“حرب العملاء”… جاسوس مصري في أميركا
للتنصت على معارضي النظام

يثير القبض على بيير جرجس تساؤلات حول مُن دُمّرت حياتهم بسببه، والعائلات التي تفرّقت وعانت بناءً على وشاية منه على أحد أفرادها، ومن كانوا في إجازات بالقاهرة ولم يعودوا فاعتقلوا وفقدوا وظائفهم أو دراساتهم بالولايات المتحدة بسبب إبلاغه عنهم أو وشايتهم بهم لأي سبب.

لم تكن قصة الجاسوس المصري في الولايات المتحدة عابرة، بالنسبة إلى الصحف العالمية، كما كانت في صحف القاهرة، التي تجاهلتها ولم تنشر حرفاً واحداً عنها، برغم أنها تفضح الكثير من “تكنيكات” إدارة الدولة المصرية صراعها مع المعارضة في الخارج.

خلال كانون الثاني/ يناير 2022، ألقت السلطات الأميركية، وتحديداً مكتب التحقيقات الفيدرالي، القبض على مصري مقيم في مدينة نيويورك، بتهمة التجسس على المعارضين السياسيين، لمصلحة النظام المصري. 

وقالت وزارة العدل الأميركية، في بيان رسمي، إن رجلاً يُدعى بيير جرجس متورط في تبادل معلومات مع مسؤولي إنفاذ القانون الأميركيين حول معارضين سياسيين مصريين، دون تسجيله وكيلاً لحكومة أجنبية رسمياً. 

يبلغ جرجس 39 سنة، ويحمل الجنسية الأميركية إلى جانب المصرية، وهو مسيحي من “أقباط المهجر”، وحضر أكثر من مؤتمر واحتفالية نظمها الرئيس عبد الفتاح السيسي وأنصاره، ومن بين ما رصدته السلطات الأميركية، أنه عقد اجتماعات سرية بين مسؤولين مصريين وآخرين أميركيين، ورتّب للمسؤولين المصريين حضور تدريب للشرطة في الولايات المتحدة، لا يجوز لأجانب حضوره. 

التجسس على المعارضين المصريين في الخارج والوشاية بهم

بدا الشاب المصري- الأميركي نافذاً في مساحات محددة من دوائر صناعة القرار الأميركية، وهو ما سمح له بترتيب العلاقات بين مسؤولين مصريين– أغلبهم من جهات أمنية واستخباراتية– ونظرائهم في الإدارة الأميركية، وذلك، بحسب بيان وزارة العدل الأميركية، بناء على “طلب وتوجيه كاملين” من مسؤولين حكوميين مصريين منذ عام 2014. 

ويسمح القانون الأميركي للأجانب والمواطنين بالعمل وكلاء لدول أجنبية على أراضيها لخدمة مصالح بلادهم في الولايات المتحدة، شريطة ألا يمسّ حرية الآخرين أو يتعقّبهم وكذلك أن يكون مسجلاً لدى السلطات، حتى يكون نشاطهم مرصوداً ومراقباً كي لا يمس الأمن القومي الأميركي، فيُمارسون أنشطتهم ولكن يجب أولاً توثيق الهويات والأهداف وشبكة العلاقات والتحويلات المالية. ويجمع عمل الوكيل بين جوانب عدة: استخباراتي وديبلوماسي وقانوني وسياسي. يتواصل مع “لوبيهات” ومراكز أبحاث وشركات علاقات عامة وأعضاء في الكونغرس وأحزاب ليقوّي موقف دولته، مقابل هدايا و”رشاوى” أحياناً، في أكثر الوجوه فساداً للديموقراطية الأميركية، إلا أن كل ذلك يكون مُراقباً وخاضعاً لقواعد وقوانين وتقاليد. 

لكن الأمر بالنسبة إلى بيير جرجس كان مختلفاً. عمل دون توثيق ليتهرّب من الرقابة ويخالف قوانين “وكلاء الدول الأجنبية” ويتجسّس على المعارضين المصريين بالخارج ويجمع تفاصيل ومعلومات عن حياتهم، ويقدم سيلاً من المعلومات حولهم، ويتابع أنشطتهم، ويرصد تحركاتهم، ويقدم للنظام المصري أدلة وشهادات لإحراجهم وإرهابهم وابتزازهم، وسهّل مهمته علاقته بسياسيين كبار كانوا يساعدونه في تجاوزات ضد قوانين الولايات المتحدة، فكان “بيير” يعرف تماماً أن المال يحكم قلوب السياسيين الأميركيين وعقولهم، وينفق في ذلك الكثير. ورصدت السلطات الأميركية حصوله على معلومات “لا تنشر للعامة” بوساطة علاقاته، ونقلها إلى القاهرة، وكذلك ترتيب مزايا خاصة لمسؤولين مصريين، وإرسال معلومات عن ناشط معارض للسيسي وآخرين إلى أجهزة أمنية مصرية، وعام 2017، أطلع ضابط إنفاذ قانون بالولايات المتحدة على معلومات حول نشطاء معارضين للسيسي، تلقاها من مسؤول حكومي مصري بغرض معرفة المزيد عنهم، ثم أرسل بطاقة هوية لمصري في الولايات المتحدة إلى مسؤول بـ”إنفاذ القانون” لتتبعه، ثم تلقى منه أسئلة، وأرسلها إلى مصر، وكي يحكم دوائر نفوذه، وعلى سبيل الرشوى، شارك في تنظيم رحلة ترويجية للسياحة المصرية إلى القاهرة لحوالى 100 ضابط شرطة من مدينة نيويورك ومقاطعة “ناسو”. 

من هو بيير جرجس؟ وكيف سقط في شباك المخابرات؟ 

بدأت علاقة بيير بالنظام المصري، عبر القنصلية المصرية في نيويورك، حين وجدته ناشطاً وموالياً للدولة وذي علاقات واسعة في الأوساط الأميركية كونه حاملاً للجنسية الأميركية ويعمل نائباً لرئيس بنك “كابيتال ون” الشهير، فجنّدته عام 2014، مقابل تقديم خدمات “أمنية” لشدتها وخطورتها وتهديدها الخصوصية، التي يقدّسها القانون الأميركي، بدأ يمارس أعماله سراً دون توثيق، ظهر فقط موالياً للدولة المصرية ومدافعاً عنها في المحافل، وليس عميلاً و”جاسوساً” لأجهزة الأمن يمارس أنشطته بأجر. ومن أسرار اختياره أيضاً، أنه يعيش ويملك شبكة علاقات عملاقة في نيويورك، المقر الأصلي والمعقل الأساسي للجالية المصرية في الولايات المتحدة. 

كان مدرَّباً ويمارس نشاطه بشكل طبيعي كأي مواطن مصري في دولة أخرى، يحمل انحيازات سياسية ويتواصل مع سفارة بلاده باستمرار، ككبار الجاليات ومسؤوليها، فعمل وكيلاً لنحو 7 سنوات دون أن يكتشفه أحد من الأجهزة الأمنية الأميركية التي لا تتوقَّف عن االبحث والمراقبة والتفتيش عن “الجواسيس”، إلا أن ما مدّ في عمر مهمته دون سقوطه، أنه لم يكن جاسوساً على الولايات المتحدة، بل كان جاسوساً على المصريين هناك، والمعارضين تحديداً، ويبدو أن الأجهزة المصرية، حين كلفته بالمهمة، كانت تعتقد أنه طالما كان المستهدفون مصريي الأصل، فلن تكون للسلطات الأميركية علاقة بالأمر. 

ووثقت البيانات الأميركية، التي تناولت القبض على “الجاسوس المصري”، أن أكثر فترات انتعاشه كانت خلال عامي 2018 و2019، فحصل على الكثير من “التعليمات والتوجيهات” من القنصلية المصرية في نيويورك، وتواصل مع أكثر من جهاز أمني، وهو ما يعتبر “ثمرة محرمة” في أعراف “صراع الأجهزة” الدائر دائماً بين الأجهزة الأمنية في القاهرة، فنصحه مسؤول أحدها، في محادثة مسرّبة، بـ”التركيز مع جهازه فقط وعدم التواصل مع جهاز آخر حتى لا يفقد مكانته ومكاسبه”، وذلك بقوله: “لا يمكنك أن تتعامل مع كل الأجهزة، أنت تعمل لدينا فقط”.

تلقى بيير التهديد، وهو يعرف أن على الجهة الأخرى هناك مندوب من أكبر الأجهزة التي يستفيد منها وتستفيد منه، فوعده بعدم فعل ذلك مرة أخرى: “احنا بنتعلم منك، وده مش هيتكرر تاني”، ثم بدأ ترتيب لقاءات بين مسؤولين مصريين ونظرائهم في نيويورك، وأبرزها كان دعوتهم إلى حضور تدريبات جهاز الشرطة المحلي في “مانهاتن”. 

وأكثر من ذلك، بيير كان مسؤولاً عن تجييش المؤيدين كلما استدعى الأمر تظاهرات أو وقفات احتجاجية أو مسيرات دعم للمصريين في الولايات المتحدة، تحديداً خلال تظاهرات الإخوان المسلمين المُندّدة بالسيسي، التي كانت حدثاً أسبوعياً لسنوات، وكذلك خلال حضور السيسي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

إقرأوا أيضاً:

سر “الحشد المسيحي” في انتظار السيسي بالأمم المتحدة

كانت مثيرة للاهتمام والدهشة دائماً الأعداد الغفيرة من المصريين التي تنتظرُ السيسي في نيويورك في أيلول/ سبتمبر من كل عام، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبتدقيق النظر يمكن أن تكتشف ملاحظات عدة، أولها أنه يتمّ حشدهم ونقلهم في أوتوبيسات إلى مقر الاحتشاد في انتظار السيسي، وتزويدهم بأدوات كصور السيسي والأعلام، وثانياً، الحضور المسيحي الكبير، الذي يلزم لحشده أن يكون المسؤول عن حشد المؤيدين واحداً من “أقباط المهجر” فكان بيير مثالياً لهذه المهمة، أما المسلمون في نيويورك، فأغلبهم تابعون لمساجد يسيطر عليها الإخوان المسلمون وأصدقاؤهم… فيصعب حشدهم، ولذلك كان الرهان على الوجوه المسيحية، لسهولة حشدها، فيمكن ذلك عبر القساوسة وأساقفة كنائس المهجر الأرثوذكس، وعبر الموالين للجيش، الذين نمت أعدادهم خلال حكم الإخوان الذي عانى منه المسيحيون في مصر، وشهد موجات هجرة ولجوء إلى كندا والولايات المتحدة وأوروبا، ومن المعروف أن الكنيسة المصرية من أكثر المؤسسات دعماً وتأييداً للسيسي، على عكس الأزهر وإمامه الأكبر. 

وفي البحث عن جرجس، وُجدت صور وفيديوات له على مواقع التواصل الاجتماعي و”يوتيوب” تكشف أنه لم يكن عميلاً سرياً، بل كان ناشطاً في الكثير من الفعاليات التي تنظمها السفارة المصرية بالولايات المتحدة، وتشير إلى أماكن نشاطه، واهتماماته، فكان دائماً ما يحرّض المصريين في الولايات المتحدة على التظاهر برفقة “عائلاتهم” في بعض الميادين الأميركية، وذلك لإظهار “الحب والولاء” للقاهرة.

واختراقه المجتمع الأميركي الرسمي جاء من كونه عضواً نشيطاً في منظمة لضباط الشرطة والأفراد المدنيين ذوي الأصول التركية والشرق أوسطية في إدارة شرطة نيويورك، التي سمحت له بالتعرف إلى مسؤولين رسميين، ورّطهم لاحقاً في لقاءات مع مسؤولين مصريين حضروا تدريبات للشرطة الأميركية، على خلاف القانون. أمّا دعمه السياسي، فكان تحت غطاء جبهة “سند مصر” التي كان عضواً بارزاً بها أيضاً، وهي حركة داعمة للحكومة المصرية في أميركا، وذلك كي لا تثير اتصالاته المكثفة بالسفارة المصرية وحضوره الفعاليات الداعمة لنظام السيسي الشكوك وتكون لافتة، لتحوّله من “عميل سري” ينتهك القانون ويتجسس على مقيمين بالولايات المتحدة- وبعضهم أميركيون- إلى “مصري وطني متعصّب” فقط. خدعت تلك اللعبة الأجهزة الأميركية لـ7 سنوات، وكان ذلك كافياً، فانكشف كل شيء مطلع العام الثامن.

حرب الجواسيس… لعبة نظام السيسي الجديدة 

ينتظر بيير جرجس، الجاسوس المصري في نيويورك، عقوبة السجن لمدة تتراوح ما بين 5 و10 سنوات، طبقاً لعقوبتي اتهامي “التآمر للعمالة حساب دولة أجنبية دون إخطار المدعي العام”، التي تصل عقوبتها إلى 5 سنوات، و”العمل كعميل لدولة أجنبية”، التي تصل عقوبتها إلى 10 سنوات. وفيما ينتظر جرجس المحاكمة، يقف النظام المصري متفرجاً صامتاً حيال ما يحصل، دون إصدار بيانٍ أو إبداء أي رد فعل، أو محاولة لتسوية الأمر سياسياً. وهي العادة التي لم يتخلَّ عنها النظام المصري أبداً، خلال المرات التي سقط فيها جاسوس مصري بدولة أجنبية. 

ففي الفترة الأخيرة، بات تجنيد الجواسيس أسلوباً مصرياً شائعاً في مواجهة المعارضة بالخارج، عبر تعيينهم لجمع معلومات عنهم أو تهديدهم أو تعطيل أمورهم، أو معرفة المزيد عنهم لابتزاز أسرهم أو سجنهم، كما حدث سابقاً مع الناشط المصري في الولايات المتحدة، علي حسين مهدي، وآخرين كوائل غنيم، الذي سُجن شقيقه سلفاً.

تعتمدُ القاهرة في “حرب الجواسيس” التي تديرها على ضمان عدم تعرضها لسياسات الدولة الأخرى، تتابع فقط من يسيئون إلى النظام السياسي، وتراقبهم لفرض واقعها الخالي من حقوق الإنسان والعامر بالعنف على المصريين بالخارج. وتشير المؤشرات إلى أن ذلك لاصطيادهم فور عودتهم إلى القاهرة إذا كانوا يشاركون بمظاهرات أو يروّجون شعارات مناوئة للنظام المصري، أو وضعهم على قوائم الترقب والانتظار، أو جمع المعلومات حول النشطاء المعارضين لابتزازهم بها فيما بعد، فمن الشائع في مصر، ضمن الصراع السياسي الدائر، تسريب معلومات إلى الصحف ونشرها حول الحياة الشخصية للمعارضين والنشطاء والمغضوب عليهم.. بغرض ابتزازهم أو إسكاتهم، أو تشويه صورتهم وإضعاف الروح المعنوية لذويهم كي ينصرف الناس عما يقولونه، ولترهيبهم أحياناً. 

إقرأوا أيضاً:

وزيرة الهجرة المصرية متهمة بـ”تهديد المعارضين بالقتل”

يتماشى ذلك مع التصريح الشهير لوزيرة الهجرة المصرية، نبيلة مكرم، التي هددت في إحدى المناسبات المصوّرة، المعارضين المصريين بالخارج، وقالت إن “أي حد بالخارج يقول كلمة على بلدنا، يجرى له ايه؟ يتقطع” (مع إشارة بقطع الرقبة)، وهو ما اعتُبر خارجياً تهديداً بالقتل للمختلفين مع النظام المصري باستخدام لغة غير دبلوماسية أو تصلح للشئون الدولية، خاصة أنها صادرة عن سفيرة سابقة، وهو ما يعني أن التهديد مقصود، واستخدام لفظ “التقطيع” على غرار الطريقة التي قُتل بها الصحفي السعودي جمال خاشقجي كان مقصوداً به الترهيب، ويلعب الجواسيس المصريون دوراً بارزاً في تلك المهمة. 

ويثير القبض على بيير جرجس تساؤلات حول مُن دُمّرت حياتهم بسببه، والعائلات التي تفرّقت وعانت بناءً على وشاية منه على أحد أفرادها، ومن كانوا في إجازات بالقاهرة ولم يعودوا فاعتقلوا وفقدوا وظائفهم أو دراساتهم بالولايات المتحدة بسبب إبلاغه عنهم أو وشايتهم بهم لأي سبب. سواء كانوا معارضين أو على خلاف شخصي معه، وسط ذهول من كون مصر جنّدت جاسوساً في الولايات المتحدة، ليس للتجسس على دولة معادية كما جرت العادة في الدراما المخابراتية كرأفت الهجان وجمعة الشوان، إنما للتجسس على المصريين ومراقبتهم والوشاية بهم. وهو ما يعني أن المصريين في الخارج جميعاً ليسوا بمأمن من المراقبة والتجسس، بخاصة في الدول التي تنطلق منها فعاليات وتظاهرات معارضة للسيسي كتركيا والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وطالما كان هناك جاسوس في الولايات المتحدة، فيُرجح أن المخابرات المصرية تزرع جواسيس آخرين بدول أخرى لمراقبة المعارضين المصريين وجمع المعلومات حولهم والوشاية بهم وتسليمهم.

وتعقد قضية بيير جرجس من موقف مصر الحقوقي، إذ إنها ستعتبر تمارس عنفاً عابراً للقارات وبشكل منظّم منذ سنوات عبر مراقبة النشطاء وأهالي المعتقلين في الخارج وتهديدهم بالإيذاء أو التعرض لذويهم في مصر، لا تكتفي فقط بالعنف الذي تمارسه على أراضيها. وهو ما عزّز انتقالها من من تصنيف الدول “الحرة جزئياً” إلى “غير الحرة”، حسب مؤسسة “فريدوم هاوس“، وذلك لدورها السيء في العنف العابر للقارات، وتدين في الوقت نفسه مخابرات النظام المصري، وتضيف نقطة سوداء جديدة إلى ملفها دولياً، ما يصنفها دولة خطراً لسعيها المستمر إلى زرع جواسيس في دول أخرى، وهو ما يقلق الأجهزة المخابراتية بتلك الدول، ويزيد التضييق على المصريين، الذين تتضاعف الشكوك تدريجياً بكونهم عملاء لأجهزة أمنية في بلادهم.. وقد يؤدي ذلك إلى الضغط على مصر بصورة أكبر، إذا أرادت بعض الدول، التي اكتشفت “جواسيس مصر” ذلك، فبيير جرجس هو الجاسوس المصري الثاني الذي يسقط بدولة أجنبية خلال أقل من 12 شهر. 

لم يتجسس على ميركل رغم عمله بمكتبها… 

كان الجاسوس المصري في ألمانيا، أمين.ك، أول من لفت الأنظار إلى أن الحديث عن الجاسوسية المصرية لم يعد مرتبطاً بحقبة تاريخية وسياق تاريخي محددين، فسقوطه عنى أن مصر لا تزال ترسل جواسيس إلى دول أجنبية “صديقة” وليست الدول العدوة فقط.

وأمين هو مواطن ألماني من أصل مصري، التحق بالعمل في مكتب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وتحديداً المركز الإعلامي للصحافة، الذي يتصل بالحكومة الاتحادية مباشرة، ومقره برلين، وذلك عام 1999، رغم أنه كان يعمل قبل ذلك بسنوات وقبل حصوله على الجنسية الألمانية لحساب جهاز أمني مصري.

وفي وقت لاحق، أوقعته أجهزة أمنية تابعة للسفارة المصرية في برلين (مندوب جهاز المخابرات بالسفارة تحديداً)، في شباكها لكي يتعاون معها في أنشطة غير مشروعة، حسب القانون الألماني.. وكانت مهمته الأساسية منذ تجنيده، هي استغلال موقعه الوظيفي واستغلال المعلومات السرية التي يطلع عليها لإعداد تقارير حول السياسة الداخلية والخارجية لألمانيا وتسليمها لعناصر أمنية بالسفارة، والجانب الأكثر أهمية في دوره هو “جمع بيانات عن النشطاء المصريين المعارضين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا، وطالبي اللجوء السياسي”. 

وخلال فترة تجنيده، أعد تقارير حول تناول الإعلام المحلي في ألمانيا للشأن المصري، لتذهب إلى السلطات المصرية في القاهرة وقدم معلومات مهمة حول من يعملون معه بالمركز الإعلامي وإفشاء أسرار 5 زملاء مولودين في سوريا، وتم تكليفه ما بين عامي 2014 و2015 من جانب جهاز المخابرات المصري بتجنيد مترجم مسؤول عن تغطية الأنشطة البرلمانية، وحاول إنجاز تلك المهمة لكنه فشل.

وتشير أوراق القضية إلى عدة ملاحظات، أولها أن الجاسوس المصري في ألمانيا لم يحصل على أي مقابل، لا منح ولا أموال ولا إكراميات، وإنما طلب فقط “معاش تقاعدي” لوالدته في القاهرة، وحضور بعض الحفلات الرسمية بالسفارة المصرية في برلين كوداع السفير، وهو ما يشي بكونه عملاً إجبارياً دون مقابل، ربما حفاظاً على الحياة المستقرة لعائلته في مصر، وتشير توقعات إلى أنه تم تهديده أو ابتزازه لأداء تلك المهمة مجاناً أو عدم الرفض. 

“الأمنجية” في الخارج… جواسيس مصر الناعمون

يكشف تقرير المخابرات الداخلية الألماني أن جهازي المخابرات والأمن الوطني المصريين ناشطان في ألمانيا، ويهدفان إلى جمع معلومات عن معارضي نظام السيسي المقيمين في البلاد، وخاصة المتعاطفين مع الإخوان المسلمين، ومتابعة الأقباط المقربين من جمعيات أهلية ومراقبتهم وكذلك الصحفيين المصريين في ألمانيا، والتجسس على طالبي اللجوء السياسي من المصريين. 

وسجّلت وسائل إعلام، تزامناً مع سقوط الجاسوس المصري في ألمانيا، روايات كثير من المصريين المقيمين بالخارج وتجاربهم مع من سمّوهم “الجواسيس والأمنجية” (أي المقربين من أجهزة الأمن) الذين “يبلغون عن أي أحداث تقع في نطاق وجودهم أو ينشرون أخبار ترغب الجهات الحكومية في ترويجها بين مواطنيها في الخارج”. 

ويعزز الروايات حول وجود هؤلاء بكثرة، سعي وزارة الهجرة المصرية، منذ نحو عام، إلى تكوين ائتلافات واتحادات للمصريين بالخارج لتسهيل التواصل معهم وجمع معلوماتهم والتقرب منهم وتنظيم مؤتمرات وجلسات “أونلاين” لاستيعابهم والتواصل المستمر معهم، وربما “تجنيدهم”، ويمرّ ذلك بعدة مستويات، فهناك المستوى الأول لكبار الجاليات، الذين تتم استضافتهم بمنتدى شباب العالم، كصالح فرهود، رئيس الجالية المصرية في فرنسا، وعلاء ثابت، رئيس الجالية المصرية في ألمانيا (وهما من أبرز المدافعين عن النظام المصري بالخارج ويشتهران بالتواصل مع الأجهزة الأمنية). 

على مستوى آخر، تجنّد طلاب مصريون بالخارج عبر ما يعرف بـ”مركز وزارة الهجرة للحوار لشباب المصريين الدارسين بالخارج”، المسؤول عن ضم طلاب الخارج وتعبئتهم بأفكار النظام القائم، وأخيراً، بدأت وزارة الهجرة إعداد جلسات مع الجيلين الثالث والرابع في الخارج (الأطفال والأحفاد) بحضور الوزيرة، للحديث عن إنجازات النظام المصري وأهمية التعاون مع الدولة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني