ضرب عروس الإسماعيلية وتهشيم جمجمة آلاء… جرائم عادية في مصر

المشهد كان يفترض أن يتبعه مشهد منطقي لاحق، للعريس وهو داخل قسم شرطة أو للعروس وهي في بيت أهلها، لكن المفاجأة أن العروس ذهبت إلى منزل الزوجية مع مُعنِفها الذي هدد بقتلها أمام الجميع.

على غير العادة، تحولت أصوات الفرح إلى نحيب، و”الفيرست لوك” إلى صفعات على الوجه وركلات على الجسد، بعدما ضرب عريس في محافظة الإسماعيلية المصرية عروسه في الشارع، أمام أهلها والمارة والشرطة وكاميرات الهواتف التي وثّقت الواقعة.

ظهر العريس وهو يصوب لكماته للعروس، فيما استغاثاتها تملأ الشارع، “حسبي الله ونعم الوكيل”، كان العريس يهدد من يحاول إنقاذها “هموتها“، ثم ألقاها داخل السيارة ليستكملا فقرات الزفاف من حفل و تصوير وكأن شيئاً لم يكن!

هذا المشهد كان يفترض أن يتبعه مشهد منطقي لاحق، للعريس وهو داخل قسم شرطة أو للعروس وهي في بيت أهلها، لكن المفاجأة أن العروس ذهبت إلى منزل الزوجية مع مُعنِفها الذي هدد بقتلها أمام الجميع.

 في البداية حاول رجال العائلة إنكار الجريمة بالكامل “دي كانت دايخة وبيفوقها وأخدت مياه بسكر وبقت كويسة”، لكن ضغط منصات التواصل الاجتماعي وانتشار الفيديو على نطاق واسع، لم يدعا مجالاً للتشكيك أو الإنكار، هذه جريمة عنف زوجي حدثت في وضح النهار أمام الجميع، وليست داخل منزل الزوجية ليسهل التستر عليها أو إنكارها.

 ما حدث في اليوم التالي للواقعة كان بمثابة حلقات متتالية من التواطؤ، بدأ بقيام العروس بإلقاء اللوم على نفسها، “أنا عصبية وعصبته”، وفق القاعدة العامة أي لوم الضحية والتبرير للجاني. التواطؤ الثاني جاء من العريس بعد تبريره بشكل علني وواضح حقه في ممارسة العنف الزوجي، “الضرب دا حاجة عادية عندنا في الصعيد دي بنت عمي اضربها حتى قبل ما تبقى مراتي“، ثم كان أن تواطأت وسائل الإعلام المصرية مع الجريمة بمباركات للعروسين وأكل “حمام مشوي” داخل بيت الزوجية على شرف الصلح، وفي النهاية تبرير العنف الزوجي والتطبيع معه.

الصوت الإعلامي الأعلى الذي رفض التواطؤ مع هذه الجريمة كان الزميلة أميرة عبد الحكيم مراسلة جريدة “البوابة نيوز” في الإسماعيلية والتي تلقت تهديدات بسبب تصويرها الفيديو ونشره. أما التعاطي الإعلامي مع هذه الجريمة فكان عموماً بعيداً من المهنية ومفرطاً في التبرير والاستهانة والسخرية من جريمة العنف الزوجي.

استضافت مذيعة تلفزيون “اليوم السابع” في مداخلة هاتفية كوافيرة عروس الإسماعيلية لتكشف “سر عدم تأثر مكيب العروسة بواقعة الضرب”، وتبعها مراسل “اليوم السابع” الذي أجرى حواراً مع العريس، وتبادلا المباركات والضحك وأكل الشوكولاته، ثم استضاف الإعلامي عمرو أديب في مداخلة أبناء عم العريس، وكأن مصر خالية من الحقوقيات والناشطات النسويات والخبراء القانونيين وعلماء الاجتماع والأطباء النفسيين للمشاركة في المداخلات.

السقطة الإعلامية الكبرى جاءت من المذيعة ياسمين عز التي مدحت تصرف العروس باحتواء الموقف لأن “ضرب الحبيب زي أكل الزبيب والراجل بطبعه حمش ونعمة ربنا على الأرض، ضل راجل ولا ضل حيطة واللي هتقولك من أول ضربة طلقيه دي مش هتجيبلك عريس هتقعدي في البيت، جربي تقوليله يا سيدي يا تاج راسي والمسامح كريم”.

ضرب الحبيب ليس مثل أكل الزبيب، ضرب الحبيب في مصر يصل للقتل، الغريب أن ياسمين عز بررت العنف الزوجي بعد أيام من حادثة هزت مصر وهي مقتل الطبيبة آلاء رمياً من شرفة منزلها، بعدما  تعرضت لضرب مبرح من زوجها النقيب بالجيش بعد وضعها مولودها الأول، ووفق شهادة والدتها فإن آلاء اتصلت بها مستغيثة من ضرب زوجها قبل ساعات من مقتلها.

في شهادة مسربة لطبيب استقبل جثمان آلاء بعد وصولها المستشفى، تبين أن الجمجمة جاءت مهشمة بالكامل “والمخ برا” وجرح عملية الولادة القيصرية مفتوح عمداً ، وثيابها بلا أي نقطة دماء، أي أن زوجها بدل ملابسها بعد قتلها، ما يشير إلى أن الجريمة نفّذت بشكل متعمد.

تبيّن دراسة حديثة صدرت عن “مرصد جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي” التابع لمؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة”، أنه في ظل حالة متصاعدة من الجدل المجتمعي والديني ما بين إباحة وحظر ضرب الزوجات وضرورة صدور تشريع لتجريمه. والدراسة التي حملت عنوان “أرقام وإحصاءات جرائم العنف الموجه ضد النساء والفتيات في مصر لعام 2021″، تشير إلى تسجيل 813 جريمة عنف عام 2021، مقارنة بـ415 جريمة في 2020، ورُصد 296 حالة قتل لنساء وفتيات في مختلف الأعمار، و78 شروعاً في القتل، و54 اغتصاباً، و74 جريمة ضرب، منها 49 من قبل فرد من أفراد الأسرة، و125 جريمة تحرش جنسي، و100 واقعة انتحار ذكرت المصادر صراحة أن غالبية المنتحرات، فعلن ذلك بسبب العنف ومشكلات أسرية وابتزاز جنسي وتعنيف على التحصيل الدراسي، في حين بلغ إجمالي عدد الجرائم العنف الأسري والمنزلي ضد النساء والفتيات 413 جريمة خلال 2021.

واعتبرت الأمم المتحدة العنف ضد المرأة “انتهاكاً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ويعوق أو يلغي تمتع المرأة بهذه الحقوق والحريات الأساسية”.

ورأت أن العنف ضد المرأة هو مظهر لعلاقات قوة غير متكافئة بين الرجل والمرأة عبر التاريخ، أدت إلى هيمنة الرجل على المرأة وممارسته التمييز ضدها والحيلولة دون نهوضها الكامل، وأن العنف ضد المرأة هو من الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تفرض على المرأة وضعية التبعية للرجل.

ونبهت الأمم المتحدة إلى الفئات، كالنساء المنتميات إلى الأقليات، والمنحدرات من الأهالي الأصليين، واللاجئات، والمهاجرات، وبنات المجتمعات الريفية أو النائية، والمعوزات، ونزيلات المؤسسات الإصلاحية أو السجون، والأطفال، والمعوقات والمسنات، واللواتي يعشن في أجواء النزاعات المسلحة، معتبرة أن هؤلاء شديدات الضعف في مواجهة العنف.

ووفق تصريح لوزيرة التضامن الاجتماعي المصرية نيفين القباج فإن 42.5 في المئة من المصريات المتزوجات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و64 سنة تعرضن للعنف من أزواجهن.

وسط محاولات إنكار جريمة “عريس الإسماعيلية” التي وقعت في وضح النهار ثم محاولة تبريرها وتجاهل الأصوات الحقوقية والقانونية إعلامياً، لاحقت نساء مصر عريس الإسماعيلية على المنصات الاجتماعية المتاحة لتذكيره بإجرامه، حتى خرج العريس أخيراً يعتذر لنساء مصر ويعتذر لزوجته لينجو من متعقّبيه على منصات التواصل الاجتماعي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني