fbpx

عملية غصن الزيتون الدامي: اقتلوا الخونة أعداء الداخل!

اتصل بي صديق من كرد تركيا يريد الاطمئنان على مصائر محتملة لأقربائي في عفرين. حقاً لم أفهم عليه في البداية، لأنه كان يحاول أن يتجنب ذكر كلمة عفرين! "هل تصلك أخبار من المنطقة؟".. "هل تتواصل معهم هناك؟".. وأسئلة من هذا القبيل...

اتصل بي صديق من كرد تركيا يريد الاطمئنان على مصائر محتملة لأقربائي في عفرين. حقاً لم أفهم عليه في البداية، لأنه كان يحاول أن يتجنب ذكر كلمة عفرين! “هل تصلك أخبار من المنطقة؟”.. “هل تتواصل معهم هناك؟”.. وأسئلة من هذا القبيل.
ترى أي منطقة يقصد؟ ومن “هم” المقصودون في السؤال؟ ففي لقاءاتنا السابقة وجهاً لوجه لم يتم التواطؤ بيننا على لغة رمزية قد يمكن الإحالة إليها. ومن ناحيتي واظبت على استخدام لغة البشر الطبيعيين، سواء حين كنت في سوريا، أو بعد نزوحي إلى تركيا، بما في ذلك في المكالمات الهاتفية. ليس بطولةً مني، بل لأنني كنت “أرتكب” في سلوكي وكلامي “موبقات” أكثر خطورة من مجرد تبادل أخبار أو أفكار على التليفون، منسجماً، في ذلك، مع مناخ الثورة التي أطلقت ألسنتنا وجعلتنا نسمع صوتنا وهتافاتنا للمرة الأولى في حياتنا. بل بلغ بي الاستهتار أنني كنت، في السنة الأولى للثورة، أستخدم هاتفي النوكيا للاتصال بوسائل الإعلام والتحدث باسمي الشخصي عن مجريات الثورة ومعانيها السياسية.
ذكرني اتصال صديقي الكردي – التركي، إذن، بالاتصالات بين سوريين في الداخل ونظراء لهم خارج البلاد، في السنوات المبكرة من الثورة السورية. كانت تلك المكالمات أقرب إلى ألغاز يصعب تفكيكها وفهمها. فالاتصال صوتي، أي محروم من أي مساعدة إيمائية من شأنها تفكيك الرموز والمجازات الغريبة المستخدمة في الكلام. فكان المتكلم من الداخل يضطر لبذل جهد ووقت لإعادة صياغة فكرة واحدة مرات، حتى يفهم عليه الطرف الآخر.
هذه عينة بارزة على جو الرعب السائد في تركيا، منذ بداية الحرب على عفرين. وهو ما يفسر امتناع كرد تركيا – ناهيكم عن آخرين – عن النزول إلى الشوارع تضامناً مع أبناء جلدتهم في عفرين ورفضاً لحرب جيش دولتهم على البلدة الكردية وراء الحدود.
للمقارنة، نتذكر المظاهرات الكردية الصاخبة في كثير من المدن، إبان معركة كوباني – خريف 2015، مع أن الجيش التركي لم يكن طرفاً فيها. وقد تحولت تلك المظاهرات إلى صدامات دامية، مع قوات الشرطة وأنصار حزب الله الكردي – التركي الموالي للحكومة، قتل فيها عشرات الأشخاص.
فما الذي تغير، منذ ذلك الحين، ليسود جو الرعب الذي يخيم الآن على تركيا؟
شن الجيش التركي، منذ آب 2015، حرباً مدمرة على مدن كردية جنوب شرقي الأناضول، في أعقاب فشل “العدالة والتنمية” في الحصول على الغالبية المطلقة في الانتخابات العامة، ما يعني اضطراره، قانوناً، لإنشاء حكومة ائتلافية مع أحزاب أخرى، للمرة الأولى منذ صعوده إلى السلطة في 2002. وقد تعذر تشكيل الحكومة الائتلافية، وأعيدت الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، فاستعاد الحزب الحاكم غالبيته البرلمانية المعتادة، ليشكل الحكومة بمفرده.
في تلك الأجواء كانت حرب الشرطة على المظاهرات الكردية المنددة بموقف الحكومة السلبي من معركة كوباني، بمثابة جزء من حرب الجيش التركي على المدن الكردية التي أدت إلى نزوح نصف مليون شخص من موطنهم، وفقاً للتقرير السنوي الصادر مؤخراً لمنظمة العفو الدولية، إضافة إلى مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعوقين، والدمار العمراني الكبير الذي يذكر ببعض المدن والأحياء السورية.
ثمّ كان الحدث الثاني الكبير: الانقلاب العسكري الفاشل الذي أعقبته إجراءات انقلابية من الحكومة، كحملات الاعتقال والطرد من الوظائف العامة والمحاكمات المسيسة أو الكيدية التي طالت عشرات آلاف الأشخاص، في ظل قانون طوارئ يتيح للحكومة إصدار “قرارات بمثابة قوانين” بدون الرجوع إلى البرلمان المفترض أنه الجهة الوحيدة المخولة بالتشريع وفقاً للدستور النافذ. من نافل القول إن هذا القمع لم يقتصر على الانقلابيين أو على جماعة فتح الله غولن الدعوية المعتدلة التي اتهمتها الحكومة بتدبير المحاولة الانقلابية. بل استهدف أيضاً نواباً في البرلمان، كرداً وأتراكاً علمانيين، وصحافيين، وأساتذة جامعات اتهموا بدعم الإرهاب لأنهم أصدروا بياناً طالبوا فيه بوقف الحرب على المدن الكردية، ورجال أعمال، ومراسلين لوسائل إعلام أجنبية، ومنظمات حقوقية معنية بحقوق الإنسان..
ثمّ كان الاستفتاء على تغيير الدستور، في نيسان 2017، للانتقال من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي يجمع كل السلطات في يد الرئيس. وكانت الحملة السياسية والإعلامية التي مهدت للاستفتاء المذكور أقرب إلى حرب طاحنة، وكأن من يرفض تغيير النظام السياسي هو خائن يستحق العقاب، خاصةً إذا كان من القاعدة الاجتماعية للحزب الحاكم. وكان الرئيس السابق عبد الله غل ورئيس الحكومة السابق أحمد داوود أوغلو من أبرز من تعرضوا للتنكيل الإعلامي، فقط لأنهم لم يشاركوا في حملة التأييد للتغيير الدستوري.
وهكذا وصلنا إلى عملية غصن الزيتون الدامي في جو من الإرهاب وكتم الأصوات المعارضة، حيث يعتقل الناس بسبب تغريدات تويتر أو ستاتوسات فيسبوكية أو تصريحات إعلامية، ويحكم على صحافيين بالسجن المؤبد بسبب آرائهم. وترافقت العملية العسكرية التي لا يمكن تبريرها لغياب أي أعمال عدائية ضد تركيا من الطرف المستهدف (وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا)، مع ضخ إعلامي حربي مكثف جدير بصحافة حزب الله اللبناني ضد خصومه اللبنانيين، بقيادة الرئيس أردوغان بالذات الذي يظهر على وسائل الإعلام يومياً بتصريحات تعتبر أي رأي رافض للحرب على عفرين بمثابة الخيانة الوطنية ودعم الإرهاب.
في هذا الجو المشحون أطلق مذيع أخبار على قناة “آكيت تي في” ذات التوجه الإسلامي فضيحة إعلامية، اضطر، على أثر ردود الفعل، على الاستقالة من عمله والإحالة إلى الاستجواب القضائي.
قال أحمد كسر، في برنامجه الإخباري، في معرض رفضه الاتهامات الأوروبية الموجهة للجيش التركي بقتل مدنيين في عفرين: “لو أردنا قتل المدنيين، لبدأنا من أحياء جيهانغير وأتيلر ونيشانتاش…” وهي أحياء في إسطنبول تقطنها طبقة متوسطة متعلمة، معارضة، عموماً، لحكم حزب العدالة والتنمية.
تعرض الرجل، في أعقاب “زلة لسانه” المذكورة، إلى رفض إجماعي في وسائل الإعلام، بما في ذلك وسائل الإعلام الموالية التي تخوّن يومياً أي انتقاد لعملية غصن الزيتون.
كتبت الصحفية أصلي آيدن تاشباش مقالةً تستغرب فيها من استغربوا واستنكروا كلام أحمد كسر، معتبرةً أنه عبر بفصاحة، ودونما مواربة، عما يعتمل في صدور كثيرين ممن انتقدوه بالذات. ففي بيئة تخوين قطاعات إجتماعية كاملة، فضلاً عن أصحاب الرأي، وفي الوقت الذي يتحدث فيها أصحاب القرار كل يوم عن “أعداء الداخل” ويتم تهديدهم علانيةً، لا محل لاستغراب المستغربين، كما تقول تاشباش.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني