fbpx

إيطاليا: انتكاسة كبرى (أخرى) للديمقراطيّة الليبراليّة

مارس 7, 2018
اوروبا السياسيّة والإيديولوجيّة تنزاح أكثر فأكثر إلى اليمين. في العام الماضي، جاءت الانتخابات النمسويّة لتوصل إلى الحكومة ائتلافاً من "حزب الشعب" الديمقراطيّ المسيحيّ و"حزب الحرّيّة" شبه الفاشيّ الذي نال 51 مقعداً من أصل 183. "حزب الشعب" لا يقف على رأسه هذه المرّة واحد من الساسة التقليديّين والوسطيّين، بل قائد الجناح اليمينيّ والنضاليّ فيه: إنّه سيباستيان كورتز، ابن الـ 31 عاماً الذي غدا أصغر رئيس حكومة سنّاً في العالم. نائبه في رئاسة الحكومة ليس سوى قائد "حزب الحرّيّة" هاينز كريستيان ستراشه. إذاً نحن أمام "المتطرّف" و"الأشدّ تطرّفاً".

 
اوروبا السياسيّة والإيديولوجيّة تنزاح أكثر فأكثر إلى اليمين. في العام الماضي، جاءت الانتخابات النمسويّة لتوصل إلى الحكومة ائتلافاً من “حزب الشعب” الديمقراطيّ المسيحيّ و”حزب الحرّيّة” شبه الفاشيّ الذي نال 51 مقعداً من أصل 183. “حزب الشعب” لا يقف على رأسه هذه المرّة واحد من الساسة التقليديّين والوسطيّين، بل قائد الجناح اليمينيّ والنضاليّ فيه: إنّه سيباستيان كورتز، ابن الـ 31 عاماً الذي غدا أصغر رئيس حكومة سنّاً في العالم. نائبه في رئاسة الحكومة ليس سوى قائد “حزب الحرّيّة” هاينز كريستيان ستراشه. إذاً نحن أمام “المتطرّف” و”الأشدّ تطرّفاً”.
شيء كهذا حصل في إيطاليا يوم الأحد الماضي. الإيطاليّون اختاروا، بنسبة إقبال بلغت 73 بالمئة، برلمانهم (630 لمجلس النوّاب و315 لمجلس الشيوخ). النتيجة جاءت على الشكل التالي:
كائتلاف حزبيّ، جاء ائتلاف يمين – الوسط ليحظى بالمرتبة الأولى، لكنْ كحزب منفرد، احتلّت “حركة النجوم الخمس” المرتبة الأولى. نتائج مجلس الشيوخ لم تختلف كثيراً.
من هم هؤلاء؟
الائتلاف يضمّ حزبين أساسيّين: “العصبة” (ترجمتها بعض الصحف العربيّة “الرابطة”) و”إيطاليا إلى الأمام”. معهما حزب صغير شبه فاشيّ اسمه “إخوان إيطاليا”، لا يخفي انزعاجه من نتائج الحرب العالميّة الثانية وهزيمة موسوليني ومصرعه.
“العصبة” كانت تسمّي نفسها في السابق “عصبة الشمال” وتنادي بانفصال الشمال الإيطاليّ الغنيّ عن الجنوب الفقير. هدفها كان إنشاء “دولة بادانيا” المستقلّة، وهي تسمية لا تخلو من الاستنجاد بالأساطير لمناطق الشمال. “إيطاليا إلى الأمام” حزب سيلفيو بيرلسكوني، صاحب التلفزيونات والنوادي الرياضيّة ورئيس الحكومات العديدة، وطبعاً رجل الفساد واللاصواب على أنواعه.
في البداية، بدا أنّ بيرلسكوني هو قائد الائتلاف. الأرقام قالت غير ذلك. “العصبة” أحرزت أكثر من 17 بالمئة. “إلى الأمام” فازت بـ 14.
“العصبة” وجدت في اللاجئين والمهاجرين ضالّة كراهيّتها. هم ليسوا فقراء فحسب كالإيطاليّين الجنوبيّين، بل أجانب أيضاً. حين تتراخى حيال اللاجئين تؤكّد تفضيلها أن يكونوا مسيحيّين، أو أقلّه ألاّ يكونوا مسلمين. قائدها هو ماتيّو سالفيني (41 عاماً). قوّتها الأساسيّة في الشمال. إنّها الموازي الإيطاليّ لبريكزيت البريطانيّ ولدونالد ترامب. عداؤها للاتّحاد الأوروبيّ ولليورو معلن، وكذلك حماستها لبريكزيت. سياستها الاقتصاديّة نيوليبراليّة بالكامل. أسوأ من هذا: سالفيني صديق مارين لوبن، زعيمة “الجبهة الوطنيّة” الفرنسيّة التي سارعت إلى تهنئته بُعيد إعلان نتائج الانتخابات، وهو معجب بالرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، وشعاره “الإيطاليّون أوّلاً”. في أحد مهرجاناته الانتخابيّة قال متفاخراً إنّ إيطاليا “بلد عِرقيّ”. اتّهم جورج سوروس وقوى أخرى ليبراليّة وتقدّميّة بالسعي إلى “تحويل أوروبا مخيّماً ضخماً للّجوء”، ووعد بـ “تطهير” بلاده من المهاجرين “بيتاً بيتاً وشارعاً شارعاً وحارةً حارة، ولو بالقوّة إذا لزم الأمر”. التأثّر بلغة معمّر القذّافي، حين هدّد بسحق الثورة الليبيّة، لا يخفى على أحد.
أمّا بيرلسكوني (81 عاماً) فسبق له أن وصف المهاجرين غير الشرعيّين بـ “القنبلة الاجتماعيّة المؤقّتة الجاهزة لأن تنفجر”، وتعهّد بترحيلهم جماعيّاً. لكنّه قياساً بحليفه يبدو “معتدلاً” ومطمئناً للأوروبيّين إلى أنّه لن يغادر الاتّحاد. مع هذا لن يستطيع بيرلسكوني تسلّم منصب رسميّ قبل 2019، بسبب حكم صدر عليه عقاباً على خداعه الضريبيّ.
الائتلاف سينال في الحدّ الأقصى 268 مقعداً، أي لن يبلغ الأكثريّة: 316 مقعداً.
في المقابل، نالت “حركة النجوم الخمس” الشعبويّة التي أسّسها في 2009 الكوميديّ بيبي غريّو، أكثر من 32 بالمئة. قضيّتها المعلنة العداء لـ “المؤسّسة” وفسادها. على عكس نيوليبراليّة “العصبة”، تصرّ على توجّهات شعبويّة “لصالح الفقراء”. مؤسّسها غريّو كان قد طعّمها منذ بدايتها بنزعة تآمريّة حادّة في تأويل بعض المسائل، بما فيها جريمة 11 أيلول (سبتمبر) 2001. هناك شيء لا ساميّ ضامر فيها.
قائدها الحاليّ لويجي دي مايّو (31 عاماً، ولد في السنة نفسها التي شهدت ولادة رئيس حكومة النمسا) أسبغ عليها ديناميّةً وشباباً. اكتسحت الجنوب عموماً، وخصوصاً مناطقه الأفقر والأكثر غضباً بسبب الفساد والمصاعب الاقتصاديّة والهجرة. “النجوم” كانت قد “وعدت” بترحيل مئات آلاف اللاجئين والمهاجرين وتحدّثت عن “خطر” الإسلام. إنّها ضدّ “المؤسّسة”. ضدّ أوروبا. ضدّ اللاجئين.
“النجوم” ستنال في الحدّ الأقصى 236 مقعداً.
من ناحية أخرى، مُني يسار الوسط، الأوروبيّ الهوى، بهزيمة فادحة. أكبر أحزابه “الحزب الديمقراطيّ” بقيادة رئيس الحكومة ماتيّو رِنزي عجز عن إحراز 20 بالمئة من الأصوات. نالوا فقط 19. رنزي، على الأرجح، سيتقاعد.
إذاً، المتفرّعون عن المسيحيّة الديمقراطيّة البائدة الذين ضاعفوا يمينيّتهم هزموا المتفرّعين عن الحزب الشيوعيّ البائد الذين اتّجهوا ديمقراطيّاً. معاقل “الحزب الديمقراطيّ” في الشمال عاقبته على أدائه الحكوميّ في السنوات القليلة الماضية. في الحدّ الأقصى سوف يحظى ائتلاف يسار الوسط بـ 127 مقعداً.
الاقتصاد تصدّر الاهتمامات الانتخابيّة. الاقتصاد الأوروبيّ الثالث (بعد خروج بريطانيا من الاتّحاد) بدأ يتحسّن مؤخّراً، إلاّ أنّه لا يزال الأسوأ بين دول اليورو. التقديرات تقول إنّ الرجوع إلى معدلّات 2007، أي ما قبل الأزمة الماليّة، يستغرق ما بين 5 و6 سنوات. الدَين الإيطاليّ هو الأسوأ في أوروبا بعد اليونان، وقد بلغ 132 بالمئة من إجماليّ الناتج المحلّيّ. صحيح أنّ تحسّناً طرأ في الانتاج الصناعيّ والتصدير، لا سيّما في مجالات الأزياء والسيّارات والموادّ الغذائيّة ممّا تُشتهر به إيطاليا تقليديّاً، وأنّ حكومة رنزي أوجدت منذ 2014 مليون فرصة عمل، لكنّ المطلوب أكثر بكثير، فكيف وأنّ 600 ألف فرصة عمل من الفرص الجديدة جزئيّة (part time) لا تطمئن أصحابها.
نسبة البطالة حاليّاً 11 بالمئة. وفي الجنوب خصوصاً ارتفعت صاروخيّاً لتبلغ 29 بالمئة. في 2016 بات عدد المهدّدين بالفقر 18 مليوناً، بعدما كانوا 3 ملايين في 2006.
الشاغل الثاني هو اللاجئون من ليبيا وعبرها، ومن بلدان أخرى. هؤلاء تجاوز عددهم الـ 600 ألف. انخفض العدد من 180 ألفاً في 2016 إلى 120 ألفاً في 2017 بفضل سياسة رنزي التي اعتمدها الاتّحاد الأوروبيّ: قدّموا مساعدات إلى ليبيا وهي تتكفّل بالحدّ من تدفّقهم. لكنّ أغلبيّة الإيطاليّين تريد إجراءات أشدّ راديكاليّة وقسوة بكثير.
اليوم ما من طرف يحظى بأكثريّة تتيح له أن يحكم، والقول الشائع هو أنّ إيطاليا بلد غير قابل لأن يُحكم. لهذا تبدو هندسة ائتلاف حاكم أمراً صعباً. يبقى أنّ أسوأ مشاريع الائتلاف هو ما يضمّ المتطرّف والأكثر تطرّفاً، أي “العصبة” و”النجوم”. ائتلاف كهذا سيكون كفيلاً بإخراج إيطاليا من الاتّحاد الأوروبيّ، وبإعلان حروب ثقافيّة ودينيّة تصاحب حملات على اللاجئين والمهاجرين.
والحال أنّ بين “العصبة” و”النجوم” خلافات كثيرة، في عدادها الموقف من بيرلسكوني، حليف الأولى ورمز الفساد في نظر الثانية. والطرفان قالا إنّهما يرفضان الائتلاف معاً في حكومة واحدة، لكنْ من يدري؟
في المقابل، فالعجز عن بناء ائتلاف حكوميّ يعني تراجعاً في النموّ مصحوباً بعدم توافر القدرة الأوروبيّة على الإنجاد في ظلّ الاستغراق بمعالجة الوضع اليونانيّ.
كيفما تقلّبت الأحوال، لن تكون إيطاليا بخير. وأوروبا أيضاً لن تكون كذلك: ألمانيا وفرنسا الديمقراطيّتان البرلمانيّتان تبدوان، بعد الانتخابات الإيطاليّة، أضعف. ألمانيا استغرقها بناء ائتلافها الكبير 6 أشهر فيما يوالي حزب “البديل” نموّه. فرنسا – ماكرون لا يزال الشكل في سلوكها طاغياً على المضمون. كلّ اقتراب من المضمون سيضعف ماكرون. الولايات المتّحدة التي انعدم تأثيرها الديمقراطيّ في ظلّ ترامب تهدّد الأوروبيّين بالحرب التجاريّة. والبلدان الحدوديّة الأوروبيّة تزداد جنوحاً إلى اليمين الشعبويّ في ظلّ المخاوف، المفتعل منها قبل الفعليّ، من اللجوء والهجرة، وفي ظلّ الأزمة الاقتصاديّة. يصحّ هذا في إيطاليا جنوباً وفي النمسا ومن ورائها هنغاريا وبولندا شرقاً.
طرف واحد أسعدته، من دون شكّ، نتائج الانتخابات الإيطاليّة: إنّه فلاديمير بوتين صديق بيرلسكوني ومحطّ إعجاب “العصبة” و”النجوم” معاً. قد يضغط لحمل الطرفين الأخيرين على بناء ائتلاف شعبويّ مناهض لأوروبا، وائتلاف كهذا سيكون أحد إنجازاته ضرب الإجماع القارّيّ على سياسة العقوبات لروسيا بسبب أوكرانيا.
إنّ الديمقراطيّين في إيطاليا، وفي عموم أوروبا، ممّن عاينوا وعانوا تحوّلات السنتين الماضيتين في بريطانيا والولايات المتّحدة والنمسا، تواجههم اليوم انتكاسة كبرى (أخرى) للديمقراطيّة الليبراليّة.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني