عرائس اليمن في مصيدة الموت…
قاصرات مهمشات في “قفص الزواج”

"تزوجت وأنا طفلة، لا أعرف معنى الزواج ولا كيف أتعامل مع زوجي، بل كنت أخاف منه، فهو يكبرني بكثير".

“غصبني أبي على الزواج وكنت مجرد طفلة أمضي يومي كله في اللعب مع أطفال الجيران”، بهذه العبارة تسرد نجود معاناتها مع والدها الذي أجبرها على الزواج حين كانت في الثالثة عشرة من عمرها، تقول: “وجدتني أرتدي الفستان الأبيض عنوة، فيما كنت أمضي أيامي في اللعب والتجول في محوى المهشمين الذي أنتمي إليه”.

نجود أحمد (23 سنة)، من محافظة تعز، زوَّجها والدها قبل 10 سنوات لرجلٍ يكبرها بثلاثة أضعاف سنها، لتجد نفسها فجأة عروساً وزوجةً لا تفقه في أمور الحياة الزوجية، ولا تعرف عنها وعن التزاماتها شيئاً، لتمضي أيامها في منزل الزوجية باحثة عن زوايا تعيش فيها طفولتها.

تقول نجود لـ”خيوط”: “تزوجت وأنا طفلة، لا أعرف معنى الزواج ولا كيف أتعامل مع زوجي، بل كنت أخاف منه، فهو يكبرني بكثير”. 

عرائس الحرب والجهل

يعتبر زواج القاصرات ظاهرة منتشرة في المجتمع اليمني، وقد زادت الحرب من اتساعها كثيراً، خصوصاً في أوساط المهمشين، إذ بدأ الآباء يسوقون فتياتهم الصغيرات إلى مصيدة الموت؛ تنصُّلاً عن مسؤوليتهم تجاههن أو طمعاً بمهورهن.

وفق دراسة حديثة خاصة بالمهمشين، صادرة في أيلول/ سبتمبر 2021، عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، واقتصرت على محافظات تعز وصنعاء وعدن، وصلت نسب تزويج طفلات (10 إلى 18 سنة) في مدينة تعز فقط إلى 17.9 في المئة عام 2014 من عدد الفتيات المهمشات، وفي العاصمة صنعاء 27 في المئة حتى عام 2020، وفي العاصمة الموقتة للحكومة المعترف بها دوليّاً عدن بلغت النسبة 6 في المئة.

وأشارت الدراسة إلى ارتفاع معدلات الزواج المبكر في أوساط المهمشين في عموم محافظات اليمن، خصوصاً خلال سنوات الحرب، فيما تقدر منظمة “اليونيسف” أن أكثر من 4 ملايين طفل من جميع فئات المجتمع تزوجوا قسراً في البلاد عام 2021.

مؤشرات خطيرة

باعتبار أن الحياة الزوجية تسودها التزامات ومسؤوليات أسرية لا تستطيع أن تتحملها طفلة قاصرة، فقد تحدد سن الزواج وفقاً لقوانين الأحوال الشخصية في مختلف دول العالم، بعمر 18 سنة، بحيث تصبح الفتاة ذات أهلية للزواج.

في اليمن، حدد قانون الأحوال الشخصية الذي صدر بقرار جمهوري عام 1992، السن الأدنى للزواج عند بلوغ 15 سنة، ولا يصح تزويج الصغير ذكراً أو أنثى قبل بلوغ هذه السن، وفق ما نصت المادة رقم (15) من القانون، لكن لا يتم العمل بذلك القانون، خصوصاً بين المهمشين.

ارتفعت حالات الوفاة بين النساء اليمنيات عموماً إلى أكثر من 500 حالة وفاة في كل 100 ألف حالة ولادة بين عامي 2019 و2020، ولا يوجد إحصاء خاص بالنساء المهمشات اللواتي يتم تزويجهن في سن مبكرة، ويتعرضن لمضاعفات الحمل والولادة والتي قد تودي بحياتهن، إلا أنهن يمثلن نسبة كبيرة من هذا الإحصاء الرسمي الذي اطلعت عليه “خيوط”.

تروي نجود معاناتها خلال فترة زواجها الذي لم يستمر إلا ثلاثة أشهر قائلة: “عانيت في تلك المدة القصيرة كثيراً، بسبب مشكلاتي مع زوجي، وقد ضاعف حملي في الشهر الثاني من زواجي، من تلك المعاناة كثيراً”؛ فجسدها النحيل البالغ من الوزن 35 كلغ، لم يعنها على تحمل أعباء الحمل، تقول: “تعبت جدّاً وتدهورت صحتي أثناء الحمل والولادة، وما زلت أعاني حتى الآن بسبب الولادة، ومن يوم ولادتي أصبحت أعتبر الولادة (غريم الموت)”.

إقرأوا أيضاً:

الدوافع والأسباب

تتعدد أسباب زواج القاصرات في فئة المهمشين، إذ يشرح الدكتور ياسر الصلوي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، أن حالة الفقر المدقع والتهميش وانتشار الجهل في أوساط هذه الفئة، أخطر الأسباب التي تدفعهم إلى تزويج فتياتهم قبل بلوغ السن القانوني، غير مدركين مخاطر ذلك الزواج.

ويوضح لـ”خيوط”، أن فئة المهمشين أفقر فئات المجتمع اليمني، وهي طبقة معوزة جدّاً وتفتقر لأبسط الخدمات الأساسية، ما انعكس سلباً على حياتهم ودفعهم لتزويج فتياتهم للتخفيف من الأعباء المعيشية دون وعي بمخاطر ذلك.

ويتفق مع هذا الرأي عبدالغني عقلان، رئيس “جمعية التنمية من أجل الدمج” وأحد أبناء الفئة، إذ يرى أن الفقر والحاجة المادية يدفعان الآباء إلى تزويج بناتهم قاصرات، لأنهم يعتبرون زواج الفتاة نوعاً من أنواع ترتيب الوضع المالي، من طريق الاستفادة من المهر الذي يتقاضاه الأب مقابل زواج ابنته، إضافةً إلى تدني مستوى الوعي بأضرار الزواج المبكر، مشيراً إلى أنه يجب أن تعمل المنظمات والمؤسسات المعنية على توعية أولياء الأمور في هذا الجانب؛ لأن هناك قصوراً كبيراً.

ويوضح عقلان لـ”خيوط”: “عدم حصول الفتيات المهمشات على التعليم والمهارات المهنية وإدارة الأعمال، وغياب المشاريع الخاصة كبقية نساء المجتمع، جعلهن بلا عمل ويعانين من الفراغ العاطفي بنظر بعض الأسر؛ ما يدفعهم لتزويجهن في سن مبكرة”، مشدداً على ضرورة التمكين الاقتصادي والتأهيل العلمي للمرأة المهمشة من قبل منظمات المجتمع المدني والجهات المعنية.

بحسب تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، اطلعت عليه “خيوط”، فإن الفقر وانعدام الأمن من الأسباب الجذرية لتزويج الأطفال والزواج المبكر والقسري، لا سيما في المناطق الريفية وأوساط المجتمعات المحلية الأشد فقراً التي تعتبر- غالباً- الزواج وسيلة لضمان الكفاف الاقتصادي للفتيات والنساء اللواتي ليست لديهن إمكانية الوصول إلى الموارد، واللواتي يعشن في حالات فقر مدقع، مشيراً إلى أنه قد يكون لتزويج الأطفال مزايا اقتصادية، من قبيل مهر أقل للعرائس الأصغر سنّاً.

زواج فاشل

يجب أن يبنى الزواج على التفاهم والتكافؤ ليحقق أهدافه، التي في أعلاها خلق حالة من الاستقرار، وهذا ما لا يحدث حين تتزوج الفتاة قبل بلوغها السن القانوني.

يقول الصلوي: “العلاقة بين الزوجين في هذه الحالة تكون غير منسجمة، وتحصل مشكلات كبيرة بين الأسر تتسبب في تفككها والطلاق، الأمر الذي يضع الفتاة في دائرة جديدة من المعاناة، وتصبح عبئاً على أسرتها، وتتشكل حلقة مفرغة من الفقر والتهميش بين أفراد الفئة”، معقباً: “هذا لا يساعد المهمشين على تغيير أوضاعها وحِراكهم الاجتماعي بحيث يندمجون مع المجتمع بشكل أفضل”.

ويشير إلى أن الفتاة الصغيرة تكون في مرحلة لا تستطيع فيها القيام بالكثير من المهمات الأسرية أو تحمّل الأعباء الزوجية، وليست متكيفة بدنيّاً ولا صحيّاً ولا اجتماعيّاً؛ وبالتالي تفقد الفتاة الاستقرار، وتسود العلاقة الزوجية حالة من المعاناة والتوتر، ما يؤثر في طبيعة الحياة الاجتماعية بين الأسر المهمشة بشكلٍ عام.

تؤكد نجود أنها عانت كثيراً لتحصل على حقها في الطلاق من زوجها غير المكافئ لها عمريّاً، تقول: “واجهت مشكلات كثيرة، وكان زوجي يضربني ويعنفني، وهربت إلى بيت أهلي وكنت حاملاً، وما قدرت أكمل معه، وأبي كمان كان يضربني ويشتي يرجعني بالقوة، لكني ما رضيت، ولما اقتنع قدمنا طلب للمحكمة، وجلسنا فترة نفعل جلسات، لأنه زوجي كان رافض بالبداية يطلقني”.

عضوة الفريق القانوني لاتحاد نساء اليمن المحامية أمل الصبري تروي لـ”خيوط”، أنها صادفت الكثير من قضايا طلاق سببها الزواج المبكر، وأن هناك نسبة كبيرة من تلك القضايا لنساء مهمشات، لافتةً إلى أن الزواج المبكر يعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفولة، فالفتاة تتعرض لمشكلات صحية ونفسية تودي بحياتها إلى الهلاك.

وتضيف الصبري، أن الزواج المبكر يعد من أخطر الظواهر التي يعاني منها المجتمع اليمني، مشيرةً إلى أنه لا توجد في الدستور اليمني قوانين ثابتة وملزمة تحدد سناً آمنة للزواج، غير أنه في مخرجات الحوار الوطني كان هناك اتفاق على وضع سن آمنة لزواج الفتيات بنص قانوني يلزم الجميع بعدم تزويج الفتيات قبل بلوغهنّ الـ18 سنة، لكن لم يتم العمل به، خصوصاً في ظل الحرب التي اندلعت عقب الحوار.

“عانيت في تلك المدة القصيرة كثيراً، بسبب مشكلاتي مع زوجي، وقد ضاعف حملي في الشهر الثاني من زواجي، من تلك المعاناة كثيراً”

اضطرابات وآثار نفسية

مع تعاظم المسؤوليات وكثرة الالتزامات الزوجية تتعرض الفتاة عند تزويجها قاصرةً، لضغط نفسي، ينعكس سلباً على حياتها الاجتماعية وسلوكياتها وتصرفاتها.

تقول نجود: “تأثرت حالتي النفسية طوال أشهر زواجي الثلاثة، وكنت أفكر بطريقة للهرب وحسب، ولا أنام إلا بحبوب (عقاقير) تساعد على النوم وأستخدم مهدئات الأعصاب، ولاحظت أنني أصبحت عنيفة ولا أطيق من حولي، رغماً عني، وذلك بسبب مشكلاتي مع زوجي، خصوصاً عندما يتعامل معي بعنف شديد”.

وحول هذا تعقب الاختصاصية النفسية، مروى العواضي: “عندما يتم تزويج الفتاة مبكراً (10- 18 سنة)، تكون في مرحلة مراهقة، وتعاني من اضطرابات هرمونية، وينعكس ذلك على تصرفاتها وسلوكياتها عموماً، ولا تكون ناضجة نفسيّاً وجسديّاً وجنسيّاً، فلا تكون قادرة على اتخاذ قرارات سليمة أو التحكم في تصرفاتها أو تحمل أعباء المنزل وإقامة علاقة زوجية سليمة، وتنمو على إثر ذلك خلافات عميقة مع شريكها”.  

وتلفت العواضي إلى أن الصدمة النفسية للفتاة القاصرة تتزايد عند الحمل السريع، وتجد نفسها مسؤولة عن تربية طفل في حين أنها لا تزال في سن الطفولة أساساً وتكبر المهمات أمامها، وتدخل في دوامة من الاكتئاب والقلق والتوتر وتعيش ضغوطاً نفسية كبيرة، تسبب لها مضاعفات صحية.

بعد نجاح نجود في طلاقها من زوجها، تابعت تربية طفلها بمساعدة أسرتها، وعادت إلى دراستها الثانوية، ودخلت هذا العام الجامعة، بعدما كانت توقفت في الإعدادية بسبب زواجها، كما قررت أن تتزوج ثانيةً حين بلغت العشرين، وتصف هذه التجربة قائلة: “الآن في زواجي الثاني علاقتنا ناجحة، وأصبحتُ واعية جدّاً بالأمور الزوجية وعلى دراية بالحقوق الزوجية المتبادلة، وأستطيع أن أتفاهم مع زوجي بسهولة، وها نحن نعيش في انسجام وسلام”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني