في إيران يُجبر معتقلو الرأي وأهلهم على الندم تلفزيونياً

الاقتصاص من المعارضين علانية أو عبر ذويهم وأقاربهم، أسلوب تتّبعه الأجهزة الأمنية والمحاكم الثورية منذ انتصار الثورة الإسلامية، مستوحية إياه من التاريخ الأسود لجهاز السافاك أيام الشاه المخلوع
مسيح علي نجاد

تبرع الأجهزة الأمنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أساليب الضغط النفسي على المعارضين، وتتّخذ من وسائل الإعلام الرسمي (هيئة الإذاعة والتلفزيون) منبراً لفعل ذلك. وتكاد تكون إيران من دول قليلة في العالم تُخصّص في إعلامها برامج “حوارية” تستضيف معارضين أو مخلّين بالأمن الاجتماعي، يُجبرون فيها على تقديم اعترافات قسرية وإعلان توبتهم على الملأ، أو أفراداً من عائلاتهم يعلنون براءتهم من أفعالهم وأقوالهم.

فبعدما أجبرت الشابة مائدة هجبري التي اشتهرت بفيديوهات الرقص على تطبيق إنستاغرام، في برنامج “بي راهه” أي “التائهون” على إعلان ندمها على ما قامت به، استضاف برنامج “بدون تعارف” أي “بلا مجاملات” مينا علي نجاد قمي، شقيقة الناشطة النسوية مسيح علي نجاد، فادّعت في الحلقة المعدّة سلفاً وبإتقان، أن عائلاتها المؤمنة بولاية الفقيه تخجل من نشاط شقيقتها المخالف للإسلام وللدولة الإسلامية. كذلك ظهر في برنامج 20:30 شقيق الناشط البيئي كاووس سيد إمامي، الذي تمّت تصفيته في السجن، ليؤكّد رواية السلطة بأنه انتحر، وبعد إعدام مؤسّس “حلقة العرفان” محمد علي طاهري، أجبر “مريدوه” الذين تم اعتقالهم، على تقديم اعترفات لا تليق بتاريخ العرفان في إيران.

“هو أسلوب تتّبعه الأجهزة الأمنية والمحاكم الثورية منذ انتصار الثورة الإسلامية، مستوحية إياه من التاريخ الأسود لجهاز السافاك أيام الشاه المخلوع”

أقارب الفنانين والصحافيين والحقوقيين والمثقفين المعارضين الذين يعيشون خارج إيران، غير مستثنين من هذه القاعدة. مطلع هذا العام استدعيت والدة أحد الصحافيين العاملين في قناة “بي بي سي” الناطقة بالفارسية إلى أحد مراكز الاستخبارات التي حمّلتها تحذيراً بأن ابنها، الذي يعيش في لندن، قد يتعرّض لـ”حادث مؤسف” إذا لم يكفّ عن انتقاد النظام الإسلامي.

الاقتصاص من المعارضين علانية أو عبر ذويهم وأقاربهم لا يقتصر على الأمثلة أعلاه، بل هو أسلوب تتّبعه الأجهزة الأمنية والمحاكم الثورية منذ انتصار الثورة الإسلامية، مستوحية إياه من التاريخ الأسود لجهاز السافاك أيام الشاه المخلوع، الذي هو بدوره نسخة عن جهاز الموساد الإسرائيلي، في ابتداع طرق التعذيب وانتزاع الاعترافات.

إقرأ أيضاً: إيران: حملة اعتقالات بتهم الرقص والوشم وعرض الأزياء والمرأة هي مكمن الضعف

بعد أحداث صيف 2009 التي اندلعت احتجاجاً على تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، نقل التلفزيون الرسمي الإيراني اعترافات تحت الضغط لمستشار الرئيس الأسبق السيد محمد خاتمي، الديبلوماسي الهادئ محمد علي أبطحي، تبرّأ فيها من الحركة الإصلاحية واتّهم رموزها بخيانة مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي. في الفترة نفسها أجبر أقارب ندا آقا سلطان الشابّة التي قتلت في إحدى المظاهرات في طهران، على تبنّي رواية السلطة حول مقتلها برصاص المخابرات الأميركية التي اندسّت بين المتظاهرين. الشيخ علي حسين منتظري صديق الإمام الخميني الوفي، الذي كان المرشّح الوحيد لخلافته، أمضى آخر عشرين سنة من عمره محاصراً، منبوذاً في منزله في قم، متّهماً بالانقلاب على مبادئ الثورة لصالح العدو، ولولا صداقته مع الخميني لكان مصيره أشدّ قسوة وإذلالاً.

“ليست مينا علي نجاد الأولى في التبرّؤ من نضال شقيقتها مسيح علي نجاد، ولن تكون الأخيرة”

إضافة إلى أسلوب ترهيب عائلات الناشطين المدنيين وإجبار المعتقلين على الإدلاء باعترافات مدبّرة، هناك أسلوب تركيعي آخر تتّبعه الأجهزة الأمنية في سجونها التي تغصّ بمعتقلي الرأي، وهو الاغتصاب والتهديد بالاغتصاب. فقصة الجندي السابق في تنظيم الحرس الثوري محسن كرمي الذي تعرّض للاغتصاب في سجن إوين، على خلفية تأييده “للحركة الخضراء” لا تزال ماثلة في ذاكرة المعارضين، كذلك حكاية الفتاة الكردية فريناز خسرواني، التي أشعلت انتفاضة مهاباد في العام 2015، بعدما انتحرت هرباً من الاغتصاب.

كذلك حرمان المعتقلين المرضى من تلقّي العلاج المناسب، يُعدّ أحد الأساليب الترهيبية الأكثر انتشاراً لدى الأجهزة الأمنية. الحال المرضيّة المتقدّمة للمعتقل اللبناني نزار زكا شاهدة على ذلك، كذلك  الوضع الصحي الحرج لنائبة منظمة حقوق الإنسان في إيران نرجس محمدي.

في الشكوى التي قدّمها المدير التنفيذي لمركز حقوق الإنسان في إيران هادي قائمي، لدى مجلس حقوق الإنسان، قال: “إن الحكومة الإيرانية تستخدم ذوي المعارضين للضغط عليهم وإسكاتهم”. وقد وثّق المركز عشرات الفيديوهات والمقابلات الصحافية المدبّرة، أدلى فيها ذوو معارضين يعيشون في إيران وفي الخارج، باعترافات مذلّة تحت الضغط والترهيب.

في العام 2015 أدرج الاتحاد الأوروبي إيران ضمن قائمة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، بعد حصوله على فيديوهات، يظهر فيها معتقلو رأي تعرّضوا للتعذيب، يدلون باعترافات بالإكراه، إلا أن المحكمة الثورية الإيرانية، أصرّت كما في السابق وكما تصرّ حالياً، أن المقابلات أجريت بعد موافقة السجناء ورغبتهم في إعلان توبتهم والتطهّر من ذنوبهم.

ليست مينا علي نجاد الأولى في التبرّؤ من نضال شقيقتها مسيح علي نجاد، ولن تكون الأخيرة. المعارضون الإيرانيون إلى تكاثر، والاحتجاجات تشتدّ يوماً عن يوم وكذلك القبضة الحديدية للنظام، وعليه ستحفل الشاشات الإيرانية بكثير من أفلام الندم والتوبة والعودة إلى الرشد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني