أكراد تركيا أصوات انتخابية يحرقها الفائزون

بات الأكراد في السنوات الأخيرة في موقع تحديد المنتصر في الانتخابات التركية ضمن معادلةٍ أصبحت واضحة بالنسبة إلى الساسة الأتراك، قائمة على قاعدة "يفوز من يصوت له الأكراد".


“لدينا أكراد وهم سكان أصليون في البلاد. سوف نسمح بتداول لغتهم الأم، وسيستطيعون الدراسة باللغة الكردية في المدارس والمراحل التعليمية الأخرى التي تليها. سيسمح لهم بالغناء بهذه اللغة في المدارس، الجامعات، دوائر الدولة، الساحات العامة، والشوارع، إلخ. لن تعود اللغة الكردية حبيسة الجدران الأربعة داخل البيوت. ستكون هذه اللغة كاللغة الرسمية الواحدة في البلاد وهي اللغة التركية. لن تكون الكردية أقل شأناً منها. المشكلة الكردية هي مشكلتي“. هذه عيّنة من الجمل التي يمكن سماعها باستمرار من الساسة الأتراك في المراحل التأسيسية لأحزابهم الجديدة قبل أن تشق طريقها نحو السلطة في تركيا.
في 22 شباط/ فبراير 2022 هاجمت عصابة مكونة من 30 شخصاً 3 طلبة أكراد في جامعة “أكدَنيز” في ولاية أنطاليا الواقعة جنوب غربي تركيا، لمجرّد أنهم أكراد بحسب تصريحات الطلبة لوسائل إعلامٍ محلّية، وذلك في أحدث هجماتٍ تتكرر بين الحين والآخر في تركيا، إذ يستهدف المتطرّفون الأتراك، الأكراد إذا تكلّموا بلغتهم الأم. وللمفارقة فقد حصل هذا الهجوم بعد مرور يومٍ واحدٍ على اليوم العالمي للغة الأم من دون أن تقوم السلطات الأمنية باحتجاز المُهاجمين، برغم مطالبة رئيسة الكتلة النيابية لحزب “الشعوب الديمقراطي” المؤيد للأكراد بذلك.

قبل هذا الهجوم بأقلِ من شهر، وتحديداً في 31 كانون الثاني/ يناير الماضي، منعت الشرطة في مدينة اسطنبول مغنيين اثنين من الأكراد من الغناء بلغتهم الأم في شارع “الاستقلال” القريب من ساحة “تقسيم”. وعلى إثر ذلك، بادر الأكراد لا سيما نوابهم في البرلمان التركي عن حزب “الشعوب الديمقراطي”، إلى تحدّي السلطات والغناء مع مغنين آخرين في عددٍ من ساحات أنقرة واسطنبول بعد تلك الحادثة بساعات، لكن اللافت أكثر كان ظهور رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو في خضم عودة “أزمة” اللغة الكردية إلى البلاد.


لقد خرج داود أوغلو في مقطعٍ مصوّر نشره أنصار حزبه الجديد (المستقبل) الذي أسسه في منتصف شهر أيلول/ سبتمبر 2019، على موقعه الرسمي وحسابات الحزب على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي. وكان يبدو فيه متحمّساً وهو يستمع إلى أغنيةٍ كردية، كان يرددها عدد من الشبان الأكراد أمامه في تجمعٍ صغير، وهو بذلك يريد أن يقول للناس إن لا مشكلة لديه مع اللغة الكردية ويستطيع الاستماع إلى أغانٍ بهذه اللغة.
كان توقيت “أزمة” اللغة الكردية مثالياً بالنسبة إلى داود أوغلو الذي يمكنه استغلالها كما درجت العادة لدى الساسة الأتراك في المراحل التأسيسية لأحزابهم قبل أن تحكم البلاد، فالحزب الذي يرأسه لا يزال حديث النشأة، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا على الأبواب، فهي ستعقد في حزيران/ يونيو من العام المقبل، ولذلك صوت الناخب الكردي يُمنح الأهمية القصوى في مثل هذا التوقيت، وبالتالي كان لا بد لداود أوغلو أن يستمع إلى تلك الأغنية الكردية ومن ثم يشارك مقطع الفيديو مع أنصاره.
لكن ألا يعرف الأكراد أن زعيم حزب “المستقبل” اليوم، كان رئيساً للوزراء في الأمس، ولم يبادر يوماً إلى اتخاذ أي قرارٍ بفرض اللغة الكردية كلغةٍ رسمية في البلاد، وهو الذي كان حينها يدير تركيا من بابها إلى محرابها، قبل أن يقوم رئيسها الحالي رجب طيب أردوغان بإلغاء هذا المنصب ونقل كامل صلاحياته إلى الرئاسة؟
وبالمثل فإن تصريحات أردوغان الأخيرة وزيارته مدينة سيرت، مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تبعث انطباعاً عن تكتيك جديد سيتّبعه حزبه الحاكم وهو “العدالة والتنمية” لإرضاء الأكراد قبل الانتخابات الحاسمة العام المقبل. فقد سبق أن قال أردوغان عن عملية السلام في مدينة ديار بكر عند زيارته لها في تموز/ يوليو من عام 2021 الماضي: “نحن من بدأ بمسار السلام، لكننا لم ننجح في ذلك”. في إشارة إلى إمكانية استئناف مفاوضاته مع حزب “العمال الكردستاني” المحظور، مرةً أخرى. ويبدو أن حزب “العدالة والتنمية” عازم على الشروع في إحياء عملية السلام مع الحزب المحظور لدى أنقرة، ليحاول بذلك استعادة أصوات الناخبين التي خسرها في المناطق الكردية.
ومع ذلك، لم يعد إطلاق مثل هذه الوعود بمنح حقوق الهوية أو الاستماع إلى الأغاني الكردية، يغري الأكراد، فهم اعتادوا على هذا الأمر عند تشكيل أحزابٍ جديدة في تركيا وقبيل أي انتخاباتٍ تشهدها. وقد أوصل الأكراد وبخاصة ناخبو حزب “الشعوب الديموقراطي” أكرم إمام أوغلو إلى رئاسة بلدية اسطنبول في حزيران 2019، لكن الأخير ماذا فعل لأجلهم؟ حتى إن الحزب الذي ينتمي إليه وهو “الشعب الجمهوري” الذي شكّل تحالفاً سياسياً يتكون من ستة أحزابٍ معارضة لأردوغان في الفترة الأخيرة، يكتفي بالتسويف ولم يعمل بشكلٍ جاد حتى الآن، على ضمِّ الحزب المؤيد للأكراد إلى صفوفه.


تتخوف الأحزاب المعارضة في تركيا من مسألة وجود تحالفٍ معلن مع حزب “الشعوب الديموقراطي” لجهة اتهامه من حزب “العدالة والتنمية” وحليفه في حزب “الحركة القومية” اليميني المتطرّف، على اعتبار أنه امتداد لحزب “العمال الكردستاني”. لكن المشكلة أن الأحزاب المعارضة تكيل التهمة ذاتها للحزب المؤيد للأكراد وإن بطريقةٍ غير مباشرة، وهو ما يمنعها من إعلان التحالف مع هذا الحزب برغم أنها بحاجة لأصوات ناخبيه للفوز في أي انتخاباتٍ تشهدها البلاد، خشية من خسارة أصوات القوميين في صفوفها!
بات الأكراد في السنوات الأخيرة في موقع تحديد المنتصر في الانتخابات التركية ضمن معادلةٍ أصبحت واضحة بالنسبة إلى الساسة الأتراك، قائمة على قاعدة “يفوز من يصوت له الأكراد”. هذا التأثير في الحياة السياسية التركية يعتبر فرصة تاريخية لأكراد تركيا من أجل المضي قدماّ في معركة النضال من أجل حقوقهم، من دون أن ننسى صعوبة إيجاد حلٍ لهذه القضية عبر البرلمان التركي الذي يتمّ تسجيل اللغة الكردية في سجلّاته الرسمية على أنها “لغة غير معروفة”، وذلك رداً على تحدّث نواب حزب “الشعوب الديمقراطي” بلغتهم الأم خلال مناقشات ميزانية عام 2022.

ما يحصل اليوم من دعاية للغة الكردية على غرار “أغنية داود أوغلو”، وهو أمر فعله أردوغان في السابق، وكذلك العضو البارز في حزبه بن علي يلدريم الذي كان يقول “صباح الخير” باللغة الكردية خلال تجمع انتخابي قبل سنوات في ديار بكر، لن يجدي نفعاً إن لم تقدم هذه الأحزاب على اتخاذِ خطوات فعلية ملموسة لحل المسألة الكردية، وإلا ستبقى اللغة الكردية والمسألة الكردية برمّتها في تركيا بالنسبة إلى هذه الأحزاب بمثابة وسيلة للوصول إلى السلطة. وقبيل ذلك سيكون هناك أكراد ومدنٌ كردية وأرضٌ كردية وأكرادٌ يؤسسون أحزابهم، إلا أن كل هذه الأحزاب ستنسى الأكراد كعادتها بعد الوصول إلى السلطة، حتى بات بإمكاننا أن نقول: نعم، في تركيا هناك أكراد قبل الانتخابات، لكن لا أكراد بعدها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني