“الشوئسمو” و”الماغيرو” لإنعاش الثورة السوريّة إلكترونياً

يخلق كبت الحريات أساليب أخرى للتعبير وليس العكس، تستشعر في رسائل السوريين الغضب الذي لم يهدأ بعد ولم تسكته سنوات من القتل والتهجير والاعتقال.

“من الشمال الإدلبي… بدك تسقط لاااك… أنت وفصايلنا كمان”، “لسا بدنا حريّة… ارحلْ يا فاشل”، “من قلب دمشق… عاشت سوريا… ويسقط بشار الأسد”. 

نماذج قليلة من رسائل تبادلها سوريون مكتوبة على قصاصات ورقية وملتقطة في أماكن متفرقة من سوريا، ومنشورة على صفحتي “الماغيرو” و”الشوئسمو” على “فايسبوك”.

إيصال صوت السوريين في الداخل

يشير مصطلح “الماغيرو” إلى شخصٍ بعينه وغالباً هو شخصية مهمة، فمثلاً لو قلت لأحده،م هل تذكر الشاب الأزعر الذي أصبح وزيراً؟ وعرفه الطرف الآخر، تجيب: نعم، نعم “ماغيرو”، أما “الشوئسمو” فهي كلمة تطلق حين لا يود الشخص ترديد كلمة أو اسم فبدل أن يقول “جنس” أو “الرئيس” أو “الأمن السوري”، يقول الشوئسمو. 

تنشر الصفحتان صوراً لقصاصاتٍ ورقية تطالب بالحرية والديموقراطية وتنحي الأسد، يكتب المرسل في أسفل الورقة التاريخ ومكان التقاط الصورة، وكلما كانت الصورة ملتقطة بالقرب من نقطة عسكرية أو مؤسسة تابعة لنظام الأسد، تكون أكثر أهمية ووقعها أكبر إذ إن صاحبها خاطر بنفسه في سبيل قول رأيه. استطاع أحدهم التقاط صورة وسط شعبة “حزب البعث”، وتوسعت الحملة لتشمل السوريين المنتشرين في كل العالم، وطالب البعض بإسقاط النظام حتى يتمكن من العودة إلى بلده. تبدو الرسائل في البداية دعابة إلّا أنها في الواقع أقرب إلى الانتفاضة الإلكترونية، يستشف متابعها أن ادعاءاتِ انتهاء الثورة السورية ليست صحيحة تماماً.

وفي لقاء لـ”درج” مع المسؤول عن الحملة والذي فضّل عدم ذكر اسمه، قال إن الفكرة بدأت مع تظاهرات السويداء عام 2020 وكانت لديه صفحة وحيدة باسم “الشوئسمو” ينشر فيها عمومياتٍ ساخرة، لاحقاً أنشأ صفحة “الماغيرو” وأعلن عن انطلاق حملة على الصفحتين، الهدف منها توصيل أخبار السوريين في الداخل، إذ كانوا يشعرون بالفعل أن أصواتهم لا تصل، ولا أحد يسمعهم. 

هل المشاركون في أمان؟

نشر مدير الصفحة الصور مباشرةً عام 2020، لكن مع الوقت بات أكثر خبرة وحذراً، وفي الحملة الحالية يمسح التاريخ ويضلل مكان التصوير في حال دلَّ على صاحبه، أو يغير وقت التحميل. لكن هل فعلاً الصفحة آمنة؟ هل مرسلو الصور بعيدون من الخطر؟ 

حملة كهذه لا يمكن أن تبدأ ببساطة، بخاصة وسط المخاوف الجدية من النظام، إلّا أنه وبحسب صاحبها فالناس يتابعونه منذ سنين ويثقون بصفحته، وباتوا يعرفون توجهاته، وهو ما شجعهم على إرسال صور القصاصات الورقية، واثقين بأن صوتهم سيصل من دون رقابة أو تشفير أو تسييس. يؤكد صاحب الصفحة أنه حتى الآن لم يتعرض أي شخص في الداخل إلى الخطر لأن من يقوم بالحملة هم مدنيون ويدركون ظروف بيئاتهم والأخطار التي قد تهددهم.

إذاً يخلق كبت الحريات أساليب أخرى للتعبير وليس العكس، تستشعر في رسائل السوريين الغضب الذي لم يهدأ بعد ولم تسكته سنوات من القتل والتهجير والاعتقال. الحرية وإسقاط النظام من مطالب السوريين التي لم تتغير وإن تغيرت وسائل التعبير عنها.

هجوم “الشبيحة” على طريقة 2011

من الطبيعي أن تلقى الحملة هجوماً من المؤيدين وشبيحة النظام، الذين حاولوا تكذيب ما يحصل، بادعاء أنها صور مفبركة على “فوتشوب”، بينما اتهم آخرون الصفحة بالحصول على المال القطري مقابل ما ينشرون وهذه تهمة مضحكة، إذ تعيد إلى الذاكرة سيناريو عام 2011 حين ادعى النظام أن التظاهرات صوّرت مسبقاً في قطر وسط مجسمات تشبه الواقع، واتهم المحتجون بالحصول على المال مقابل خروجهم إلى الشارع! وهذا يعني عدم تغير طريقة تفكير النظام على الإطلاق، إذ ما زال متشبثاً بسلطة مبنية على الأكاذيب، بينما اعترض آخرون معتبرين ما يحدث نوعاً من الفتنة، مطالبين بقبول الواقع وانتظار الفرج.

ووسط كل هذا، من المهم التركيز على تنظيم مدير الصفحة للنشر، إذ يرفض نشر صورٍ تحوي شتائم بحق الأم أو الأخت أو حتى لعن أرواح الموتى، معتبراً أن من يفعل ذلك ما زال عالقاً في عام 2011، مؤكداً أنه يرفض نشر صور أعلام أو توجهات لأن الموضوع ليس سياسياً فقط، إنما مدني واجتماعي ومطلبٌ محق وليس صراعاً بين طائفتين أو بين فريق وآخر.

لكن السؤال كيف بإمكان النظام اليوم قمع الاحتجاجات الإلكترونية التي قد تتوسع وتكبر؟ وهل يستطيع بالفعل إيقافها؟ قد يتمثل الخطر في أن يراك عنصر أمن أو واشٍ، تلتقط صورة في مكان عام، أو أن يخترق النظام صفحة الحملة على “فيسبوك”، لكنها تبقى أخطاراً صغيرة، مقابل ما حدث سابقاً من إطلاق النار وقصفٍ للمدنيين.

اعتقدَ البعض أن الانتفاضة والثورة انتهتا في سوريا منذ زمن بعيد، وأن الناس نسوا مع الوقت، إلا أن الجمر ما زال مشتعلاً تحت رماد التهجير والقتل والقصف والاعتقال، وهي نار تمتد إلى الصفحات السرية، لعل “الماغيرو” يشعر ببعض الذنب…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني