ملامح من قهر العراقيات في دخان سيجارة “محرّمة”

في متجر بيع اللوحات، تكمل الصبية تدخين سيجارتها. من الدخان المتصاعد، بإمكان من يمعن التأمل، أن يرى ملامح من قهر النساء العراقيات. بعد انتهائها، تطفئ الصبية السيجارة كأنها تطفئ رغبة محرّمة. ثم تغادر.

دخلتْ فجأة إلى المتجر، الذي يعرض علينا صاحبه لوحات لرسامين عراقيين للبيع في أحد أزقة شارع الكرّادة، المخصص للفن التشكيلي، في العاصمة العراقية بغداد. صبية صغيرة، عمرها لا يتجاوز 25 سنة، قالت للبائع، كما لو أنها تأتمنه على سرّ: “عمّو، هل أستطيع أن أدخّن سيجارة هنا؟”. 

بدا السؤال صادماً بالنسبة إلي. نظرتُ إلى وجه البائع لأرى ردّ فعله، فوجدته يبتسم، وقد هزّ رأسه موافقاً. استلت الصبية سيجارة من علبة سجائر في حقيبتها وأشعلتها. سألتهما، وقد بدا عليّ أنني لم أتخلّص بعد من وقع الصدمة، عن الذي حدث للتوّ. بدا أمراً غير مفهوم. لماذا تدخل صبية إلى محلّ مغلق وتطلب إذناً لتدخين سيجارة، فيما كان بإمكانها ببساطة أن تشعلها في الخارج؟ أليس هذا ما يجب أن يحدث في الحالات الطبيعية؟ أعني عندما تكون، عادةً، في مكان مغلق، تخرج وتدخّن في الهواء الطلق، وطبعاً لا تحتاج إلى إذن لفعل ذلك. فكّرتُ لوهلة أن التدخين ممنوع في العراق، وأنه واحد من القوانين القمعية الغريبة المتوارثة عن نظام الطاغية صدام حسين. وإلا لماذا تلجأ فتاة إلى محل لبيع اللوحات في زقاق لكي تشعل سيجارة؟ 

شرحت لي الصبية، فيما العمّ صاحب المحلّ يبتسم ويتابعنا بنظراته، أن النساء في العراق لا يستطعن التدخين في الشارع. هذه من الأعراف التي تلامس “المحرّمات”. ويعتبر تدخين المرأة في الفضاء العمومي عيباً، وقد لا تنجو من تجرؤ على التدخين علانية في الشارع من النظرات المستنكرة، ولا بدّ أن تلاحقها عبارات جارحة من جمهور الذكور الذين يستبيحون الشارع. حتى بعض النساء الذكوريات يمكن أن يشاركن في حفلة التأنيب إذا ما تجرّأت فتاة أو سيدة على إشعال سيجارة وراحت تمجّ منها على الرصيف. هذا “العرف” لا ينطبق طبعاً على الرجال. في الخارج، يدخّن الرجال كما يحلو لهم، بلا أي محاذير أو معايير. يدخّنون ويرمون أعقاب سجائرهم على الأرض ويدوسونها بأحذيتهم الضخمة. 

لاحقاً في أحد مقاهي الشارع نفسه، كانت هناك سيدات يدخنّ السجائر، إضافة إلى أخريات يدخنّ النراجيل. والمقهى، بحسب تعريف عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، فضاء عمومي، يفترض أن يكون حاله كحال الشارع. لكنه أكثر “عمومية” من الشارع في بغداد، ويترك مساحة أوسع للنساء من الشارع المكتظ بالذكور والأعراف الذكورية. وبغداد، كما يقول العراقيون، هي أكثر المدن العراقية “انفتاحاً”، بالمقارنة مع بقية المحافظات المحافظة، إذا استثنينا مدينتي أربيل والسليمانية في إقليم كردستان. ومع ذلك تبدو مفارقات كهذه صارخة، لتعيد النقاش حول “الانفتاح” إلى مربّعه الأول. 

كنا صحافيين وصحافيتين من “درج”، نزور العراق، وكانت لنا فرصة زيارة ثلاث مدن فقط: أربيل في الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي، والموصل في محافظة نينوى، وأنهينا زيارتنا في العاصمة بغداد. وإذا كان المرء والمرأة، على حدّ سواء، يلمسان في العاصمتين أربيل وبغداد حضوراً أنثوياً في الشوارع والمقاهي والأسواق والسيارات ووسائل النقل، وبينهن الكثير من السيدات ممن لا يرتدين الحجاب، فإن زيارتنا السريعة إلى الموصل المدينة المحررة من “داعش” و”المحتلة” اليوم من “الحشد الشعبي”، لم تلتقط فيها أنظارنا أي حضور للنساء في الحيز العمومي. مع أننا قمنا بجولة في السيارة في شوارع المدينة التي احتلتها “داعش” لسنوات قبل تحريرها عام 2017، وجلسنا لما يزيد على ساعتين في منتدى ثقافي للكتاب، داخل المدينة، وكان مكاناً ممتلئاً بالكامل بالذكور، لولا حضور زميلتينا في “درج”. ومع أن هناك في المكان دورة مياه مخصصة للنساء، وهو ما يعني احتمال حضور إحداهن إلى المكان، لكن تبين لاحقاً أن الحمّام المخصص للنساء، مستباح بالكامل من الرجال، ويتصرف الجميع على أن احتمالات وجود نساء في المكان شبه معدومة. 

لا تكفي زيارة لبضع ساعات إلى مدينة تاريخية كالموصل للحكم عليها من مشاهدات قليلة، لكن ثلاث ساعات من دون رؤية أي سيدة أو فتاة في الشارع أو في المقهى، أو حتى وراء مقود سيارة، فهذا بالتأكيد مؤشر له دلالاته، تماماً كحادثة الصبية التي تختبئ في محل بيع اللوحات لتدخّن سيجارة في بغداد. الحادثتان تقولان الكثير عن أوضاع المرأة في العراق، مع تسجيل مفارقة اساسية ترتبط بعدد البرلمانيات العراقيات الفائزات في الانتخابات الأخيرة واللواتي سجلن أعلى نسبة “كوتا” نسائية في البرلمانات العربية قاطبة، مع 97 امرأة، بنسبة تتخطى الكوتا المحددة بـ25 في المئة. لكن معظم البرلمانيات ينتمين إلى كتلة سياسية محافظة، وبالتالي يتمحور التحدي في قدرة هذا العدد من البرلمانيات على التأثير في القوانين والتشريعات المتعلقة بحقوق النساء داخل المجلس النيابي الجديد. 

هذه المفارقات تفسّر ربما الكثير من الأخبار “الجنونية” التي تخرج في الإعلام العراقي بشكل دوري عن حالات قتل النساء لأسباب تبدو “تافهة”، كأن يقتل “يوتيوبر” ابنته القاصر لأنه رآها تتحدث مع شاب أمام المنزل. أو يحرق رجل وجه صبية لأنها رفضت طلبه للزواج. أو جرائم تبدو أسبابها أكثر “تعقيداً”، كأن يقوم شاب بقتل اخته العابرة جنسياً بمباركة العائلة!

في متجر بيع اللوحات، تكمل الصبية تدخين سيجارتها. من الدخان المتصاعد، بإمكان من يمعن التأمل، أن يرى ملامح من قهر النساء العراقيات. بعد انتهائها، تطفئ الصبية السيجارة كأنها تطفئ رغبة محرّمة. ثم تغادر. تعود إلى الشارع المنضبط على إيقاع الذكور.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني