هبة طوجي في دمشق:
هل تغني لنظام الأسد أم للسوريين؟

فبراير 25, 2022
هل كان الإعلان أقل إثارة للجدل لو غنت هبة في مكان عامٍ لا يحمل أي إشارة لعائلة الأسد؟

ما معنى أن تغني الفنانة اللبنانية المعروفة هبة طوجي في دار الأسد للثقافة والفنون؟

السؤال مشروع للوهلة الأولى، إذ يبدو تجاوز مأساة ملايين السوريين والغناء في مسرح باسم من تسبب بالمأساة السورية شأناً غير إنساني، فكيف بإمكان فنانة تدرك تماماً معنى الديكتاتورية أن تحيي حفلة تحت رعاية نظامٍ قاتل؟ 

تطرحُ هذه القضايا في كل مرة جدلاً حاداً حول ما إن كانت مشاركة فنان في حفل في الداخل السوري هو تطبيع مع النظام، أو مساحة يحتاجها من هم عالقون في الداخل السوري. فكيف يمكن حل هذه المعضلة؟

هل يحق لفنان الغناء في سوريا لأجل الفن فقط بعيداً من التوجهات السياسية؟ وهل يحقّ للسوريين العالقين في الداخل ومن يحتاجون إلى فسحة صغيرة أن يستمعوا إلى أصوات عالمية ويحصلوا على أبسط حقوقهم في الاستماع إلى فنانٍ يحبونه؟

هل كان الإعلان أقل إثارة للجدل لو غنت هبة في مكان عامٍ لا يحمل أي إشارة لعائلة الأسد؟ وجهة النظر التي ترى أن غناء أي فنان في دار الأسد للفنون هو شكل من الموافقة على أعمال هذا النظام، صحيحة إلى حد كبير، لولا وجود جانب آخر، منسي أو يتغاضى عنه معارضو النظام لأنهم ربما لا يريدون لأي شيء أن يطغى على معارضتهم، لا يريدون السماح لتفسير مختلف بالخروج إلى السطح كـ”لا بأس في أن تغني هبة في سوريا”، هناك خشية داخل المعارضة من انتصار النظام بأي شكل، حتى إن كان عبر حفلة.

تطرح القضايا المشابهة الكثير من وجهات النظر، منها أن النظام تمكن بطريقة أو بأخرى من البقاء لليوم، مستخدماً وسائله الدموية والوحشية قبل كل شيء، وتلتها تحالفات إقليمية وعالمية جعلت وجوده أمراً محتوماً إلى أجل غير معلوم، ولا يبدو أن تنحيه سيكون قريباً، بخاصة مع قوة روسيا التي تتعاظم يوماً بعد آخر، واليوم تمشي علاقات التطبيع العربية مع النظام الدموي على قدم وساق، ولا يوقفها شيء لا الرفض ولا الاحتجاج ولا حتى كشف الفظائع.

إقرأوا أيضاً:

ماذا لو توسع الاحتجاج ضد غناء هبة في سوريا وأُلغيت الحفلة بالفعل، ومن بعدها ألغى فنان ثانٍ وثالث ورابع حفلاتهم في الداخل السوري، ما النتيجة؟ هل سيؤثر ذلك في النظام السوري بشكل مباشر؟ هل سيولول النظام من رفض أي فنان الغناء في سوريا؟ ألم ينفِ بالفعل أهم فناني سوريا ومثقفيها وموسيقييها إلى الخارج، ومنهم من هو أهم من هبة بكثير؟ هل الاعتراف بألا فائدة من اتخاذ المواقف ضد النظام انهزامية؟ ربما، لكنّ الحقيقة أن سوريي الداخل هم من يدفع الثمن في كل شيء، من عقوبات قانون قيصر، مروراً بعزل سوريا عن العالم وتقطير المواد الأولية على العائلات، وصولاً إلى حفلة هبة اليوم. الطالب اليوم في الجامعات السورية غير قادر على الوصول إلى مصادر علمية في دراسته، لأن الحصار يعني منع وصوله إلى مواقع الجامعات والأبحاث وكل ما يتعلق بها، وإن رغب الطالب في البحث عن معلومة ما، فخياراته محدودة للغاية، على الجانب الآخر ما زال النظام يستورد الإلكترونيات والسيارات وأحدث إصدار من جهاز “الأيفون”، من دون أي مشكلة، ويتم بيعها للمتنفذين ورؤوس السلطة وأبنائهم.

المعضلة الأخرى اليوم هي في سعر التذاكر فبينما اعتقد السوريون أنها ستكون مقبولة إلى حد ما، إلا أن الأسعار بدت صادمة للبعض، إذ تراوحت بين 40 ألف ليرة سورية (11 دولاراً أميركياً) و120 ألف ليرة سورية (34 دولاراً أميركياً). أسعار البطاقات في دار الأوبرا بدمشق عادة مقبولة إلى حد كبير وتبدأ من 2000 ليرة أي أقل من دولار واحد وقد تصل إلى 15 ألفاً، أي نحو خمسة دولارات، بحسب الفنان وشهرته أو حجم الحفلة، لكن عندما تكون الحفلة خاصة ومن تنظيم أكاديمية “شمس” ترتفع الأسعار. مع العلم أن البحث عن أكاديمية شمس على شبكة الانترنت لم يفضِ إلى الكثير من النتائج، فلا معلومات دقيقة عن صاحبها أو مموليها، ومن الشائع أن كل شركة يتلبسها الغموض في سوريا ينتهي بها الحال لتكون تابعة للنظام أو لأسماء الأسد.

إشارات الاستفهام ليست حول أكاديمية شمس وحسب، فمن ضمن راعي الحفل شركة أمنية تدعى “بروغارد”، وهي شركة مختصة بخدمات الحراسة والحماية والمراقبة، لماذا اليوم ترعى شركة كهذه حفلاً فنياً في سوريا؟ وكما أكاديمية شمس لا معلومات واضحة عن خلفية هذه الشركة أو مؤسسيها.

اليوم ومع السعر المرتفع للبطاقات سيصعب على كثيرين من محبي هبة الحضور، إذ يساوي متوسط راتب الموظف السوري نحو 30 دولاراً أميركياً، مع الإشارة إلى أن الكثير من الشباب من عشاق هبة ما زالوا في الجامعات أو هم عاطلون من العمل، بسبب الوضع الاقتصادي السيئ، وسيقتصر الحضور على القادرين على دفع هذا المبلغ من الأغنياء ومن متوسطي الحال الذين قد يضطرون إلى الاستدانة. يقول أحد الشبان الذين كان يتمنى حضور الحفلة، أنه عام 2020 اشترى بطاقة الحضور لحفلة هبة بعشرة آلاف ليرة سورية فقط، أُلغيت الحفلة بسبب أزمة “كورونا”، فلماذا تضاعف السعر على رغم أن سعر الصرف لم يتغير؟ ويختم محتجاً على عجزه عن الحضور: “في ناس أحق أنها تنبسط بهبة طوجي من ابن المسؤول”. والسؤال هنا مع تفهم تكاليف هكذا حفلات من إضاءة وأجور وإقامة الفنانين في الفندق وأجور الموسيقيين، والتي قد يغطي بعضها ثمن بيع البطاقات، لكن أما من حل بديل؟ كنقل الحفل على التلفزيون فيتمكن من لا يستطيع الدفع من مشاهدة إحدى الحفلتين المقامتين في 9 و10 آذار/ مارس، إن كان محظوظاً بالكهرباء في التوقيت ذاته.

يحقّ اليوم لسوريي الداخل الفرح لكن مع سعر البطاقات ومحدودية الأعداد، سيبقى هذا الفرح ناقصاً وممنوعاً، وسيحرم كثيرون من هذا الشعور، لذلك فالمعضلة السورية اليوم تجبرنا على النظر إلى كل الإشكاليات والجدالات من زوايا عدة، فهنا لا يمكن إطلاق حكم واحد ونهائي كما في قضايا أخرى، فهل رفع اسم عائلة الأسد على أماكن فنية وثقافية يجعل من مرتاديها أو منظمي حفلات وفعاليات فيها مطبعين مع هذا النظام؟ وما البديل للعالقين في الداخل الذين لا يملكون رفاهية الاختيار أصلاً؟ هل يتوقف الفنانون عن زيارة سوريا ويستمر سوريو الداخل بالشعور بالظلم وبالحصار وبنهب خيراتهم من قبل النظام وتضييق الخناق عليهم؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني