“نايت بيرد” التي رفرفت بذراعيها فارتفعت قليلاً عن الأرض

مذ غنت، و"نايت بيرد" تنثر الأمل على الكوكب، ابتساماتٍ وكتابةً. يتفقدها الناس كل يوم. ينتظرونها كي يفرحوا بأنها ما زالت تعاند المرض. لا يريدون على الأرجح أن تنكث بوعدها مع أنها لم تعدهم بشيء غير الأمل.

بدا غريباً، زائداً عن المعتاد، نحول الشابة التي مشت لتوها فوق خشبة مسرح برنامج المواهب ووقفت أمام الميكروفون ولجنة الحكم والجمهور.

رقيقة تكاد لا تحجب ضوءاً أو تشغل فضاءً. لكن عينيها الواسعتين التقطتا المسرح الواسع من طرفه إلى طرفه. شعر قصير و”تي شيرت” سوداء بفتحة عنق واسعة، يمكن إن قصد الواحد البحث عند طرفها الأعلى، أسفل الكتف اليمنى، الانتباه إلى النتوء الصغير.

زائدة عن المعتاد كذلك كانت ابتسامتها البيضاء وهي تقول إنها تسمي نفسها “نايت بيرد”، في الثلاثين، وفي آخر مرة فحصت نفسها كان لديها “بعض” السرطان في الرئة والعمود الفقري والكبد، وأنها ستؤدي أغنية خاصة عنوانها It’s Ok.

ما الترجمة التي تفي هذا المصطلح حقه؟ “ماشي الحال”؟ حين يكون الواحد منا عالقاً بين مشاعر كثيرة، فلا يجيد أن يعرف بماذا يحس فعلاً. ليس سعيداً، لكنه ليس حزيناً أيضاً. ليس مطمئناً لكنه ليس خائفاً. ليس غارقاً، لكنه ليس عائماً. هذا الشعور الغريب. It’s Ok. لا بأس.

غنت كأنما تربّتُ على كتفها اليمنى، بصوتها الذي راح يشف ويشف وهي تهمس لنفسها أن لا بأس أن تتوهي أحياناً. لا بأس، لا بأس لا بأس… وقد فتحت ذراعيها وراحت ترفرف بهما حتى بدت كأنها ارتفعت عن الأرض تلك المسافة غير المرئية لنا لكن الكافية لأن تشعر هي بأنها تطير.

طارت “نايت بيرد”. سادت المسرح لحظة صمت طويلة قبل أن يقفز الموجودون عن مقاعدهم دفعة واحدة وينفجروا بالصراخ والتصفيق لها. مدحت لجنة الحكام أداءها “الصادق” و”الرائع” برغم كل ما تمر به، وقالت، “لا يمكنك أن تنتظر حتى لا تعود حياتك صعبة بعد الآن كي تقرر أن تكون سعيداً”.

هل أعدّت عبارتها من قبل؟ ربما. هي التي كتبت أغنيتها في آخر المطاف، ويبدو أنها تجيد الغناء والكتابة، وقبل ذلك تجيد بث الأمل. لكن العبارة، والأغنية، والشابة التي لديها بعض سرطان يعاودها للمرة الثالثة صارت بعد بث الحلقة نجمة عالمية، من نوع آخر من النجوم.

تعلقت “نايت بيرد” بالاثنين بالمئة، هما أملها بالشفاء وفق الطب. قالت إنهما ليسا لا شيء. حول العالم، تعلّق الناس بها. يصنعون لوحات من صورها ومن عبارتها الشهيرة ومن كلمات أغنيتها. كلما وضعت صورة جديدة على حساباتها يعلقون بعشرات الآلاف يشجعونها ويقولون إنهم يتعلمون منها. وهي التي اعتذرت عن إكمال البرنامج لأن عليها أن تتفرغ لجسدها كي تحاول أن تشفيه، ظلت تتصور متى استطاعات، وظلت تخبر عن حكمتها البسيطة التي تعلمتها من آلامها، ومن إصرارها على نقل عدوى الأمل إلى الآخرين، إن كانوا يتعالجون من السرطان، أو لا. 

لا يمكنك أن تنتظر حتى لا تعود حياتك صعبة بعد الآن حتى تقرر أن تصير سعيداً. هذه حكمة شابة في الثلاثين تقف على الحافة الحادة كسكين، بين الحياة والموت. والسرطان، دوناً عن غيره من الأمراض، فيه الكثير من التراجيديا… من الذهاب إلى الضفة الأخرى والعودة منها، من الأحاسيس الأولى، الخوف والحزن والفقد، من الأفكار الكبرى والأسئلة الأساسية حول معنى الوجود، وغايته، وأسباب الفرح فيه، تلك التي تكون تحت أعيننا، ولا ننتبه إليها، لأننا نركض هاربين من ماضينا، ومن حاضرنا، ومن مستقبلنا.

نهرب، وفي ركضنا يتمهل واحد منا نعرفه، نحبه كثيراً، يقف ويقول إنه مرهق لسبب ما، ثم يذهب ويتمدد على سرير، ويزرعون أسفل كتفه اليمنى، تحت الجلد، جهازاً صغيراً كي يوزع المحلول الكيميائي في جسده من غير أن تتفجر شرايينه، ثم يصاب بالنحول، وتتغير عيناه. تنجليان. تبدوان أكثر اطمئناناً، وأكثر حباً ربما، وتقبلاً، أكثر عطفاً، أكثر استيعاباً وتفهماً.

نتذكر عيونهم، هؤلاء الذين أخذهم السرطان. نتذكر شغفها وعطشها وميلها إلى الامتلاء بالصور الأخيرة. ولأنهم يتلاشون على مهل، لا يبقى منهم إلا عيونهم، هذه التي تأتينا في الأحلام مبتسمة، لتقول لنا أن نتهمل، لتقول لنا إن القلق مضيعة للحياة، القلق على فرصة فاتت، القلق على قصة حب خاسرة، القلق على الصمت لكلمة جارحة لا تنسى… القلق على أذى حفر في القلب، كل هذا القلق لا يجدي. تأتينا العيون في الأحلام مبتسمة وتخبرنا أسرارها الصغيرة، وهي نفسها أسرارنا التي نعرفها، أسرار هدوئنا الداخلي التي ننساها حين نقفز من النوم مباشرة إلى حلبة الملاكمة.

الناجون عيونهم تبتسم أيضاً، لا نعرف كيف يرون الحياة لكنهم يبتسمون لها. يرونها غير ما نراها. نحن نحاول. “نايت بيرد”، جاين اسمها الحقيقي، جربت أن تخبرنا في الأغنية، وفي فلسفتها التي صاغتها بأبسط كلمات ممكنة، وفي ما كتبت، أن الحياة، حياتنا، يمكنها أن تكون سعيدة، يمكننا أن نتهمل من ركضنا من دون أن نشعر بالتعب، من دون أن نذهب ونتمدد على سرير، من دون أن تزرع أجهزة بين عروقنا. يمكننا. 

مذ غنت، و”نايت بيرد” تنثر الأمل على الكوكب، ابتساماتٍ وكتابةً. يتفقدها الناس كل يوم. ينتظرونها كي يفرحوا بأنها ما زالت تعاند المرض. لا يريدون على الأرجح أن تنكث بوعدها مع أنها لم تعدهم بشيء غير الأمل. تحولت إلى ما يشبه المجاز، كأنها تخوض آلامها نيابة عنهم، وإذا انتصرت فستنتصر لهم. 

غياب جاين، عن وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن يطول أكثر من أسبوع. كانت تعود دائماً بصورة ورسالة. آخر صورة نشرتها كانت في السادس من كانون الثاني/ يناير. وقالت ما معناه إن أيامها الماضية كانت ضارية… “لكننا جميعاً تائهون بعض الشيء ولا بأس بذلك”. ومنذ السادس من كانون الثاني، ونحن ننتظر منها ما يطمئننا عليها وعلينا، قبل أن نواصل ركضنا الأبدي.

 كتبتُ النص أعلاه الأحد في 20 شباط/ فبراير. في اليوم التالي، الإثنين، أعلن أصدقاء جاين وفاتها عن عمر 31 سنة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني