متحف “نابو”: حارس المشرق المزعوم للآثار مجهولة المصدر

يُعد جمع الآثار والفن دلالة على الثقافة والترف والثروة، ويبدو أنه بدأ يستعيد زخمه كإحدى الهوايات المفضلة للأوساط الغنية والراقية في المجتمع اللبناني.

هذا الموضوع مترجم عن موقع Universitat de Lleida

عام 2018، افتُتح متحف خاص للفنون والآثار على ساحل البحر الأبيض المتوسط تحت اسم “نابو”، على اسم إله الحكمة والكتابة في بلاد ما بين النهرين. يعرض المتحف مجموعة مكونة من أكثر من 2000 قطعة أثرية، من لبنان وسوريا وفلسطين والعراق ومصر واليمن. اشتهر المتحف فور افتتاحه بالمتحف المثير للجدل، إذ كانت هناك علامات استفهام كثيرة حول كيف ومن أين حصل على مجموعته الأثرية. دافع جواد عدرا- المؤسس المشارك ومدير المتحف- عن ملكية هذه المجموعة وأشار إلى المرسوم رقم 3065 الصادر عام 2016، والذي يهدف إلى تنظيم الجرد العام للمقتنيات الأثرية القديمة القابلة للنقل. تبحث هذه المقالة في هذا الجدل وسياقه وأسبابه وتداعياته.

المتحف والمجموعة الأثرية

في أيلول/ سبتمبر 2018، افتُتح متحف جديد مملوك للقطاع الخاص، وقد سمي على اسم إله الحكمة والكتابة في بلاد ما بين النهرين “نابو”، وتطل أبوابه على ساحل الهري في قرية شكا، شمال لبنان. شارك في تأسيس المتحف جواد عدرا- وهو رجل أعمال وجامع أعمال فنية- مع فنانين عراقيين مشهورين هما: ضياء العزاوي ومحمود العبيدي، اللذين صمما الهيكل الخارجي لمبنى المتحف مكعب الشكل، والمصنوع من الصلب الصدِئ.

يقع المتحف على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بإطلالة خلابة على البحر، ويعرض مجموعته الدائمة التي تضم نحو 2000 قطعة أثرية تعود إلى العصر البرونزي والحديدي، وإلى زمن الدولة الرومانية واليونانية والبيزنطية. تشمل مجموعة المتحف أيضاً أعمالاً فنية معاصرة ولوحات ومنحوتات لفنانين لبنانيين وعرب.

تحت رعاية وإشراف باسكال أوديل- خبير في الفن الحديث والمعاصر في الغرفة الوطنية الفرنسية للخبراء المتخصصين في الفنون والمقتنيات الأثرية- قارن المعرض الأول للمتحف بعنوان “ألفية الإبداع”، 60 عملاً فنياً حديثاً مع نحو 400 قطعة أثرية قادمة من منطقة الشرق الأدنى، وبشكل رئيسي من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين واليمن.

من بين أبرز المجموعات الموجودة في متحف نابو، المجموعة الفينيقية المكونة من حوالي 66 مسلة جنائزية، يحتمل أنها مأخوذة من موقع البص الأثري في مدينة صور الواقعة في جنوب لبنان.

توجد مجموعة أخرى مهمة؛ هي المجموعة العراقية من الألواح المسمارية، التي ربما جاءت من مدينة  آيريساغريغ (Irisagrig) القديمة المفقودة، والتي اكتشف اللصوص موقعها، ولكنه لا يزال مجهولاً لعلماء الآثار. وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الحالي، تنتشر معظم مجموعات الألواح المسمارية المعروفة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، واليابان، وكندا، والمملكة المتحدة، والسويد، وألمانيا، وفرنسا، وغيرها من الأماكن. تصدر اسم آيريساغريغ العناوين الرئيسية في الصحف مؤخراً في قضية شركة “هوبي لوبي” الأمريكية، عندما هُرّب 450 لوحاً مسمارياً إلى الولايات المتحدة، إلا أن وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك بالولايات المتحدة تمكنت من ضبطها وإعادتها إلى العراق.

أشارت قاعدة البيانات الإلكترونية للنصوص السومرية الجديدة- التي تمولها وزارة العلوم الإسبانية، والتي يتم تحديثها بانتظام- أن لدى متحف نابو 138 لوحاً من آيرساغريغ، وسبعة ألواح أخرى مجهولة المصدر.

توجد مجموعة مشهورة أخرى هي مجموعة الجنرال موشيه ديان من التحف الخزفية والبرونزية، التي وجدت على الغالب في فلسطين، وهي مجهولة الأصل.

موشيه ديان هو شخصية عسكرية وسياسية إسرائيلية، شغل مناصب وزارية عدة خلال مسيرته السياسية، في وزارات الزراعة والدفاع والشؤون الخارجية. وهو في الوقت نفسه عالم آثار هاو، أجرى حفريات غير قانونية، ونهب مواقع أثرية مختلفة وتاجر بالآثار؛ وقد وصفت راز كليتر هذه الأنشطة بالتفصيل.

تتألف مجموعة موشيه دايان في متحف نابو من الهدايا التي يُقال إن ديان قدمها بنفسه إلى أصدقائه هيلين وبول زوكرمان وإيرفينغ برنشتاين. ووفقاً لأحد أبناء برنشتاين فإن “القطع الأثرية لها مصدر معلوم جيداً، وقد تداولتها أيادٍ قليلة جداً. وفي خدمة للسيد برنشتاين، عرّف ديان بنفسه من القطع وكتب عليها توقيعه وتاريخ الإهداء”؛ ثم في وقت لاحق طرح ورثة عائلتي زوكرمان وبرنشتاين هذه المجموعة من الهدايا للبيع بالمزاد.

وفقاً للدليل المرفق مع مجموعة موشيه ديان بمتحف نابو، فقد اشترت منظمتان لبنانيتان غير حكوميتين هذه المجموعة -هما: “مؤسسة سعادة للثقافة” و”جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية”- من اثنين من أحد بيوت المزادات في الولايات المتحدة الأميركية، عام 2012.

ثمة مجموعة أخرى مهمة هي النقوش الجنائزية التدمرية، التي تعود إلى مدينة تدمر القديمة، التي تقع حالياً في سوريا. تعتبر المدينة من مواقع التراث العالمي لليونيسكو، وقد تعرضت لموجات هائلة من الدمار والنهب مذ سيطر مسلحو “داعش” على المدينة ودمروا معبد بعل شمين في 23 آب/ أغسطس 2015.

ومن أبرز مجموعات المتحف أيضاً، تماثيل تراكوتا (الجنائزية) المصنوعة من الطين، والتي تعود إلى موقع تل حلف الأثري الواقع في شمال شرق سوريا، بالقرب من الحدود التركية.

يدرج موقع المتحف على الإنترنت الكثير من القطع الأثرية- وبخاصة التماثيل المرمرية والمسلات الجنائزية- التي صنفت على أنها تعود لجنوب شبه الجزيرة العربية، دون الإشارة مباشرة إلى الجمهورية اليمنية.

إثارة الجدل

كانت هيلين صادر، أستاذة ورئيسة قسم التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية في بيروت، وكاتبة مقالات مختلفة حول النهب وجامعي القطع الأثرية للأغراض الشخصية، أول من أثار قضية متحف نابو في كلمتها العامة في الاجتماع السنوي للمدارس الأميركية للبحث الشرقي، الذي عقد في دنفر، تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

في خطابها بعنوان “بين اللصوص وجامعي الآثار وأمراء الحرب: هل لعلم الآثار من فرصة للنجاة؟”، أعربت هيلين عن استيائها من أن أحداً لم يستفسر عن أصل القطع الأثرية المعروضة في هذا المتحف. وتتابع هيلين سائلة، كيف أن مالكي المتحف لم يكونوا قادرين على شراء القطع الأثرية المنهوبة فحسب، بل يبدو أيضاً أنهم حازوا الحق في عرضها “بشكل قانوني” في متحف خاص دون أن يتعرضوا للمساءلة.

ومنذ ذلك الحين، تردد صدى أصوات خافتة تناقش قضية متحف نابو على استحياء. لكن برغم هذا الجدل الدائر حول المتحف ومقتنياته المشبوهة، لم يصدر بيان رسمي واحد عن وزارة الثقافة اللبنانية، ولا عن المديرية العامة للآثار؛ الوصي الشرعي والوحيد على تراث لبنان، وهي الجهة المخولة بالتحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف أي عمل غير قانوني.

وعلى خطى الجهات اللبنانية، لم تتخذ أي جهة رسمية سورية أي موقف رسمي، ولم تُدلِ بأي تصريحات من أي نوع بخصوص اقتناء متحف نابو للقطع الأثرية السورية المنهوبة. في المقابل، صرح السفير العراقي علي العامري، في حديث لصحيفة “المدن” اللبنانية، بأن السفارة العراقية في بيروت ترفض الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بهذا الأمر. واقتصر تعليقهم الرسمي على التصريح الغامض بأن الحكومة العراقية قد تتبع أي إجراءات قانونية ضرورية للتعامل مع قضية متحف نابو.

كتب عالم الآثار العراقي ومترجم كتاب “الكارثة: نهب آثار العراق وتدميرها” إلى العربية (Mcguire 2008)؛ عبد السلام صبحي طه، مقالاً باللغة العربية، بعنوان: “ذاكرة العراق في السوق السوداء” نُشر في المجلة العراقية بين النهرين. في هذا المقال، طالب طه متحف نابو “باستمداد الحكمة من إله الحكمة في بلاد ما بين النهرين “نابو”، وإعادة تراثه إلى وطنه”..

وفي نيسان/ أبريل 2019، احتفل متحف نابو -وأحد عشر متحفاً آخر- بالمناسبة السنوية لليلة المتاحف، التي تنظمها وزارة الثقافة اللبنانية منذ عام 2016، بالشراكة مع السفارة الفرنسية في بيروت وبالتزامن مع الاحتفال السنوي بشهر الفرانكفونية.

أثار إدراج “متحف مشبوه” في قائمة المتاحف المشاركة جدلاً بين علماء الآثار والمتخصصين في المتاحف العاملين في القطاعين العام والخاص. وجهت مؤلفة هذا المقال خطاباً مفتوحاً إلى جميع المتخصصين في المتاحف، في 30 آذار/ مارس 2019، قبل أيام قليلة من فعالية ليلة المتاحف -نُشِرت عبر البريد الإلكتروني وعلى منصات التواصل الاجتماعي- حثت فيها أمناء المتحف الوطني، واللجنة العليا للمتاحف، واللجنة الوطنية للمجلس الدولي للمتاحف، ومديري المتاحف الجامعية؛ على التحدث ومنع إدراج ما يسمى بـ”متحف نابو” في ليلة المتاحف، مع الانتباه إلى أن من مثل هذا الفعل سيضفي شرعية على المتحف ومجموعاته.

إقرأوا أيضاً:

قوبل الخطاب بردود فعل متباينة، لكنه ظل دون تعليق رسمي من أيّ من المنظمين أو المشاركين المعنيين بصورة مباشرة بالحدث.

مع ذلك أعرب بعض علماء الآثار والموظفين في المديرية العامة للآثار عن اعتراضهم وقاطعوا الحدث ورفضوا المشاركة في الاحتفالية.

بعد إرسال هذا الخطاب المفتوح، شُنت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف نشر الوعي عن أصل القطع الأثرية المعروضة في متحف نابو، ومن أجل الضغط على المسؤولين لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإجبار المنظمين على الامتثال للقوانين الدولية والوطنية. لكن للأسف، حظيت هذه الحملة بدعم متواضع من الصحف ومحطات التلفزيون المحلية والوطنية.

ورداً على هذه الحملة، أطلق متحف نابو تغطية إعلامية ضخمة عن المتحف ومعروضاته، واقتنصوا كل فرصة ممكنة لتبرير جمعهم وعرضهم للقطع الأثرية في المتحف، وتجنبوا الخوض في أيّ تفاصيل عن كيفية حصولهم على تلك الآثار ومن أين.

في مقابلة تلفزيونية مع برنامج “أجراس المشرق”، بُثت في 7 حزيران/ يونيو 2019 على محطة الميادين الفضائية اللبنانية، دافع جواد عدرا عن حقه في امتلاك قطع أثرية، مدعياً أن متحف نابو يحافظ على التراث الثقافي “للأمة”. ووفقاً لِعدرا، يتجاوز مصطلح “الأمة” الحدود اللبنانية، ليشمل سوريا والعراق وفلسطين والأردن ومصر.

لفهم هذه الأيديولوجية أكثر، ينبغي أن تأخذ في اعتبارك أن عدرا -مدير المتحف وأحد المشاركين في تأسيسه- هو عضو في المكتب السياسي للحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أسسه أنطون سعادة في بيروت عام 1932، بوصفه منظمة تحرير وطني مناهضة للإمبريالية ومعادية لوجود الانتداب الفرنسي، على غرار الحركات الأوروبية الفاشية. ينشط الحزب في لبنان وسوريا والأردن والعراق وفلسطين، ولديه روابط سياسية وثيقة بالجبهة الوطنية التقدمية التي يتزعمها “حزب البعث العربي الاشتراكي” الحاكم في سوريا.

 ترفض أيديولوجية الحزب السوري القومي الاجتماعي الحدود التي رُسمت لأول مرة في اتفاقية اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، على اعتبار أن تلك الحدود التي رسمت لتحديد تلك الدول الحديثة كانت وهمية، ومن صنع الاستعمار ولا تعكس أيّة حقائق تاريخية أو اجتماعية. ويؤكد الحزب أن سوريا الكبرى أو “الطبيعية” تمثل الهوية الوطنية المثلى لِلشعب التاريخي لِبلاد ما بين النهرين ومنطقة الهلال الخصيب، إذ تجمع أبناء هذا الشعب كافة جغرافيا محددة بوضوح ومسار تاريخي واجتماعي وثقافي مشترك.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن متحف نابو يصون الإرث الثقافي لسوريا الكبرى ويعززه، وهو أيضاً لا يستحوذ على قطع أثرية من بلدان أخرى، بل إن كل ما يفعله هو أنه يعرض آثاراً تخص شعب سوريا الكبرى فحسب. نصب متحف نابو نفسه وصياً وحارساً شرعياً لِتراث أمة كانت تشكل كياناً واحداً في الأزمنة الغابرة، ولا تزال كذلك بالنسبة إلى أيديولوجية الأشخاص الذين شاركوا في تأسيس هذا المتحف.

متاحف خاصة ونهب للآثار في لبنان

متحف نابو ليس المتحف الأثري الخاص الأول ولا الوحيد في لبنان الذي تتشكل مجموعته الأثرية من تحف تم شراؤها.

جدير بالذكر أن معظم المتاحف التاريخية والأثرية في لبنان هي متاحف عامة حكومية؛ فإلى جانب متحف بيروت الوطني، ظهرت عدة متاحف إقليمية منذ نهاية الحرب الأهلية في التسعينات. لكن على صعيد القطاع الخاص، لعبت جامعتان خاصتان كبيرتان -هما جامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت- دوراً مهماً في حماية الإرث التراثي اللبناني. إذ تضم المجموعات الموجودة في متحفي الجامعتين عدداً هائلاً من البقايا الأثرية التي عُثر عليها في مختلف أنحاء لبنان والبلدان المجاورة.

وسع المتحف الأثري للجامعة الأمريكية في بيروت -الذي تأسس عام 192- مقتنياته الأثرية من خلال التبرعات الخاصة وشراء القطع الموجودة في السوق خلال فترة تأسيسه.

بدأت عمليات النهب والتجارة بالقطع الأثرية في لبنان في عهد الإمبراطورية العثمانية ((1516-1918)، وازدهرت في ظل الانتداب الفرنسي (1923-1946)، ثم بدأت تزدهر مجدداً على نطاق أوسع خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). أعد  روبرت فيسك- مراسل صحيفة “ذي إندبندنت” في الشرق الأوسط، والحائز جوائز عدة- تحقيقاً عن نهب التراث اللبناني خلال فترة وجوده في لبنان عام 1991، ووصف البلد بأنه “أكبر سوق «للآثار» في المنطقة”.

يشهد متحفان أثريان خاصان يملكهما رجال أعمال أثرياء على مدى اتساع رقعة النهب والتهريب التي حدثت في لبنان خلال القرن الماضي.

الأول هو متحف عودة الفسيفساء؛ وهو متحف خاص يملكه السياسي ورجل الأعمال ريمون عودة، رئيس بنك سرادار (المعروف سابقاً باسم بنك عودة سرادار) وصاحب مؤسسة عودة لتعزيز التراث والصناعات الحرفية. يقع المتحف في فيلا عودة بالعاصمة بيروت، وهي عبارة عن قصر سكني بُني في عام 1910، ثم بيع إلى بنك عودة، وأصبح المقر الرئيسي له من عام 1970 حتى عام 2000. ثم تحول لاحقاً إلى متحف خاص يعرض مجموعة مميزة من اللوحات الفسيفسائية الفريدة، وعدداً من المنحوتات من عدة بلدان مختلفة، التي يعود تاريخها إلى ما بين القرنين الثاني والسادس الميلادي. المتحف مغلق حالياً أمام الجمهور، لكنه في بعض الأحيان يفتح أبوابه ليلاً عند وجود فعالية في المتحف، ويكون الدخول بالحجز.

والثاني هو متحف روبير معوض الذي يقع في حي زقاق البلاط في قلب العاصمة بيروت.

تم تصميم المتحف الحالي وتمويله على يد تاجر المجوهرات وجامع التحف روبير معوض لعرض مجموعته الفنية والأثاث والسجاد والآثار. ويقع المتحف في المنزل السابق للسياسي اللبناني الراحل وجامع التحف الفنية هنري فيليب فرعون (إيزاك 2014).

جُمعت مجموعة المتحف من القطع الأثرية من لبنان والشرق الأدنى ومختلف أنحاء العالم، والتي اشتراها فرعون لتزيين قصره (فرحات 2012).

تصف صحيفة “نيويورك تايمز” المنزل ببراعة بأنه “قصر يشبه قلعة قوطية مع مزيج من التماثيل والنَواويسُ اليونانية والرومانية في الحديقة المحاطة بالأسوار”.

في مقابلة مع إحدى القنوات التلفزيونية اللبناني الرسمية، والتي لم تذاع على الإطلاق، يروي فرعون قصة اكتشاف القطع الأثرية اليونانية، التي أدرجت فيما بعد ضمن مجموعة المتحف، في حديقة الفيلا في منتصف الأربعينات من القرن الماضي أثناء أعمال التجديد.

باع ناجي، نجل فرعون الوحيد، القصر إلى أمير سعودي، ثم في حزيران/ يونيو 1991، انتقلت ملكية القصر إلى أسرة معوض. وانتقل فرعون للعيش في فندق كارلتون على الساحل عام 1992 حيث قتل بوحشية في غرفته في الفندق عن عُمر يناهز 92 سنة.

وقد أُغلق المتحف لسنوات عدة لإجراء أعمال تجديدات واسعة ولم يفتح إلا في المناسبات الخاصة. والآن بات المتحف مغلقاً بشكل دائم ولا يزال مصير مجموعاته الأثرية مجهولاً.

ما يميز المتحفين المذكورين أعلاه عن متحف نابو هو أن هذه المجموعات قد جُمعت في لبنان قبل وضع القوانين والاتفاقيات، وخلال فترات شهدت الكثير من الاضطراب والفوضى الهائلة. وفي حين أن العديد من المجموعات اللبنانية الخاصة الأخرى تحتوي على أعداد هائلة من القطع الأثرية المنهوبة من لبنان ومختلف أنحاء العالم، فإن مجموعة نابو التي تتألف من أكثر من 2000 قطعة أثرية، يبدو أنها أول مجموعة مقتناة في لبنان في العصر الحديث، وهذا يُخالف بوضوح على نحو لافت للنظر جميع القوانين والاتفاقيات الوطنية والدولية القائمة وغير القائمة.

القوانين والمراسيم والقرارات الوزارية الوطنية والدولية

لا يزال لبنان حتى اليوم يعتمد على قانون الآثار الذي يعود تاريخه إلى عام 1933، عندما كان لا يزال تحت الانتداب الفرنسي. ولم يوضع بعد قانون واحد مُخصص للمتاحف.

على الرغم من ضعف هذا القانون الذي عفا عليه الزمن، فإنه لا يزال سارياً ويتخذ مواقف واضحة فيما يتعلق بالحفاظ على التراث الأثري. إذ يُسند القانون دوراً أساسياً للمديرية العامة للآثار، المسؤولة عن حماية واستعادة وإدارة التراث الثقافي (المادة 19). فضلاً عن أنه يحظر بشكل صارم أعمال النهب والحفر السرية (المادة 72-73)، ويفرض عقوبات مالية على المنتهكين. ويحظر استيراد القطع الأثرية من العراق وفلسطين (المادة 100) بدون ترخيص استيراد تمنحه السلطات المختصة في البلدان المذكورة.

بيد أنه من ناحية أخرى، يسمح القانون نفسه باستيراد القطع الأثرية وتصديرها، وإن كان ذلك في ظل شروط صارمة، ويُشرع عمل تجار الآثار من الناحية القانونية (الفصل الرابع من القانون).

ومن أجل وضع حد لذلك، وبسبب عدم وجود رقابة على سوق الآثار اللبنانية، أصدر وزير السياحة آنذاك وليد جنبلاط قراراً وزارياً رقم 8 في شباط/ فبراير 1988، بعد مرور 13 عاماً على الحرب الأهلية، منع بموجبه تصدير القطع الأثرية خارج الأراضي اللبنانية وحث المدير العام للآثار على وقف تزويد التجار بتراخيص الاستيراد/ التصدير. (كانت المديرية العامة للآثار آنذاك مستقلة عن وزارة السياحة ثم أصبحت تابعة فقط لوزارة الثقافة عام 1993).

في العام ذاته، أعقب هذا القرار إصدار المرسوم رقم 14 بهدف تنظيم سوق الآثار داخل لبنان.

وبعد ذلك، عام 1990، تم دمج هذين القرارين المتعاقبين في مرسوم وزاري واحد يحظر أي شكل من أشكال تصدير القطع الأثرية من لبنان ويحظر أي شكل من أشكال الاتجار بالآثار داخل البلاد.

وفي وقت لاحق من العام ذاته، صدق لبنان على اتفاقية اليونيسكو لعام 1970 بشأن التدابير الواجب اتخاذها لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، والتي منحت الدول الأطراف التي قامت بالتصديق عليها القدرة على السعي لإعادة الممتلكات الثقافية التي تم الحصول عليها بطرائق غير مشروعة ووضعت مبادئ توجيهية لجامعي التحف. وتلتزم الدول الأطراف في اتفاقية عام 1970 بوضع تشريعات مناسبة لمكافحة أعمال النهب والاتجار بالآثار.

وصدق لبنان أخيراً أيضاً على اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص (يونيدروا) بشأن القطع الثقافية المسروقة أو المصدّرة بطرق غير مشروعة، وهي اتفاقية تكميلية وضعتها اليونسكو عام 1995، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين التعقيدات التي تكتنف “المشتري حسن النية” من خلال المطالبة بالخضوع للتدقيق الإلزامي.

في تموز/يوليو عام 2015، وبعد إصرارها على تنفيذ اتفاقية اليونسكو لعام 1970، تلقت المديرة العامة لليونسكو آنذاك، إيرينا بوكوفا، تقريراً من وزير الثقافة اللبناني آنذاك ريمون عريجي. وأورد في هذا التقرير جميع القوانين اللبنانية والقرارات الوزارية التي تحظر استيراد وتصدير القطع الأثرية وتنظم بيع القطع الأثرية. وطمأن عريجي بوكوفا إلى أن لبنان يلتزم بقوانينه وقراراته الوطنية، وباتفاقية اليونيسكو لعام 1970، مشيراً إلى عدد المضبوطات من القطع الأثرية المهربة من سوريا والعراق، التي تمت داخل الأراضي اللبنانية منذ عام 2012.

وبعد أقل من عام، وقبل بضعة أيام من انتهاء ولاية الوزير السالف الذكر في آذار/ مارس 2016، نُشر المرسوم رقم 3065 في الجريدة الرسمية، والذي يرمي إلى تنظيم الجرد العام للآثار القديمة المنقولة.

ويتألف المرسوم، الذي يسري لمدة ثلاث سنوات، من 13 مادة، ويحدد في مادته الأولى طريقة حيازة الممتلكات الثقافية، وينص على أنه يجب أن يتم “بصورة علنية وهادئة وخالية من الالتباس، ولغايات غير تجارية”.

بموجب هذا المرسوم، مُنح الأشخاص الذين يمتلكون مجموعات غير معلن عنها مهلة ثلاث سنوات لكي يتقدموا بالتصريح عما هو بحوزتهم من آثار قديمة منقولة لوزارة الثقافة، ممثلة بالمديرية العامة للآثار، باستخدام استمارة إعلان عبر الإنترنت متاحة من طريق الموقع الإلكتروني للوزارة.

وفي أعقاب هذا الإعلان، يتلقى جامع القطع الأثرية إيصالاً من الإدارة العامة للآثار يمنحه الملكية القانونية للمجموعة المصرح عنها.

عام 2019، مُدد هذا المرسوم لمدة ثلاثة سنوات، مع إدخال تعديلات تتعلق بأصل القطعة وطريقة اقتنائها، وعالم الآثار الذي يقوم بفحص القطعة ومسؤولية الجامع نفسه عن دقة المعلومات، إضافة إلى التشديد على حق المديرية العامة للآثار في تفقد وفحص القطع الأثرية في حال ارتأت أن هذا ضروري. ووفقاً للمادة رقم 3، يمكن تمديد هذا المرسوم مرة واحدة فقط.

برغم الإقرار بضرورة تحديث القانون اللبناني، لكن المشكلة في لبنان لا تتلخص في أحكام القانون، بل في كيفية تطبيقها. ففي عام 1999، مُنحت المديرية العامة للآثار سلطة الضبطية القضائية، وهو ما يمكنها من تفقد الأماكن التي يزعم أن فيها “آثاراً” مسروقة ومداهمتها. وشرعت المديرية العامة للآثار اللبنانية- التي نص قانون الآثار لعام 1933 على صلاحياتها-  في اتخاذ إجراءات ضد الأشخاص الذين يشتبه في امتلاكهم قطع أثرية محظورة، بخاصة الآثار التي يرجع تاريخها إلى ما قبل عام 1700، التي تعتبر ملكاً للدولة وفقاً للقانون سالف الذكر.

اُتخذ القرار بإعادة تفعيل القانون المعني بتنظيم حيازة القطع الأثرية التي يرجع تاريخها إلى القرن الثامن عشر أو ما قبله في اجتماع حضره القاضي خالد حمود -الذي كان يشغل منصب المحامي العام المالي- وأيضاً الدكتور شاكر غضبان، المدير العام بالنيابة للمديرية العامة للآثار آنذاك. عقب هذا القرار، داهمت السلطات كثيراً من الأماكن والمخازن التي يشتبه بوجود آثار بها، وصادرت القطع الأثرية، وأغلقت تلك المستودعات بالشمع.

إقرأوا أيضاً:

قضايا أخلاقية

إضافة إلى القوانين والاتفاقيات، تسلط قضية متحف نابو الضوء على الدور الذي اضطلع به كثير من علماء الآثار خلال دراسة مقتنيات متحف نابو والمصادقة عليها.

تعاون عدد من علماء الآثار ومؤرخي الفنون اللبنانيين والدوليين مع المتحف وجامعي القطع، وقدموا مشورات مهنية ومنشورات أكاديمية. 

على سبيل المثال، نُشرت النقوش التدمرية الموجودة ضمن مقتنيات متحف نابو في دراسة أعدها غابي أبو سمرة -أستاذ علم النقائش (الأبيغرافيا) واللغات السامية في الجامعة اللبنانية- عام 2016. إضافة إلى كتابة عدة مقالات أكاديمية حول قطع أثرية أخرى ضمن نفس المجموعة.

إلى جانب ذلك، شارك أبو سمرة في تأليف كتاب عن المسلات الفينيقية الجنائزية في صور، الموجودة أيضاً ضمن المجموعة الخاصة لمتحف نابو.

وقد نُشرت دراسات أيضاً عن مجموعة الألواح السومرية من موقع مدينة آيريساغريغ القديمة على نهر دجلة في العراق.

 لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ترد فيها أسماء هؤلاء الباحثين الأكاديميين في سياق القطع الأثرية مجهولة المصدر.

فعام 2003، تلقى قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة كورنيل تبرعاً بعددٍ كبيرٍ من الألواح المسمارية. تشكل هذه الألواح -التي لا توجد أدلة تمكننا من التحقق من مصدرها- الموضوع الرئيسي لمجموعة مستمرة من المؤلفات الأكاديمية، التي أعدها ديفيد أوين ونُشرت عام 2007 تحت إشراف قسم دراسات علم الآشوريات والسومريات في جامعة كورنيل.

تضمنت مجموعة جامعة كورنيل -التي تتألف من 1500 لوحٍ مجهول المصدر- ما يسمى “محفوظات غارشانا” (Garšana archives)،  يُعتقد أن هذه الألواح اكتشفها لصوص الآثار في موقع لا يزال مجهولاً في جنوب العراق، لكن يعتقد الباحثون -بناءً على دليل يتمثل في تكرار اسم موقع جغرافي- أنها مدينة من الألفية الثالثة قبل الميلاد كانت تسمى غارشانا.

ما يثير الانتباه هنا، هو أن مجموعة متحف نابو تضم أيضاً ألواحاً مسمارية من محفوظات غارشانا.

ارتبط اسم باحث آخر، هو المؤرخ والمتخصص في النقوش السامية أندريه لومير، الذي شارك في تأليف الكتاب السالف الذكر “مسلات فينيقية جنائزية جديدة” مع أبو سمرة، بقطع أثرية مجهولة المصدر ومشكوك فيها: وهما منقوشتان توراتيتان من العصر الحديدي، ظهرتا في سوق الآثار في عامي 1979 و2002. الأولى هي منحوتة عاجية على شكل رمانة نُقش عليها هذا النص باللغة العبرية القديمة: “تبرع مقدَّس للكهنة، في معبد الرب (يهوه)”، أما الثانية فهي عبارة عن صندوق طباشيري من القرن الأول قبل الميلادي اُستخدم لاحتواء عظام الموتى يحمل اسم (يعقوب الأسواري)، وقد نقشت على أحد جوانبه كلمات آرامية تقول “يعقوب بن يوسف، أخو المسيح”.

صحيح أن هذه النقوش لا تزال موضع جدل، لكن لومير اعتبرها أصلية.

وقد زادت القيمة السوقية للمنقوشتين بعدما أعد لومير دراسات منشورة عنهما، وجرى تداولهما أكثر من مرة بأسعار مرتفعة، من دون الالتفات إلى مدى أصالة هذه النقوش أو كيفية الحصول عليها.

خاتمة

يقول أليكس باركر (2003: 75-76) إن عرض القطع الأثرية من المجموعات الخاصة في متاحف ونشر دراسات عنها يزيد من قيمتها التجارية، مضيفاً أن هذه الزيادة في القيمة التجارية قد تؤدي إلى زيادة عمليات سرقة التحف الثقافية والإتجار بها لتلبية مطالب السوق. بل إنه مضى ليقول إنه من وجهة نظر بحثية، لا توجد طريقة تضمن أن هذه القطع أصلية من الأساس إذا لم يكن مصدرها معلوماً.

في المقابل، يقول أوين في معرض دفاعه عن ألواح غارشانا، “إن الباحثين ملزمون بالحفاظ على تلك السجلات المتاحة من الماضي وعليهم نشرها، سواء كانت سياقاتها وأصولها موثقة أم لا”، وإنه لم يُقدم أيّ دليل على الإطلاق لإثبات أن إعداد ونشر دراسات أكاديمية عن النقوش مجهولة الأصل يشجع على نهب المواقع الأثرية أو يضخم القيمة التجارية لِلنصوص المسمارية الموجودة ضمن مجموعات خاصة.

يرى رينفرو أن اشتراك الباحثين في نشر دراسات أكاديمية عن التحف المنهوبة يمثل أزمة أخلاقية في علم الآثار، قائلاً إنه ما لم يعثر على حلٍ، فسوف تتناقص سجلاتنا عن الماضي إلى حدٍ كبير. وبالنسبة إليه، فإن الناهبين الحقيقيين هم جامعو التحف، مؤكداً أن عمليات الحفر والنهب التي تحدث في المواقع الأثرية تدمر السياق الذي يمكن من خلاله الكشف عن معلومات قيمة عن ماضينا البشري.

خلال مقابلة مع مجلة “إيه بي إيه” القانونية في تموز/ يوليو 2014، قالت تيس ديفيس- وهي محامية وخبيرة في قوانين التراث والآثار لدى المركز الاسكتلندي لأبحاث الجريمة والعدالة في جامعة غلاسكو- إنه على رغم أن “التراث الثقافي كان دائماً ضحية للحرب”، فقد فاقم تحويل التُحف إلى سلع تباع وتشترى من تأثره بالنزاعات المسلحة. مضيفةً أن “للحرب تكاليف باهظة. لذا ما دام هناك سوق لتلك التحف الدموية- حسبما يطلق عليها- فلن تتوقف الإمدادات. على أقل تقدير، يساهم من يشترون تلك القطع في تدمير التراث الثقافي العالمي. بل وربما -في أسوأ الظروف- يشاركون في إطالة عمر هذه النزاعات من خلال تمويل الأطراف التي تذكيها، وإن بشكل غير مباشر”. 

على مدى تاريخه الحديث، تمزق النسيج الاجتماعي اللبناني بفعل كثير من العوامل الداخلية والخارجية. وكانت الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) بمثابة الضربة القاضية، فقد أدت إلى تدمير النسيج الثقافي والاجتماعي والمعماري للبلاد. وأدت إلى انقسام السكان إلى فئات عرقية ودينية وطائفية وسياسية مختلفة. لا تزال هذه الانقسامات تتفاقم، وتتحايل الأحزاب السياسية والطائفية في استخدام السرديات التاريخية، في محاولة منها لإثبات أصل كل طائفة أو فئة سياسية واستحداث فصائل جديدة في المجتمع.

تمتد هذه المسائل الجدلية على مدى التاريخ القديم والحديث. وهكذا يعتبر التاريخ مسرحاً لكثير من الأحداث المأساوية، ويحاول غالبية السكان تناسيه. 

حتى يومنا هذا، يرفض اللبنانيون التصالح مع هذا الماضي المؤلم ويعزفون عن فهم تاريخهم بصورة أفضل. فقد أدت السرديات الكثيرة والمتنوعة -التي غالباً ما تكون متناقضة- والخلاف حول الأصول والهوية إلى عدم وجود كتب تاريخية موحدة ومتجانسة في المدارس اللبنانية. وأبطلت الأطراف السياسية والطائفية مفهوم الماضي بوصفه إرثاً مشتركاً يمكنه توحيد السكان على اعتبار أنهم ينحدرون من التراث الثقافي نفسه. 

يرى غالبية السكان أن التحف الأثرية تعد مصدراً جيداً للدخل، وأنه يمكن تداولها لتحقيق الربح. 

لا يشعر الناس أن الآثار ملكٌ للشعب، وأن ما يحدث يعد نهباً لها، ولهذا لا يتفاعلون مع القضايا الأثرية والثقافية.

نادراً ما تنظم حملات توعية للنهوض بالتراث الثقافي -هذا إن نُظمت أصلاً- وهو أمر تعززه سياسة السرية الحالية التي تتبناها المديرية العامة للآثار، التي لا تتعاون مع المجتمع المحلي  ولا تتدخل لتوضيح أيّ معلومات ملتبسة تنشرها وسائل الإعلام حول مصير البقايا الأثرية، من خلال تقديم تفسيرات علمية واضحة.

يؤدي هذا بدوره إلى عدم الاهتمام بعلم الآثار، وانعدام الثقة في المديرية العامة للآثار، ولا يقدم شيئاً للارتقاء بوعي الجمهور. فبسبب الطابع السري لعمل المديرية، يعتبر اللبنانيون أن علماء الآثار ما هم سوى منقبين عن الذهب، يدمرون المواقع ويسرقون الآثار. قليلون جداً هم من يفهمون الجدل الدائر حول افتتاح متحف نابو، ويعارض عدد أقل من ذلك افتتاحه.

عام 2015، أطلقت اليونسكو بالتعاون مع وزارة الثقافة الحملة الوطنية “متحدون مع التراث” لتعبئة الدول الأعضاء في اليونسكو، والتصدي للتدمير المتعمد للتراث الثقافي الذي تضطلع به الجماعات المتطرفة العنيفة. وشهد وسم “#متحدون_مع_التراث” تفاعلاً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي وفي مطار رفيق الحريري الدولي، ولهذا أصبحت الحملة التي تحمل نفس الاسم حركة عالمية واسعة النطاق تهدف إلى إشراك الجمهور العالمي، مع التركيز على الشباب باعتبارهم الفئة الديموغرافية المحورية في الحملة.  لكن للمفارقة، لم تتناول الحملة مسألة مصدر المقتنيات الخاصة بمتحف نابو ولم تناقشها بشكل علني.

في أيلول/ سبتمبر 2014، بعد نشر كتاب أبو سمرة ولومير “مسلات فينيقية جنائزية جديدة”، قدمت منظمة لبنانية غير حكومية في مدينة صور تدعى “الجنوبيون الخضر“، إخطاراً إلى النائب العام، ذكرت فيه أن الست والستين مسلة التي تناولها هذا الكتاب تم الحصول عليها بصورة غير شرعية من حفريات سرية في الموقع الأثري بمدينة صور. لم يعلن أيّ شيء عن هذا الإخطار الذي لا يزال مصيره مجهولاً.

عام 2019، بعد افتتاح المتحف وعرض بضع مسلات من مجموعة المسلات الفينيقية الجنائزية فيه، رفعت نفس المنظمة دعوة قضائية على جواد عدرا -صاحب المتحف- واتهمته بحيازة آثار مسروقة من موقع الآثار الفينيقية في صور.

يجب الانتباه هنا إلى توقيت المرسوم رقم 3065 الصادر بتاريخ 12 آذار 2016.

إقرأوا أيضاً:

في خضم الاضطرابات التي اجتاحت سوريا وبعد جريمة قتل عالم الآثار خالد الأسعد الوحشية في آب 2015- الذي كان يشغل منصب مدير آثار ومتاحف تدمر- وبعد العملية العسكرية التي نفذها الجيش العربي السوري لاسترداد مدينة تدمر من تنظيم الدولة الإسلامية (المعروفة باسم هجوم تدمر) في 27 آذار 2016؛ ينبغي للمرء أن يتساءل بشأن هذه المصادفة البريئة. وسبب إصدار مرسوم لتنظيم المجموعات الخاصة في وقتٍ يتسم بمثل هذه الاضطرابات الإقليمية، مع سلسلة كبيرة من عمليات تدمير ونهب المواقع الأثرية.  

يقول البعض إن ذلك المرسوم سيساعد على تنظيم هذه السوق من خلال الحد من تأثير عمليات النهب والتجارة. في حين يرى آخرون أنه أداة قوية يمكن أن يستخدمها هواة جمع التحف في إضفاء صبغة شرعية على مجموعاتهم “المشبوهة” و”تطهيرها”، ما يساعدهم في الحصول على المزيد من التحف بصورة غير مشروعة ويصرحون عنها لاحقاً للدولة، مما يجعلها “مشروعة”.

فضلاً عن أن المرسوم لا يحدد الجهة التي تدفع لعالم الآثار/ المفتش، ومن يملك البيانات التي تم تحميلها على الموقع الإلكتروني لتقديم التصريحات، ومن له الحق في الوصول إليها.

في إطار الرد القانوني على إصدار وتجديد هذا المرسوم، تقوم حالياً مجموعة من المحامين والنشطاء المتخصصين في مجال التراث بالتحضيرات لتقديم استئناف ضد المرسوم 3065، على أساس أنه يتعارض مع القوانين والقرارات الوطنية والدولية، ويُشجع هواة جمع التحف على الاستمرار في شراء التحف المنهوبة، على ثقة من أن المرسوم سيُقر بملكيتهم لها.

وفي حين يذكر الوزير عريجي في تقريره لعام 2015 المشار إليها آنفاً عدد المضبوطات من القطع الأثرية التي تمت منذ عام 2012، فلا يوجد في الواقع أي سجل يُشير إلى أن المديرية العامة للآثار أعادت الكثير من القطع الأثرية المهربة إلى سوريا والعراق.

وقد أصدرت لجنة الدفاع العليا اللبنانية تقريراً عام 2019، يشير إلى وجود أكثر من مائة منفذ غير قانوني بين الحدود السورية/اللبنانية.

يجري تهريب القطع الأثرية، من بين أشياء أخرى، عبر هذه المعابر في غياب أي سلطة رسمية. ويذكر التقرير أن التهريب يحدث أيضاً عن طريق المعابر الرسمية الخاضعة للتنظيم، مما يزيد من صعوبة القدرة على السيطرة على التهريب ومكافحته. ووفقاً لنفس التقرير، فإن الاتجار غير المشروع لا يحدث برياً فحسب بل أيضاً عبر المياه الإقليمية باستخدام القوارب السريعة لتهريب جميع أنواع البضائع عبر لبنان وسوريا وتركيا.

في 3 حزيران/يونيو عام 2019، قدمت اليمن للمدير العام لليونسكو وثيقة التصديق على اتفاقية عام 1970 المعنية بوسائل حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة. ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 3 أيلول/سبتمبر 2019.

من الواضح أن هذه القوانين والاتفاقيات ليست الحل السحري الذي سيوقف عمليات النهب والسلب الهائلة التي تشهدها المواقع الأثرية. ولكن لا يسعنا إلا أن نتساءل، في مواجهة التدمير والنهب الهائلين للتراث السوري والعراقي والفلسطيني واليمني، عن هدف وفعالية جميع الاتفاقيات والمعاهدات وقرارات الأمم المتحدة.

هل لدينا أي قصص نجاح لنرويها؟ وهل أنقذت أي من هذه القوانين والاتفاقيات تراث أي بلد من بلدان الشرق الأوسط من التخريب والتدمير والنهب أثناء الصراعات المسلحة؟ ولا بد من التوقف والتفكر والتأمل حول مصير التراث في الشرق الأوسط في السنوات القليلة الماضية، بالنظر إلى جميع القوانين والاتفاقات المكتوبة والموقعة التي لم تحترمها أبداً الأطراف في مراكز السلطة، ولم يؤد ذلك إلا إلى زيادة الشعور بالعجز والإحباط لدى المجتمعات المحلية التي تواجه صراعات إقليمية كبرى.

ثمة ضرورة ملحة لإعادة تقييم بعثات هذه المنظمات وسياسة الحفاظ على التراث في عالمنا المعاصر.

تتساءل لين ميسكيل (2018) عن دور اليونسكو في ضوء التطورات السياسية الكبرى الأخيرة، مع عرض دراسات حالة مختلفة من مختلف أنحاء العالم تبين أوجه القصور التي تعتري اليونسكو، في ظل ما تتعرض له المواقع الأثرية المختلفة من نهب وسلب.

على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة، ستفتتح وزارة الثقافة اللبنانية متاحف جديدة للآثار والتاريخ. ومع ذلك، يظل السؤال المطروح هو كيفية تنظيم عالم المتاحف الخاصة، في ظل غياب أي قوانين تتعلق بترخيص المتاحف والمجموعات والإدارة والأخلاقيات.

في عام 2016، أنشأت وزارة الثقافة مجلساً إدارياً للهيئة العليا للمتاحف يتألف من سبعة أعضاء؛ رئيس ونائب رئيس ولجنة تنفيذية. ويتمثل دور هذه الهيئة في الإشراف على إنشاء المتاحف اللبنانية العامة والخاصة وإدارتها، والحفاظ على التراث الثقافي اللبناني، وتعزيز مهارات العاملين في المتاحف. وثمة منظمة أخرى قادرة على لعب دور في تشكيل قطاع المتاحف في لبنان، وهي اللجنة الوطنية للمجلس الدولي للمتاحف (ICOM)، وهي منظمة غير حكومية أثبتت مكانتها باعتبارها كيان رائد في عالم المتاحف. تُعد اللجنة الوطنية للمجلس الدولي للمتاحف هي المنظمة العالمية الوحيدة في قطاع المتاحف. وبوصفها منتدى للخبراء، تُقدم توصيات بشأن المسائل المتصلة بالتراث الثقافي، وتُعزز بناء القدرات وتنهض بالمعرفة وتضع معايير مهنية وأخلاقية لأنشطة المتاحف. حتى الآن، لا تزال كلتا اللجنتين في لبنان غير عاملتين لأسباب غير معروفة، ولم تتخذا موقفاً من إنشاء متحف نابو.

يُعد جمع الآثار والفن دلالة على الثقافة والترف والثروة، ويبدو أنه بدأ يستعيد زخمه كإحدى الهوايات المفضلة للأوساط الغنية والراقية في المجتمع اللبناني.

وقد تطور هذا الهوس بجمع التحف، مع العروض الفارهة للثروة التي يقوم بها هواة جمع التحف، إلى افتتاح متاحف خاصة لإظهار مجموعاتهم الثرية. وصار جامعو التحف الأثرياء يتنافسون على امتلاك أغلى الأعمال الفنية أو الآثار، غير مبالين بقيمتها العلمية التاريخية أو الأثرية.

أزال متحف نابو مؤخراً جميع القطع الأثرية التي كانت معروضة، مكتفياً فقط بعرض الأعمال الفنية واللوحات والمنحوتات. بيد أنه منذ ذلك الحين، لم تتخذ المديرية العامة للآثار أو أي هيئة رسمية خطوة واحدة للتحقيق في الموقع الحالي لهذه القطع الأثرية.

في عام 2013، أعادت جامعة كورنيل أكثر من 10 آلاف لوح سومري إلى العراق، وفي عام 2018، أُعيد إلى العراق أكثر من 450 لوح، استولت عليها الحكومة الأميركية، ومن المحتمل أنها نُهبت من مدينة “أريساگرك” (Irisagrig) وهي مدينة سومرية تقع ما بين النهرين. هل ستتدخل الجمهورية اللبنانية وتشجع متحف نابو على إعادة أي من القطع الأثرية المنهوبة إلى بلدانها الأصلية المختلفة؟

من الحقائق الراسخة أنه نظراً لمتطلبات السوق، يمكن لهواة جمع التحف أن يصبحوا تجاراً، وأن نشر هذه القطع الأثرية وعرضها يسهم في زيادة سعرها في السوق ومن ثم يُمثل ذلك إستراتيجية تسويق مثالية. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن السؤال الذي يتعين طرحه هو ما إذا كان نشر عدد من القطع الأثرية وعرضها في متحف نابو مجرد خطة تسويقية لضمان الحصول على صفقة مربحة أكثر عند إعادة البيع؟ وإذا تعمقنا أكثر في هذا السؤال، هل المتحف بمثابة وسيط لبيع آثار المنطقة؟ وهل أصبح متحف نابو أكبر متجر جديد للآثار في الشرق الأوسط؟

نيللي عبود

عالمة آثار ووسيطة ثقافية ومديرة جمعية “المختبر الثقافي” (MuseoLab)، وهي منظمة غير حكومية هدفها التوعية بأهمية التراث الثقافي من خلال الأنشطة التعليمية العملية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني