“الأيقونة والفأس”: أوكرانيا جزء من
إمبراطورية بوتين المتخيلة

موسكو تواصل الابتزاز، والتمعن في خطاب بوتين يعيدنا إلى تسعينات القرن الماضي عندما شن الديكتاتور صدام حسين الحرب على الكويت، مستخدماً العبارات المتشددة والعنجهية.

 في أوائل عام 1994، وبعد 4 سنوات من انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، وصف مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي أوكرانيا القوية والمستقرة بأنها ثقل موازن حاسم لروسيا.

وقال في تنبيه للغرب إنها ينبغي أن تكون محور اهتمام وتركيز الإستراتيجية الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة، فإذا سيطرت روسيا على أوكرانيا فيمكنها أن تعيد بناء إمبراطوريتها من جديد.

اليوم يدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أوكرانيا بمثابة سكين في يد الغرب والولايات المتحدة لاحتواء دولة روسيا وطموحاتها الكبرى.

 حذر برجينسكي بعد انتهاء الحرب الباردة من إذلال روسيا، ومن هنا لم يكن من المستغرب أن يقول له ديبلوماسي روسي يعمل في سفارة بلاده في واشنطن ذات يوم، “المعضلة الحقيقية في علاقتنا بالولايات المتحدة محورها اعتقادهم أن الحرب الباردة انتهت بانتصارهم وهزيمتنا، لذا يتبنون سلوك المنتصر ويتوقعون منا سلوك المنهزم”. أضاف الديبلوماسي: “نحن نرى أن الحرب الباردة انتهت دون إطلاق نار، ودون منتصر ولا مهزوم”، وهذا هو جوهر الخلافات بين موسكو وواشنطن في الكثير من القضايا العالمية، وعلى رأسها مصير أوكرانيا، الدولة المجاورة لروسيا والتي لا يعرف معظم الأميركيين موقعها على الخريطة.

كان بالإمكان برأي البروفيسور ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، بالمرونة والتفاوض الإيجابي تجنب هذه الازمة بأكملها لو لم تستسلم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون للغطرسة والتمني والمثالية الليبرالية، ولو اعتمدوا بدلاً من ذلك على الرؤى الأساسية للواقعية. والواقع أن روسيا ربما لم تكن لتستولي على شبه جزيرة القرم، وأن أوكرانيا سوف تكون أكثر أماناً اليوم، لو اتبعت واشنطن سياسات مغايرة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وأشار والت إلى أنه لو كان صناع السياسة الأميركيين قد فكروا في تاريخ بلادهم وحساسيتها الجغرافية، لكانوا فهموا كيف بدا توسيع حلف شمال الأطلسي لنظرائهم الروس.

بوتين وامبراطورية الأكاذيب

منذ بدء الحرب ضد أوكرانيا، ركزت التحليلات على ما يحدث بالضبط هناك على الأرض. ومع ذلك، لفهم ما قد يحدث الان وفي المستقبل وماهية أهداف الرئيس بوتين بالضبط، ينبغي أن نقرأ بعناية خطابه إلى مواطني روسيا. 

بهذه الطريقة فقط يمكننا فهم السياق العام لما يحدث في أوكرانيا.

يعرّف الرئيس بوتين الولايات المتحدة على أنها عدو ويسميها “إمبراطورية الأكاذيب”، وحلف الناتو ليس إلا “مجرد أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية”. “تلك القوات التي قامت بانقلاب عسكري. في أوكرانيا عام 2014 استولت على السلطة واحتفظت بها من خلال إجراءات انتخابية مزورة”. وبحسب الرئيس الروسي، “أوكرانيا دولة قومية متطرفة ونازية جديدة”. لذلك، بعد تحديد صورة العدو- الناتو وصف السلطة الأوكرانية المنتخبة ديموقراطياً والموالية للغرب، بأنها استولت على السلطة، من خلال انقلاب قام به القوميون المتطرفون والنازيون الجدد بدعم من الغرب”. 

هذه الكلمات عكست بشكل واضح أهداف الحرب التي أعلنها على أوكرانيا الرئيس الروسي وهي: أولاً “توفير الحماية للمواطنين الذين تعرضوا لمدة 8 سنوات لقمع وحشي وإبادة جماعية من قبل نظام كييف”. “هذا هو السبب في أننا سنسعى جاهدين لنزع السلاح واجتثاث النظام من أوكرانيا”.

 احلام اجتثاث أوكرانيا وإزالتها من الخارطة الأوروبية

 الجملة الأخيرة هي التي يجب أن تلفت انتباه جميع القادة والمحللين السياسيين في الغرب والعالم تتمثل في فكر القيصر الروسي وهي أن ما يحدث ليس عملاً عسكرياً محدوداً على أراضي دونباس، بل يتعلق بغزو أوكرانيا بأكملها. وأوضح بوتين، “في الأشهر الأولى، فقدنا مناطق ضخمة ومهمة استراتيجياً وخسرنا ملايين الضحايا. لهذا فإننا لن نرتكب مثل هذا الخطأ مرة ثانية، ليس لدينا مثل هذا الحق”. 

ليس هناك أدنى شك بأن بوتين يجري تشبيهاً غير مناسب تماماً بين أوكرانيا وألمانيا النازية، كما أن خططه لا تقتصر على ما يسمى جمهوريتي لوهانسك ودونيتسك الانفصاليتين، ولكن أيضاً بشعب أوكرانيا بأكمله، الذي قال إنه “وقع تحت نير الحكومة التي استولت على السلطة بانقلاب دموي، بالتواطؤ مع القوميين المتطرفين والنازيين الجدد.

ليس هذا فقط فلقد خاطب الرئيس الروسي في كلمته جنود القوات المسلحة الأوكرانية قائلاً: “لقد أقسمتم الولاء للشعب الأوكراني، وليس للسلطة الحاكمة التي لا تتوقف عن نهب ثروات البلاد، وتمارس الابادة ضد الشعب”، داعياً الجنود والضباط إلى عدم طاعة أوامرها الإجرامية، على حد تعبيره.

 لنضع جانباً هذه العقلية النرجسية والعنجهية في الحديث عن خيارات الدول والشعوب الأخرى، وتحديد ما يضرهم وما يفيدهم، فإن ما يبعث فعلاً على القلق الصدمة، هو وقاحة بوتين بحديثه ومطالبته الجيش بتسليم أسلحته واجتثاث الدولة الاوكرانية بأكملها، أي محوها من الخارطة. 

قامت السردية الروسية (البوتينية) على الاصح حتى الان على حماية السكان الروس في المناطق الشرقية من أوكرانيا التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من الكرملين. انصب اهتمام المراقبين و المحللين طيلة الأسابيع المنصرمة للبحث عن إجابات عما إذا كانت القوات الروسية ستدخل فقط إلى لوهانسك ودونيتسك أو إذا ما كانت ما ستنطلق في حرب فعلية للسيطرة على مناطق اخرى بأكملها أكبر بكثير من هاتين الجمهوريتين اللتان اعترفت بهما روسيا. الواقع أن عدد الروس في المناطق الشرقية والذين منحهم بوتين الجنسية الروسية لا يزيد على 800 ألف من أصل 4 ملايين أوكراني يعيشون منذ عقود طويلة في هذه الأقاليم. لقد أثار بوتين في خطابه قبل شن عدوانه الإجرامي أسئلة اكثر بكثير مما كنا نطرحه حتى الآن، ويرافقها قلق أكبر بكثير. 

مع الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبية في روسيا، يتغير الوضع في الأزمة الأوكرانية بشكل كبير. إن النزاع وما أفرزه من أوضاع استمرت مجمدة منذ 8 سنوات أصبح من الماضي والتاريخ، بعدما أعلنت روسيا رسمياً سيطرتها عليها باعترافها باستقلال المنطقة وإبرامها الاتفاقيات مع القادة الانفصاليين الذين يحكمون عملياً هذه الأقاليم خارج القانون والدولة الاوكرانية. وما يسمى باتفاقيات مينسك وعملية نورماندي أصبحتا في سلة المهملات. هذا يعني إعادة رسم حدود جديدة في أوروبا في انتهاك صارخ للقانون الدولي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

جنون القيصر وتصحيح التاريخ

يعي الغرب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيبحث الآن عن عذر للحرب من خلال شن هجوم أوكراني (على غرار نزاع 2008 مع جورجيا) على القوات الروسية. المحادثات الديبلوماسية، التي كانت حتى الآن محادثات بين الصم، هي مجرد مسألة وقت على الجانبين. 

موسكو تواصل الابتزاز، والتمعن في خطاب بوتين يعيدنا إلى تسعينات القرن الماضي عندما شن الديكتاتور صدام حسين الحرب على الكويت، مستخدماً العبارات المتشددة والعنجهية، ووصف كما يفعل بوتين الآن الكويت بأنها “دولة مصطنعة”، وما أعقب ذلك من دمار وانهيارات سياسية ومجتمعية واقتصادية لم يخرج منها العراق حتى الآن.

أفكار بوتين الآن وتحليله التاريخي لأخطاء لينين وستالين وخروتشوف في منح أوكرانيا الاستقلال وفصلها عن الممتلكات الروسية الأصلية تبدو استنساخاً لرؤية صدام، ما يثير القلق حول مآلات هذه الحرب ونتائجها المجهولة. بوتين وقبله صدام أظهرا نية صريحة وصادمة لمراجعة التاريخ وتصحيحه، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو “إلى أين يمكن أن يذهب بوتين في حربه على أوكرانيا، التي هي في الواقع حرب على أوروبا برسائل إلى الولايات المتحدة؟”.

 بوتين كما يظهر من خطاباته اختار تكتيك تصعيد التوترات بشكل مطرد وإيصالها إلى نقطة تفرض “يالطا” أو “مالطا” جديدة، أي الحديث عن نظام أمني جديد وتوازن جديد في أوروبا والعالم. ولكن ما استطاع تحقيقه حتى الآن هو عقوبات جديدة مدمرة وعزلة دولية شاملة.

يُظهر الرئيس بوتين كل أعراض جنون القيصر، بحسب عالم النفس إيان روبرتسون، الذي توقع أن رئيس الكرملين لن يتوقف عند التهديدات فحسب، بل سيهاجم اوكرانيا ويشن حرباً كارثية ربما تتعدى هذه الدولة إذا لم يتم إيقافه. 

تختلف التقديرات الغربية في الحكم على شخصية بوتين واستجلاء ما يدور في عقله؛ بين من يراه لاعب شطرنج ماهراً على رقعة الخريطة الجيوسياسية العالمية، ومن يراه إنساناً مغامراً يخوض خطوات غير محسوبة العواقب. 

يميز البروفيسور جيلبرت الأشقر، رئيس قسم العلاقات الدولية في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية “سواس” (SOAS)، بين نظرتين مختلفتين يحملهما الغرب عن بوتين: الأولى قبل الأزمة الأوكرانية، وتقول إن بوتين “شخص عدواني لكنه عقلاني”، أما النظرة الثانية “فهي أن الأزمة الأوكرانية أظهرت أن عدوانية بوتين غلبت على عقلانيته”. 

يعود البروفسور جيلبرت إلى المقالات والخطب التي ألقاها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ليصل إلى أنه “بات مهووساً بإعادة أمجاد روسيا القيصرية، ولهذا نجده يوجّه انتقادات لاذعة للثورة البلشفية؛ لأنها هي التي أنهت روسيا القيصرية، والآن يعيش هوس أن يصبح قيصر روسيا الجديد”.

ما هو جنون قيصر؟

بدأ تداول مصطلح “جنون القيصر” عام 1894 من قبل لودفيغ كويد، الذي وصفه بأنه إيمان بألوهيته، وبذخه المسرحي، وتوقه الشديد للانتصارات العسكرية، وهو ميل لممارسة الاضطهاد.

مضى على وصول بوتين إلى رئاسة بلاده أكثر من 21 عاماً. والآن لا يوجد مسؤول أو سياسي في الكرملين يجرؤ على مناقضته. ويحذر المؤرخون وعلماء النفس من أن هذا هو سبب فقدانه الارتباط بالواقع. وكان تسرب قبل سنوات تسجيل صوتي لمكالمة هاتفية بين المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تحدثت خلالها عن الأزمة في شبه جزيرة القرم، وتم تسريب جزء من هذه المحادثة السرية إلى وسائل الإعلام الأميركية، والتي قالت فيها إنها “لم تعد متأكدة مما إذا كان بوتين يسيطر على أفعاله أو علاقاته بالواقع المعاش”.

الموت هاجس بوتين وتفاعلاته العقلية

 يساور بوتين هاجس الموت، لأن متوسط ​​العمر المتوقع للرجال في روسيا هو 68 سنة، وهو احتفل بعيد ميلاده التاسع والستين. هذا الهوس والخوف من الموت دفعاه إلى الانعزال تماماً منذ انتشار “كورونا”. 

المسؤولون الذين يقابلونه، بما في ذلك وزراؤه وكبار مسؤولي الدول والجنرالات في القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية، لا يقومون بتطهير أيديهم وإجراء اختبار فايروس “كورونا” وحسب، بل يخضعون أيضاً للتطهير الميكانيكي لرؤوسهم. يقوم الجهاز الطبي في الكرملين برش المطهر على رؤوسهم وشعرهم وملابسهم، ومن ثم يرغمون ارتداء اللباس الطبي المعقم. كل هذا يحصل في قاعة مخصصة تمكن الروس من مشاهدتها بعدما سمح هو شخصياً للتلفزيون الحكومي بتصوير عملية التطهير، والتي تبدو وكأن الزائر يستحم ببدلته وحذائه. 

يقول عالم السياسة الأميركي والباحث في الديكتاتوريات، فابيان بوركارد، الجمع بين العزلة والقوة الكاملة يمكن أن يكون خطيراً على نفسية أي شخص. قبل شهور وفي حوار تلفزيوني، اختزل الرئيس الأميركي جو بايدن شخصية بوتين بكلمة واحدة عندما نعته “بالقاتل”، في حين وصفه الرئيس الفنلندي السابق بأنه أصبح شخصية متوترة غاضبة تغيب عنها الحكمة. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد ذكر عقب لقائه به أخيراً أن بوتين تغيّر كثيراً وأصبح أكثر توتراً. ورد في تقرير لمراسل صحيفة “صانداي تايمز” في موسكو مارك بينيت أن “بوتين مصمم على تحدي المنطق وشن حرب على أوكرانيا ما أثار الكثير من الأسئلة حول  سلامته العقلية”.

ورأت تاتيانا ستانوفيا، المحللة السياسية في “آر بوليتك”: “إن بوتين عزل نفسه كثيراً خلال العامين الماضيين وأصبح بعيداً من آلة البيروقراطية ومن المؤسسة ومن النخبة. وأمضى وقته وحيداً يفكر بحاله ومخاوفه”. وتقول: “إنه لا يطلب الاستشارة من أحد ولكنه يضع المهمات ويطلب تنفيذها”. وكشف مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية المرتبط في وزارة الخارجية أندريه كورتنوف عن أنه لم يقدم النصح للمسؤولين الروس حول الغزو وأن القرار أدهشهم. وقال: “يمكنني القول إن كثيرين داخل وزارة الخارجية دهشوا وصدموا، وشعروا بالدمار بسبب ما حصل”. ونقلت “بي بي سي” عنه: “هذا خط أحمر اجتازته القيادة الروسية”… وأوضح المحلل تيموثي آش من شركة “بلو باي أسيت” أن “بوتين بات يُعتبر بمثابة التهديد الأكثر آنية لنظام الديموقراطية الغربية الليبرالية”. وقال لوكالة “فرانس برس”، “من المثير للاهتمام أن نسمع القادة الغربيين اليوم (…) إنهم يشعرون أن بوتين خذلهم ويهددهم”، ما جعله “المنبوذ الأول” بالنسبة إلى الغرب. وكتبت رئيسة مجموعة الأزمات الدولية كومفورت إيرو على “تويتر” أن “روسيا قد تجد نفسها في عزلة سياسية واقتصادية غير مسبوقة ولفترة طويلة، مع شروع العواصم الأوروبية وواشنطن بفرض عقوبات بالغة الشدة عليها”. ووفقاً للمسؤول السابق عن الدعاية في الكرملين والمعارض للكرملين آلان غليب بافلوفسكي: “يتواصل بوتين مع العالم الخارجي من خلال دائرة ضيقة، وينزعج إن كان لدى أي منهم موقف أو رأي الخاص، لا سيما إذا كان مغايراً لموقفه، بالنسبة إليه فهذه كارثة”. وطرد بافلوفسكي من الكرملين عام 2011، لمعارضته عودة بوتين إلى الرئاسة مرة ثالثة، وقال إن الزعيم الروسي لم يعد يشبه الزعيم الذي عمل معه وقدم له النصح في الماضي. و”كان ميالاً لمناقشة الأمور مع مستشاريه وكان منفتحا على الآراء البديلة”، واصفاً الهجوم على أوكرانيا “بالضربة الخطيرة”، على الأمن الروسي، مضيفاً: “بوتين السابق لم يكن ليفكر بهذا أبداً، فقد كان رجلاً عقلانياً. اختفى كل هذا الآن ولديه هوس بأوكرانيا لم يظهره في الماضي. وهو يتفاعل مع التخيلات التي تتصارع في عقله”. 

نظرة ثلاثية الأبعاد

البروفيسور الشهير جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة شيكاغو، يرفض التقديرات السطحية السابقة، ويفضل أن يفهم سلوك الرئيس بايدن في ضوء ما يحيط به من أحداث وتطورات تاريخية. ومن الصعب العثور على عالم أو باحث في مجال العلاقات بين الدول بقوة وعمق وتأثير ميرشايمر، الذي تُدرس أعماله وكتاباته لكل طلاب العلاقات الدولية حول العالم منذ الربع الأخير من القرن الـ20 وصولاً إلى قرب نهاية الربع الأول للقرن الـ21.

وطبقاً لرؤية ميرشايمر، تحكم حسابات بوتين نظرة ثلاثية الأبعاد متكاملة ومترابطة، يبدأ أولها بفكرة توسع حلف شمال الأطلسي “ناتو” (NATO) وامتداده شرقاً في اتجاه حدود بلاده، وثانيها توسع وتمدد الاتحاد الأوروبي، وآخرها التبشير بحتمية تحقيق الديموقراطية الليبرالية على النسق الغربي في كل دول القارة الأوروبية. من هنا يؤمن بوتين يقيناً بأن هدف إسقاط نظام الحكم المركزي القوي في موسكو يبقى المحرك الأساسي لكل السياسات الغربية منذ انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي. ومن ناحية ثالثة، يرى بوتين أن الدعوات الأميركية لدعم وتمويل عمليات الانتقال الديموقراطي في دول أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفياتية السابقة، تمثل تهديداً كبيراً للدولة الروسية القوية والمركزية، وبأن هدفها في النهاية إسقاط نظام الحكم في موسكو، واستبداله بنظام صديق لواشنطن والغرب.

يبدو أن هناك تحليلاً يشترك فيه كثر من المحللين الغربيين مفاده أن بوتين وجد في مؤتمر الديموقراطية الذي استضافته إدارة بايدن في كانون الأول الماضي إشارة تبرهن على إعادة تقسيم أميركي للعالم وعودة لمناخ الحرب الباردة وخطوة عدائية تضع واشنطن موسكو وبكين في جانب آخر.

يتجاهل خبراء الشأن الروسي ممن تكتظ بهم شبكات الأخبار الأميركية أن بوتين اعتقد بشكل خاطئ أن حالة الضعف الغربي، وغياب وجود قيادات تاريخية تقدر حجم التحديات المعاصرة وتعقيداتها، توفر له فرصة تاريخية لتحقيق خططه وطموحاته الامبروطورية. إذ رأى مقابله رئيساً أميركياً مُسناً تتدهور شعبيته لتقل عن 40 في المئة، وسط انقسام سياسي لم تشهد له الولايات المتحدة مثيلاً من قبل، ونمو تيار راديكالي بشكل مطرد في قيادات الحزب الديمقراطي وفي الكونغرس، يمثل ما يسمى اليسار التقدمي الذي لا يخفي تعاطفه مع روسيا وانبهاره بشخصيته. واعتبر أن مؤشرات استطلاعات الرأي التي كشفت أن 74 في المئة من الأميركيين لا يريدون أن تلعب بلادهم أي دور بارز في الأزمة الأوكرانية الجارية، وسط تدهور اقتصادي وارتفاع غير مسبوق في نسب التضخم.

استغل بوتين وجود رئيس وزراء بريطاني تطارده الفضائح الداخلية والتحقيقات البرلمانية، كما استغل وجود مستشار ألماني جديد في الحكم جاء على رأس ائتلاف ضمنه أحزاب اشتراكية ويسارية لا تعادي روسيا وتمقت الحروب. واستغل بوتين أيضاً وجود رئيس فرنسي لا يسيطر على هاجسه إلا إعادة انتخابه خلال أسابيع مقبلة. هذا جاء متسقاً مع تجاهل الغرب وأميركا المخاوف منذ 2014، على رغم من سقوط ما يقرب من 14 ألف قتيل أوكراني في معارك بين مناطق أوكرانيا الشرقية وحكومة كييف. ورفض الغرب منح أوكرانيا صفة الحياد لتصبح منطقة عازلة محايدة بين حلف الناتو وروسيا، فما كان من بوتين إلا أن استخدم كل أدواته المتاحة لتغيير واقع لا يرضيه على الأرض باستخدام القوة، وهي اللغة للأسف التي يسهل على الجميع فهمها، برأي الكسندر دوغين ملهم بوتين ومنظر مشروع اتحاد “اوروآسيا” وتقويض الثورات الملونة.

سردية بوتينية مزيفة للتاريخ

كيف يمكن إيقاف بوتين من استفزاز حرب عالمية جديدة، بخاصة بعد تهديده بالسلاح النووي بعد فشل مئات الاف من الجيش الروسي في كسر عزيمة الأوكرانيين وقاداتهم وفي مقدمهم الرئيس زيلنسكي؟

في حوار أجرته إذاعة “بلغاريا” الوطنية مع مدير برنامج السياسة الداخلية والهيئات السياسية في معهد “كارنيغي” في موسكو اندريه كوليسنيكوف قال رداً على سؤال عن ماهية ما يريده بوتين، “من الصعب على تفسير الأمر بالحجج المنطقية ربما في الحالة الراهنة يبدو أن العواطف تلعب دوراً ليس قليلاً في قرارات بوتين، واقصد سرديته الروسية المتخيلة للتاريخ التي تتطابق مع رأي وتفكير عدد كبير من الروس”. وأضاف: “هذا الجزء من السكان يتقبل هذه السردية لأحداث التاريخ القريب ولما يحصل الآن على الواقع. ولكن إذا ما تمعنا في ما يفعله، نجد أن الأمر يتعلق في المقام الأول بالسيطرة على أوكرانيا كجزء من إمبراطوريته المتخيلة والتي تمثل الجزء الأكثر أهمية إلى جانب بيلاروسيا. هذه في الواقع ليست إلا محاولة لإعادة يانوكوفيتش إلى السلطة في أوكرانيا”.

وبرأي كوليسنيكوف”بوتين يريد أن يرغم أوروبا على السير ضمن قواعده، وهو بمطالبه عالية السقوف يقول للأوروبيين والأميركيين، إما أن تلعبوا وفقاً لهذه الخطوط والسياسية أو عليكم أن تواجهوا أوضاعاً جيوبوليتيكية جديدة”.

وأوضح، “إذا بدأت مفاوضات مع الجانب الأوكراني، وهو أمر مشكوك فيه، سيطلب بوتين من زيلينسكي أن يعلن أن أوكرانيا ستكون محايدة. عندما يحصل على ذلك ربما سيترك الرئيس الأوكراني حياً، ولكن من غير المرجح أن يسمح له في هذه الحالة بالبقاء في كرسي الرئاسة”.

إذاً من يستطيع إيقاف بوتين؟

يجيب كوليسنيكوف، “للأسف لا أحد في روسيا لديه النفوذ للقيام بذلك، إذ لا يوجد بديل أو أفكار عقلانية مغايرة، فهو حطم أي نوع من المنافسة في المجال السياسي العام في البلاد، الانتخابات والأحزاب وما إلى ذلك، وحتى في دائرته الداخلية الضيقة. كما أنه دمر المنافسة في أجهزته التي تتبع تعليماته وإرشاداته. وبالتالي لا يمكن العثور على شخصيات سياسية ومسؤولين لا يخافون غضبه وبطشه إذا تجرأوا وأبدوا ملاحظاتهم على قراراته، مهما كان شكل وجوهر هذه الآراء، وبالتالي فإن موافقتهم تحصل على كل ما يقول حتى وإن كان غير منطقي. لسوء الحظ المشكلة تتعدى القرارات السياسية التنفيذية إذ حتى الخبراء الاقتصاديين او من يسمون بالليبراليين من أفراد حكومته ومستشاريه، لا أحد بينهم بإمكانه إيقافه”.

يتزايد عدد الشباب نسبياً في طاقم بوتين وهم يتمتعون بصفتهم نخبة جديدة من التكنوقراط الحاصلين على شهادات من جامعات أميركية وغربية مرموقة، لكنهم لا يكشفون عن نزعاتهم الليبرالية خوفاً من بطشه؛ فلا أحد من مساعديه الجدد يعتنق أي شيء أشبه بوجهة نظر ليبيرالية؛ بل إنهم في واقع الأمر لا يُظهرون أي التزام أيديولوجي أو طموحات على الإطلاق. إنهم في الحقيقة كما وصفهم الزعيم الشيشاني الموالي للكرملين رمضان قديروف “جنود بوتين”.

تشير استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “ليفادا” المستقل لقياس اتجاهات الرأي العام الروسي، قبل اجتياح اوكرانيا، إلى أن 50 في المئة ممن تم استطلاع آرائهم يوافقون على الغزو العسكري، مقابل النسبة ذاتها من الرافضين.

يتضح من الاستطلاع أنهم لا يزالون يضمرون مشاعر ايجابية لأوكرانيا، فمعظم الروس لديهم الكثير من الأقارب والمعارف والأصدقاء في أوكرانيا. هذا وكان مركز ليفادا أجرى بالاشتراك مع المعهد الدولي للدراسات الاجتماعية في كييف دراسة حول علاقة الأوكرانيين بروسيا. يتضح من الاستطلاع أن 69 في المئة من الروس لديهم موقف سلبي من الحكام في اوكرانيا، فيما ينتشر موقف سلبي بين الأوكرانيين من الكرملين، وتصل النسبة إلى 73 في المئة. ويرجح كوليسنيكوف أن أي استطلاع جديد للرأي “ستكون مؤشراته ومعطياته مختلفة تماماً”، متوقعاً أن ترتفع نسبة الأوكرانيين الذين لا يكنون المشاعر الايجابية للحكام الروس وربما ستصل إلى أكثر من 80 في المئة”، ما يعني أن العداء لبوتين ازداد بين الأوكرانيين بعد عدوانه على بلادهم.

بوتين بعد فشل القوات العسكرية في تحقيق أي تقدم في العمليات الحربية على الأرض يعيش صدمة كبيرة، بعدما تجرع سم المقاومة الأوكرانية المستميتة. لقد كان يعيش في عالم متخيل رسم ملامحه لنفسه يؤمن فيه بأن الأوكرانيين سيستقبلونه بالورود والخبز والملح، ربما لأنه لم يقرأ استطلاعات الرأي، إذ لم يجرؤ أي من مستشاريه على وضعها على مكتبه.

يقول كولينسنيكوف “حتى إن كان اطلع عليها ما كان ليصدقها مطلقاً، فهو شخص لا يثق بأحد ممن حوله، ويصدق فقط الاستطلاعات التي تجريها الوكالة الفيدرالية للأمن والاستخبارات الروسية”.

هل من أمل من المفاوضات المرتقبة بين روسيا وأوكرانيا؟

ربما نشهد إجماعاً غير مسبوق بين المحللين والمراقبين بأن أي مفاوضات ستجرى، محكوم عليها بالفشل، لأن بوتين هو من يحدد مساراتها وربما أيضاً يحدد النتائح التي يسعى من أجلها، بغض النظر عن هوية الوسيط وتجربته في مثل هذه الأزمات.

 الحكومات جميعها سواء أكانت استبدادية أم ديموقراطية، فهي تلجأ إلى آلية “التفاوض” مع ضرورة المعرفة المسبقة بأن الاختلاف بين النظامين يتمثل في أن الأنظمة الاستبدادية لا تجد نفسها ملزمة بالامتثال لمتطلبات هذه المفاوضات. يتمتع بوتين بميزة وبأفضلية فائض القوة، لهذا فإن المفاوضات في كل الأحوال ستكون غير متكافئة بغض النظر عن البلد الذي ستعقد فيه، ذلك أن روسيا ستشترك فيها من موقع الطرف الأقوى عسكرياً. 

فوت “الحلف الأطلسي” عام 2014 بعد احتلال روسيا جزيرة القرم وضمها إلى “الاتحاد الفيدرالي الروسي”، فرصة رسم عقيدة عسكرية جديدة تتفاعل مع المتغيرات الخطيرة في السياسة الخارجية الروسية، وتتضمن مفاهيم متشددة للأمن الأوروبي والأطلسي، لا تستخدم مفهوم “الحرب”، ولكن “ليس السلام” أيضاً، بخاصة في ما يتعلق باستراتيجية مكافحة التهديد الروسي المتنامي والمتصاعد بوتيرة سريعة منذ عام 2000 وحتى الآن. وبحسب الباحث في الشؤون الروسية والأوروبية ايفو ماييف، فإن “استراتيجية روسيا تجاه الغرب انطلقت إلى التنفيذ منذ عهد ريغان، عندما تكثفت المجسمات السامة والجيواستراتيجية الخانقة لشبكات الغاز الروسي”.

كانت دول أوروبا الشرقية طوال الوقت الوحيدة التي ظلت تردد أفكارا لم تلق صدى عند الغرب، فقد كانت تلح على أن الحرب لم تنته وأن روسيا تستعد للانتقام لسقوط الاتحاد السوفياتي، إلا أن الحكومات الغربية أصرت على تجاهل ذلك ورفضت الاستماع لهذه الهواجس التي أصبحت واقعا معاشا مع وقوع اوكرانيا كأول ضحية في شباك الانتقام الروسي وما ينجم من جرائم حرب يرتكبها بوتين بحق الشعب الأوكراني. والمفارقة المؤلمة أنه سيتحتم على هذه البلدان استقبال مئات الاف اللاجئين الاوكرانيين الفارين من الحرب، وربما تكون الضحية التالية لجرائم بوتين المرتقبة.

حتى الآن يسود الغموض والضبابية حول مسارات الحرب و القتال، واذا ما كان العدوان سينتهي قريبًا بهزيمة بوتين، او ستدخل أوكرانيا في حال وقعت لقمة سائغة لروسيا حربا أهلية، ومقاومة منظمة، لا تستثني قيام الغرب بإرسال شركات عسكرية وأمنية خاصة إلى أوكرانيا لمساعدة الأوكرانيين في استعادة بلادهم. 

تتأسس العقيدة الإستراتيجية لروسيا على شيء واحد يعرف بتعبير “الأيقونة والفأس”. وهناك أشياء كثيرة يمكن فعلها بالأيقونة والفأس… 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني