بيروت- ستالينغراد… بحثاً عن الحب

عدتُ إلى بيروت، وقد حلّقت الطائرة فوق العتمة ذاتها إيذاناً بوصولنا إلى البلاد... ذُبح قلبي مرّة أخرى، لكنني شعرت برغبة عارمة في النهوض واحتضان بيروت، "لا بأس يا حبيبتي هناك من سيأتي بحثاً عن الحب".

إنه نقاش قد يخوضه المرء مرة أو مرتين على الأكثر في حياة واحدة، لأنه يبدو خوضاً في العبث وسط هول الكوارث المحيطة بالمدينة. ما أصل اسم بيروت؟ سأل صديق صربيّ بعد الكأس الثالثة في البار الصغير في الفندق ذات النجوم الأربع في مدينة القاهرة. 

كنت قد غادرت بيروت قبل يوم واحد ومشهد العتمة تخيم على المدينة، مع إقلاع الطائرة، ما زال يذبح قلبي. “بيروتا كلمة آرامية تعني الصنوبرة”، قال أحد الأصدقاء وأظنّه لجأ إلى محرّك البحث. بيروت تعني الصنوبرة وفق هذه الرواية، لكثرة شجر الصنوبر فيها، “لكنها الآن مجرد صنوبرة مقطوعة ومنسية”، قلتُ بمنتهى الجدية، وطلبت المزيد من النبيذ الأبيض. تشبه بيروت كثيراً حرشها المعتدى عليه مراراً وتكراراً تارة بقطع الأشجار وطوراً بإقفاله بوجه الناس ودائماً بالإهمال والمصادرة.
تقول رواية أخرى إن بيروت هي “بئروت” وفق اللغات المشرقية القديمة، لكثرة الآبار والينابيع فيها. يقرأ صديقنا عن هاتفه شارحاً للضيف الصربي. يؤلمني أنني كنت مجبرة على الإنكار، بيروت لم تعد مدينة الآبار، ذلك أن كثيرين من أبنائها يموتون من العطش، وكذلك تموت مساحاتها الخضر نظراً إلى الفساد في سياسات إدارة المياه، والطاقات الأخرى.

سرّني أن الحديث انتقل بسرعة إلى مكان آخر، فقد أخبرنا نيكولا أنه التقى حبيبته الأولى بعد عشرين عاماً من الفراق في الجميزة، إذ كانت تجري بحثاً عن تاريخ المدينة. أكد نيكولا أن بيروت ستبقى مدينة حبّه الأول. حين سألناه عما حصل للفتاة بعد لقائهما، ضحك قليلاً، ردّ شعره الطويل إلى الخلف وقال بإنكليزيته المنمّقة: “تزوّجت رجلاً وسيماً”. 

تُطبع المدن بحكاياتها، فغولغوغراد تبدو مدينة غريبة وغير مألوفة، لكنها الاسم الرسمي لستالينغراد التي ارتبط اسمها بالمعركة التاريخية بين السوفييت والألمان والتي انتهت بخسارة هتلر. تغير اسم المدينة مع وفاة الزعيم الروسي ستالين، إذ عمد خليفته نيكيتا خروشوف إلى محو كلّ شيء مرتبط بالزعيم الدكتاتوري السابق، ووصل الأمر إلى حد محو اسم الرجل من كتب التاريخ. لكن المدينة في عمقها وفي ذاكرة التاريخ والناس، بقيت ستالينغراد وإن اختلف الأمر قانونياً ورسمياً. 

أما لينينغراد فاستعادت اسمها “سان بطرسبرغ” عام 1991 في استفتاء شعبي، وبذلك تراجعت سطوة فلاديمير لينين، زعيم الثورة البولشفية، واستعادت المدينة قلبها.

لم يتغيّر اسم بيروت، إنه اسم تحمله منذ آلاف السنين، كما ورد في مخطوطات مصرية وكنعانية قديمة، لكنّ هناك من يحاول تغيير رمزيتها، من مطبعة الشرق إلى مدينة عاجزة عن تنظيم معرض حقيقي للكتاب يجمع المؤلفين ودور النشر والقراء في مكان واحد، ومن مستشفى الشرق إلى بؤرة من الفساد الصحي والأدوية المقطوعة، ومن مدينة للتنوّع والحرية إلى منهبة تُسرق فيها الودائع والحقوق وحريات التعبير. لم يتغيّر اسم بيروت، المدينة التاريخية العظيمة، لكنّ هناك من حاول قتلها مراراً، حتى أصبحت المكان الذي شهد واحداً من أكبر الانفجارات في التاريخ الحديث. وهكذا من مدينة للصنوبر والحياة، تسير بيروت إلى العتمة والموت والعراك والتجويع والإفقار. ومن مدينة للماء والحب، إلى مدينة عطشى وبلا كهرباء، لا نملك فيها شيئاً من الاستقرار العاطفي والنفسي والقدرة على الخوض في علاقات لطيفة، حتى تحوّلت العلاقات إلى نهايات حتمية مهما بدت البدايات واعدة.

إقرأوا أيضاً:

لم تفقد المدينة اسمها، لكنّها تفقد ألقابها ومعانيها أزمةً تلو الأخرى، ومثلها تفعل بغداد، أو مدينة السلام بالفارسية، إذ تتحول إلى بيئة حاضنة للاغتيالات والموت المجاني والقمع. وأيضاً دمشق، “الحديقة المزهرة” بالآرامية، التي قُتلت زهورها وهُجّر ناسها وفقد ياسمينها رونقه… كيف يزهر الياسمين في الحرب؟

سألني صحافي عن السبب الذي دفعني إلى نشر روايتي في القاهرة لا في بلدي، قلت له بصوت خفيض: “لأن بيروت حزينة”. لا أعرف إن كان بالفعل فهم معنى حزن بيروت، لكنه السبب الحقيقي والوحيد. ليست القاهرة مدينة خالية من الأزمات، لكنّ حزن بيروت الذي يمتد إلى كل تفاصيلها، يتجاوز قدرتي على المواجهة وقدرتي على التواطؤ من أجل إنتاج جديد… لقد هربت إلى القاهرة، لكنّ بيروت كانت معي أكثر مما كنت أتخيّل، كانت في روحي، في رغبتي في الأشياء، بيروت حالة دائمة، والهروب لا يشفي من الحب.

وعدني نيكولا بأنه سيزور بيروت قريباً، “بحثاً عن حب جديد؟”، سألته، فقال: “بالتأكيد”.

عدتُ إلى بيروت، وقد حلّقت الطائرة فوق العتمة ذاتها إيذاناً بوصولنا إلى البلاد… ذُبح قلبي مرّة أخرى، لكنني شعرت برغبة عارمة في النهوض واحتضان بيروت، “لا بأس يا حبيبتي هناك من سيأتي بحثاً عن الحب”…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني