أبناء البلاد المنكوبة، فاستيقظت ذاكرتنا المظلمة. بات فعل الاستيقاظ عكسياً لما هو عليه، كأنّما نمنا فغرقنا في الكابوس وما زلنا نياماَ.

حلب 2015- ترى حيّاً كاملاً وقد دُمّر عن بكرة أبيه، خالياً من أي وجود بشري. وقفتُ حينها أمام أحد الأبنية، لا باب يحول بيني وبين الدخول إلى منازل مَن كانوا هنا قبل أن يبدأ قصف النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيّون مدينة حلب. المنازل جميعها انقلب داخلها خارجها. غرف النوم، غرف الجلوس، الحمامات، تمديدات الماء والكهرباء، الملابس وألعاب الأطفال والكتب والأوراق… كل شيء فيها تراه دون أن تطأ قدماك جوفها.

بدأ سلاح الجو الروسي بتوجيه ضربات جوية على الأراضي السورية بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2015، بعدما طلب الرئيس السوري بشار الأسد دعماً عسكرياً من موسكو. أسفر هذا التدخل عن مقتل آلاف المدنيّين في مناطق مختلفة من سوريا. واليوم، يبدو أن بوتين  في غزوه القريب، أي أوكرانيا، وفي تدخّله عسكرياً في البعيد، أي سوريا والشرق الأوسط، يحاول جدّياً استعادة دائرته السوفياتية السابقة.

تختلف الحالة الأوكرانية عن الحالة السورية، ولكنها تشبهها بما تمثّله من تداعيات حرب كالدمار والقتل والتهجير ونشر الأخبار الزائفة. وإن كان خصم الشعبين مُشتركاً، إلا أن العدو الأساسي في سوريا كان ويبقى النظام السوري نفسه الذي طلب من الحكومة الروسية القتال معه ضد شعبه والخوض معه في معركةٍ غير عادلة من حيث القوة ضد فصائل معارضة مسلّحة، لم تتلقَّ سوى دعم محدود من الدول الغربية وغيرها. أمّا أوكرانيا، فتعرّض شعبها وحكومتها إلى احتلال روسي مباشر على أراضيها بقرار روسي فقط، ولخدمة النظام الروسي فقط. والجيش الروسي في الحالة الأوكرانية ليس أمام فصائل متفرّقة بل يواجه جيشاً منظّماً مدعوماً من فرقاء عدّة في الغرب.

إقرأوا أيضاً:

في كلتا الحالتين، الحرب هي حرب، وضحيتها شعب لم يختر الحرب والعنف، خسر مسكنه وكل ما يملك وأُجبر على اللجوء إلى دول أخرى هرباً من الموت والإيذاء.

ليس من السهل تتّبع أخبار الحرب الروسية على أوكرانيا علينا نحن إذ جئنا من حربٍ ما زالت نيرانها مشتعلة في بلادنا. حتّى لو حاولت تفادي مواكبة الأخبار والتدقيق في كل صورة وفيديو، يبقى أنّك ستجد نفسك وقد غرقت في المشهد مُرغماً، دون وعي أو قصد. ترى بنفسك تآخي الوجوه وكل تفاصيل الصور والأحداث فيها وتبحر في رحلة المقارنة بينها وبين أحوالك.

تحت أغطية صوف متّسخة، ترى أجساداً متلاصقة، تحيط بها حقائب وأكياس متناثرة. إذا نظرت من زاوية أوسع، يمكنك أن ترى على مساحة واسعة قريبة من حدود بيلاروسيا وبولندا، أجساداً بشرية تشكّل معاً ضمن مجموعات متفرّقة كتلاً بشرية كثيفة محاولةً الحصول على شيء من الدفء في هذا البرد القارس، بعد أن منعتهم الكثير من تلك الدول من الدخول إلى أراضيها أو المرور منها، إن إلى ألمانيا  (التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين) أو إلى غيرها. المتكدّسون فوق بعضهم والمنهكون القادمون من بلاد الحرب وعابرو طرق الموت، وجدوا أنفسهم في مواجهة نوع آخر من الظلم والعنف والضرب والذل من حرس الحدود، وذلك وسط تقاعس دولي رأى في استقبال هؤلاء خطراً على بلدان الحدود وثقلاً إضافياً هي غير مضطرّة لحمله.

نتحدّث عن آلاف المهاجرين العرب والأفارقة والآسيويّين الذين مرّت على وجودهم على الشريط الحدوديّ بين بلا روسيا وبولندا أشهر طويلة. بحوزتهم فقط ما استطاعوا حمله من أمتعة، والقليل من الطعام الذي وصلهم من طريق مجموعات ومنظمات إنسانية.

في المكان نفسه تقريباً، أي على الشريط الحدودي نفسه، آلاف من النازحين الأوكرانيين الهاربين من البطش الروسي والحرب في بلادهم، يحملون معهم أمتعتهم وما استطاعوا حمله معهم. المفارقة كانت أن فتح حرس الحدود الأبواب أمامهم، مع وصول عدد كبير من المنظمات الإنسانية والسلطات المحلية لتقديم المعونة والمساعدة لهم، كما رحّبت بولندا بهم في أراضيها؛ في حين تستعد قافلات مدنية محمّلة بالمساعدات للتوجه إلى الحدود الأوكرانية لمساعدة اللاجئين الوافدين إلى الدول الأوروبية المجاورة.

وحدة الحال تجمع اللاجئين بصرف النظر عن المكان الذين أتوا منه. يجمعهم التيه والهرب من الموت والرغبة في النجاة وإرادة الحياة… غير أنّ معظم الدول الغربيّة كشفت، مقابل وحدة الحال هذه، عن ازدواجيّةٍ فجة في معاييرها الخاصّة بمعالجة هذه المسألة، فميَّزت بين اللاجئ وفقاً لهويّته وعرقه بدلاً من أن تعامل كل اللاجئين المتجمّدين من البرد القارس المعاملة نفسها.  

بعيداً من كل الازدواج هذا، ومن عنصرية بعض دول المجتمع الغربي وإعلامه الذي يكرّس التمييز بين اللاجئين السوريين والعراقيين والأفغان من جهة واللاجئين الأوكرانيّين من جهة أخرى -على أسس لها علاقة بالعرق والدين واللون والمنشأ- الأكيد اليوم أنّه في الحرب واللجوء وحدهم اللاجئون مَن يعرفون معنى اللجوء حقاً، ومعنى الهرب من الموت، ومعنى الفقدان، ومعنى الشتات. يبقى أن في هذا الوقت العصيب الذي نعيشه، لا مكانَ فيه سوى للتضامن مع المظلوم واللاجئ، ولالتقاء الإنسان بإنسانيّته، وإنقاذ الأرواح العالقة في الداخل أو المعلّقة على الحدود.

في العاصمة الألمانية برلين، المدينة الحاضنة للتنوّع، ترى شوارع تعج بسكّان قدامى ولاجئين ومهاجرين من مختلف الجنسيات، يتظاهرون معاً تضامناً مع الشعب الأوكراني ضد احتلال بوتين لها. يقفون معاً في هذه اللحظة ضد الحرب، بمعزل عن أي حسابات أخرى. 

أمّا أنا اللاجئ الفلسطيني السوري الذي استقبلته برلين قبل سبعة أعوام، فأجلس في منزلي الدافئ، أتابع كغيري ما يحدث في أوكرانيا، وسوريا، واليمن، والعراق… أخوض منذ بداية الاجتياح الروسي للبلد الأوروبي المجاور حرباً مع ذاكرتي والحاضر المحيط بي.

 جلّ ما أراه الآن كلما أغمضت عينَي أو فتحتهما، مشاهد متسارعة مقتضبة، مدن مدمرة، وجوه مصدومة، الخصم نفسه يتبجّح بآلته العسكرية، إلى لاجئين متجمّدين على الحدود، جثث وأشلاء مترامية في الشارع، وكأن جسدي عاد إلى تلك الزنزانة المنفردة في فرع المخابرات الجوية العسكرية في دمشق، كما لو أنه في زمننا هذا لا مجال للتعافي من تداعيات الحرب مهما مرّ عليها الزمن… يبدو أن السلام، أينما لجأت، ليس بقريب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني