عندما يفرض المسؤولون الآذريون رقابة على التاريخ

يظل السرد التاريخي ثرياً ومعقداً ومتنوعاً، ويسمح للمرء عند تأمله بالعثور على أمثلة وافية ومسارات متعددة، خالية من القصص الأيديولوجية المختلقة المفروضة فرضاً.

خلال أيامٍ فحسب، نجح السياسيون الآذريون في فرض رقابة على تاريخ جمهوريتهم، وأعلنوا رسمياً عن إجراءات مستقبلية لإبادة ثقافية بحق الأرمن.

في مطلع شهر كانون الثاني/ يناير، أعلن صحافي يعمل في القناة التلفزيونية الآذرية الرسمية “أيه زد تي في | AzTV” عن إذاعة وثائقي بعنوان “أسرار مئة عام”، عن محمد أمين رسول زاده، مؤسس جمهورية آذربيجان الديموقراطية الأولى (1918-1920). كان من المزمع بث الوثائقي في 31 كانون الثاني، بمناسبة الذكرى الـ 138 لميلاد رسول زاده. لكن في 30 كانون الثاني، نفت القناة تخطيطها لِوثائقي من هذا القبيل. فرسمياً، لم يكن ثمة وجود للوثائقي الذي يتناول حياة رسول زاده، في تقليد ستالينيّ معروف.

لا تعرف دوائر السلطة في باكو كيف تتعامل مع مؤسس الجمهورية الآذربيجانية الذي عاش قبل قرنٍ مضى. إذ جاءت استجابتهم الوحيدة تجاه ذكرى مؤسس جمهوريتهم في شكل “الرقابة”. ليس من الواضح ما الذي يزعج الحكام الحاليين في باكو بشأن رسول زاده، لكن قد تكون صفة “الديموقراطية” التي تتبع اسم الجمهورية الأولى من ضمن الأسباب. وربما يتمثل أحد الأسباب الأخرى في التنافس على الشرعية بين أسرة علييف الحاكمة، وإرث رسول زاده متمثلاً في “حزب المساواة”، الذي ألهم أجيالاً من المثقفين القوميين في المعارضة الآذرية.

تعكس الرقابة المفروضة على ذكرى رسول زاده شكوكاً عميقة: إذ تواجه النخبة الحاكمة في آذربيجان صعوبات في تعريف تاريخ جمهوريتهم، بل وتعريف الهوية الآذرية الحالية؛ للدولة وشعبها. جاء هذا الالتباس نتيجة عقودٍ من الفرض الأيديولوجي للهوية بحسب الاعتبارات السياسية الانتهازية، فقد فُرضت هوية وطنية “موحدة للجميع” من الأعلى إلى الأسفل (من قِبل السلطة) على مجتمع معقد وتعددي. في خضم هذه العملية، يُزيف التاريخ ليواكب السياسات دائمة التغير للطبقة الحاكمة المهيمنة. 

بعد بضعة أيام لاحقة، واصلت الآلية عملها في تدمير التاريخ لخدمة المصالح الأيديولوجية. ففي شباط/ فبراير أعلن وزير الثقافة الآذري، أنار كريموف، عن تشكيل “مجموعة عمل حكومية من المتخصصين في التاريخ والعمارة الألبانيين، لإزالة الآثار (والإضافات) الخيالية التي كتبها الأرمن على جدران المعابد الدينية الألبانية”. كيف لِوزير لا يدري ما يفعله حيال ذكرى مؤسس دولته التي يعود تاريخها لِمطلع القرن العشرين، أن يعرف أيّ شيءٍ عن تاريخ ألبانيا القوقازية، تلك الثقافة غير المعروفة التي اندثرت قبل نحو 1300 سنة؟

مع ذلك، أعلن وزير الثقافة الآذري عن إعداد حكومته لما يمكن وصفه بأنه إبادة ثقافية- وأعي تماماً مدى حدة مصطلح “إبادة”. إذ دمرت حكومته بالفعل التراث الثقافي الأرمني -فعلياً كل حجر أرمني- في ناخيتشيفان (نَخجَوان)، بما في ذلك المقبرة الأرمنية القديمة في جلفا التي تمتعت بقيمة عالمية -تاريخية وثقافية- لا تقدر بثمن. حينذاك، ادعت السلطات الآذرية أن المقبرة والأديرة في ناخيتشيفان كانت تنتمي للتراث “الألباني القوقازي”، وليس للتراث الأرمني. لكنهم برغم ذلك، لم يترددوا في إرسال الجيش وتدمير أحجار الخاتشكار (المعروفة أيضاً باسم أحجار الصليب الأرمني) التي يعود تاريخ نحتها إلى قرون مضت.

إقرأوا أيضاً:

تضع أعمال الإبادة الثقافية تلك آذربيجان في الخانة ذاتها مع حركة “طالبان” التي دمرت تماثيل بوذا في باميان عام 2001، أو تنظيم الدولة الذي دمر مواقع ايزدية ومسيحية ومنحوتات تعود إلى ما قبل الإسلام في سوريا والعراق. تدمر العصابات المسلحة القطع الأثرية في محاولة منها لمحو الذاكرة التاريخية وفرض نسخة إيديولوجية عن الماضي من تصورها- وأيضاً بناء مستقبل استبدادي.

والآن، يعلن أنار كريموف مجدداً أنه سوف يشرع في تدمير كنائس وأديرة وآثار أرمنية بُنيت منذ قرونٍ: لأن تدمير التاريخ هو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الدولة الأذربيجانية للاستيلاء على إقليم كاراباخ، من خلال الادعاء أن تلك الأراضي، وما عليها من تراث وثقافة، تنتمي “للألبان القوقازيين” لا الأرمن.

تفصل بضعة أيام فحسب بين هذين الحدثين: فرض الرقابة على تاريخ أول جمهورية آذرية (آذربيجانية) والإعلان عن التدمير المرتقب للتراث الثقافي الأرمني. وكلاهما مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالآخر. ففي كلتا الحالتين تدخلت القيادة السياسية الأذربيجانية لتحديد ما هو تاريخي وفرض الرقابة، والرقابة الذاتية، على التاريخ المنصرم وتدميره، معتبرةً أن هذا هو السبيل الوحيد لكسب الشرعية السياسية.

سارع كثر من المثقفين المعارضين في آذربيجان إلى الدفاع عن ذكرى رسول زاده في مواجهة الرقابة. وقد فعلوا ذلك باسم الديموقراطية الآذرية، التي تقف في مواجهة الديكتاتورية والحكم الوراثي.  إلا أن هذا يصنع إشكالاً آخر، فتحويل رسول زاده، مؤسس أول جمهورية آذرية، إلى شخصية “ديموقراطية” مناهضة للاستبداد هو أمر يتجاهل التاريخ، شأنه شأن تدمير التراث الثقافي الأرمني بذريعة أنه ينتمي إلى “ألبانيا القوقازية”.

تُعد شخصية رسول زاده الحقيقية أكثر تعقيداً وإثارة للجدل من تلك الإسقاطات الأيديولوجية: فمثل المثقفين القوقازيين الآخرين في مطلع القرن العشرين، كان رسول زاده اشتراكياً وقومياً موالياً للعثمانيين، وإصلاحياً قاجارياً، وكان مرةً بلشفياً ومرات أخرى يحاول التقرب من المناشفة، وقد تحول من كونه قائداً لـ”حزب الهمة” (هميت) الاشتراكي إلى زعيمٍ لـ”حزب المساواة”، وكان ناشطاً في الثورة الدستورية الإيرانية، قبل أن يصبح موالياً للعثمانيين وعموم التُرك، ثم متعاوناً مع حركة “تركيا الفتاة”. تُعد سيرة رسول زاده خيرَ مثالٍ على تحول جيلٍ بأكمله من التعددية السياسية في فترة ما قبل 1918 إلى الانتماء لِقومية آذريّة مبهمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بِحركة “تركيا الفتاة” و”جمعية الاتحاد والترقي”، والأيديولوجية التُركية عموماً.

تعاني آذربيجان، مثل معظم جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي التي بقيت دون إصلاح، من الأثر القوي للنزعة الستالينية، لتدخل الدولة في كيفية تعريف تاريخها وبالتالي هويتها الجمعية. لكن خلافاً لمعظم جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة الأخرى، تحمل آذربيجان عبئاً ثقيلاً آخر على عاتقها: متمثلاً في الرابط الجوهري بين القومية الآذربيجانية الحديثة و”حركة تركيا الفتاة”، و”جمعية الاتحاد والترقي”، وجيش القوقاز الإسلامي وزعيمه نوري باشا، وزعيم الإبادة الجماعية أنور باشا.

مجدداً، تشهد الرقابة المفروضة على تاريخ رسول زاده والتدمير الموعود للثقافة الأرمنية على مدى ارتباط النزاع في كاراباخ بِتاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة، لا سيما عملية إبادة الأرمن العثمانيين وتدمير تراثهم الثقافي. تذكرنا هذه الأحداث أيضاً بأن القومية المفروضة من الأعلى إلى الأسفل (من قبل السلطة) وإنشاء هوية وطنية هي أمور تتعارض بصفة أساسية مع قيم الديموقراطية والتعددية وحرية التعبير.

لن ينتهي النزاع بين آذربيجان وأرمينيا ما دام الحكام المستبدون يستغلون التاريخ لخدمة مشاريع بناء الأيديولوجيا التي يضطلعون بها. ولن تنهض الديموقراطية الآذربيجانية ما دام الشعب الآذري يؤيد الأيديولوجيات الشمولية وينتمي إليها، سواء كانت الستالينية أم القومية التركية. لكن يظل السرد التاريخي ثرياً ومعقداً ومتنوعاً، ويسمح للمرء عند تأمله بالعثور على أمثلة وافية ومسارات متعددة، خالية من القصص الأيديولوجية المختلقة المفروضة فرضاً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني