هل ممارسة التمارين الرياضية تجعل المرأة أكثر قوة في المجال العام؟

فبراير 10, 2022
"عندما تصبح النساء أكثر كفاءة جسدياً، فإنهن يتغيرن"

من بين الأدوات الرياضية ذائعة الصيت التي سيطرت على المخيلة الأميركية على مدار العقود القليلة الماضية، لم أكن أتوقع أن المنتج الذي تضرب جذوره بقوة في الاحتجاج النسوي هو جهاز “ثايماستر|ThighMaster” «عبارة عن أداة رياضية تستخدم لشد عضلات الفخذ». لنلق نظرة على هذا الإعلان التلفزيوني من العام 1991: نسمع في الإعلان صوتاً ذكورياً يقول بإعجاب “سيقان رائعة”، بينما تتجول في الشاشة امرأة ترتدي حذاءً بكعب عال لا يظهر منها غير ساقيها. يواصل الصوت: “كيف حصلت على هذه السيقان”؟ ليتضح في المشهد التالي أن هذه المرأة هي الممثلة التلفزيونية سوزان سومرز، التي تجيب أنه بعد ممارساتها لتمارين “الأيروبيكس” إلى أن “أنهكت تماماً”، وجدت أخيراً طريقة أسهل “لنحت وتنحيف منطقة الأرداف والفخذين”. 

على الرغم من أن الجهاز كان مادة للسخرية بين مقدمي البرامج التلفزيونية الذكور (استخدم جاي لينو أحد الأجهزة لعصر برتقالة في برنامجه “ذا تونايت شو”)، فقد تهافت المستهلكون -وغالبيتهم من النساء- على شراء ملايين الأجهزة بغض النظر عن أيّ شيء، مسحورين بعبارة سومرز الختامية التي تقول فيها: “ربما لم نولد بسيقان رائعة، لكن بات بإمكاننا الآن الحصول عليها”.

صحيح أن جهاز “ثايماستر” كان أحد العلامات المميزة لفترة التسعينيات، لكنه ما كان ليظهر مطلقاً على الساحة الوطنية لولا تفاوت الأجور في هوليوود. في الثمانينيات، وخلال مفاوضات تجديد عقدها لموسم خامس في المسلسل الكوميدي “ثريز كومباني” الذي عُرض على شبكة “أيه بي سي” التلفزيونية، طالبت سومرز بزيادة في أجرها ليصبح مساوٍ لِأجر زميلها في المسلسل نفسه، جون ريتر. رفضت الشبكة الأمر، وقلصت دورها إلى ظهور شرفي في حلقات متباعدة، قبل أن تستبعدها كلياً في نهاية المطاف. بعد عقدٍ من العمل في التلفزيون، أصبح “ثايماستر” تذكرة سومرز لتحقيق الاستقلال المادي — من خلال تأسيس إمبراطورية لياقة بدنية منزلية ترتكز على فكرة مثيرة للقلق مفادها أن أجساد النساء يمكن شراؤها وإعادة تشكيلها، وأن “أيّ مناطق مزعجة في الجسم” يمكن لمنتج لياقة بدنية منفرد أن يتغلب عليها جميعاً في آنٍ واحد، وأنه يمكن تقليص الدهون في الجسم إلى أن يتم التخلص منها تماماً.  

فكرة أن على المرأة أن تمارس الرياضة من أجل نفسها تتحدى أولاً فكرة أنه يجب أن يكنّ زوجات وأمهات، وتتحدى تالياً الأعراف السائدة لدى الناس.

يجسد “ثايماستر” المفارقة التي تناولتها الكاتبة دانييلا فريدمان في كتابها الخلاب الجديد “لنصبح رياضيات: كيف اكتشفت النساء التمارين الرياضية وكيف أعدن تشكيل العالم (Let’s Get Physical: How Women (Discovered Exercise and Reshaped the World”. تقول دانييلا إن القوة والسلطة ليستا مجرد أمور مجازية فحسب، وإنما صفتين بدنيتين أيضاً، وأن التقدم الذي تحرزه المرأة يقاس بقدرتها على استخدام كلتا الصفتين. وكتبت في مقدمة الكتاب أن الرجال، خلال معظم فترات القرن العشرين “حظيوا طوال حياتهم بإمكانية التدرب على كيفية استخدام أجسادهم وكيفية الثقة بها، على العكس من النساء”. كانت النساء ترتدين المشدات والأحزمة بطريقة تُقيد حركتهن. وحُذرن أيضاً من الآثار الصحية الوخيمة للركض لمسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات دفعة واحدة، وأُخبرن أن ممارسة التمارين الرياضية القاسية قد تؤثر على أعضائهن التناسلية بل وقد تؤدي إلى حدوث هبوط في الرحم. توضح فريدمان أن معركة التمكُّن من ممارسة التمارين الرياضية -الحصول على الحرية والقدرة والحق في استخدام جسدك الخاص- ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعارك أخرى، مثلما تُظهر لنا سيرة سومرز الشخصية. وكتبت أنه “عندما بدأت النساء في ممارسة التمارين الرياضية بأعداد كبيرة، كن يشاركن في فعلٍ ثوريّ: ألا وهو تعزيز القوة البدنية والاستقلالية”. ومن كان يعلم ما سيؤدي إليه ذلك؟

لكن ممارسة المرأة للتمارين الرياضية، أصبحت أيضاً جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الحميات الغذائية وثقافة الجمال وما غير ذلك من الأمور التي ترتكز على حقيقة أن أسهل طريقة لتحقيق الثراء هي من خلال مساعدة أيّ امرأة على الشعور بالسوء حيال ذاتها. سرعان ما أدركت الرائدات في حركة اللياقة البدنية أن دعوتهن ستبدو أقل تهديداً إذا ما تم إضفاء الطابع الأنثوي عليها — أو بالأحرى إذا ما تم الترويج للتمارين الرياضية بوصفها ممارسة من شأنها المحافظة على شباب النساء وزيادة جمالهن، أكثر من كونها ممارسة يمكن أن تجعلهن قويات. ولا يزال التزاوج الشائك بين اللياقة البدنية والمَرغُوبيّة أمراً يحتاج إلى إيضاح.

كتبت فريدمان عن اكتشافها تمارين الباليه الرياضية قبل بضعة أشهر من زفافها، عندما وعدتها صالة تدريب بالقرب من منزلها بتحويل “جسدها البالغ من العمر 35 عاماً إلى جسد راقصة باليه”. رأت فريدمان أن هذا يبدو “ممكناً ومثالياً للغاية”. كان رد فعل فريدمان شائعاً، لكن لماذا تبنت رد الفعل هذا؟ للاستفادة من الإمكانيات الحقيقية لأجسامنا، يجب علينا أولاً طرح تساؤلات عن كل ما عرفناه بشأنها، أو  شعرنا به تجاهها، أو أردنا تغييره عند النظر إلى المرآة.

في هذا الوقت من العام -بالنسبة للأشخاص الكسالى ومن يسرفون في شرب الخمور ومن يجدون الراحة والهدوء في الجلوس على الأريكة وتناول الطعام (لأكون صريحة، كل الشخصيات الثلاث السابقة تمثلني) يمكن لأمر بسيطٍ كقراءةِ الأخبار أن يكون نشاطاً مجهداً، مع احتمالية أن تزخر بِالإرشادات الإعلامية عن كيفية خوض ماراثون فعلي هذا العام، أو مدى روعة تجربة الإقلاع عن شرب الكحوليات لمدة شهر، أو لماذا تزيد الدهون حول الخصر لدى النساء مع تقدمهن في العمر. ومثلما قالت زميلتي فيث هيل، فإن 2022 ليست سنة القرارات. لكني، وبعد قراءة كتاب فريدمان، وجدت في نفسي حنيناً لأمرٍ لا يُصدق: ممارسة تمارين رياضية مجهدِة للغاية على أنغام أغاني تينا ترنر في غرفة مليئة بأشخاصٍ آخرين.

كتاب فريدمان يلخص بشكل مقنع التاريخ الحديث نسبياً للياقة البدنية للمرأة، والتأثير واسع النطاق الذي أحدثه روادها، وقد استلهمته من مقال كتبته لمجلة “ذا كات The Cut” بعنوان “التاريخ الجنسي السري لتمرين باري (The Secret Sexual History of the Barre Workout)”. وفي بحثها عن تمارين باري -وهي إحدى أنواع التمارين الرياضية الحديثة لجذب النساء بوعدها بالقوام الرياضي المنحوت- اكتشفت أن صاحبة فكرة هذه التمارين هي الراقصة لوت بيرك، “ناشطة ثورية للحب الحر”، ومدمنة المورفين السابقة، والتي اعتقدت أن التمارين يمكن أن تشجع النساء على ممارسة الجنس من أجل المتعة. تزامنت فصول اللياقة البدنية لبيرك -التي ظهرت في لندن عام 1959- مع لحظة كانت فيها ملابس النساء تحرر من يرتدونها وتعرض أجسامهن في الوقت نفسه. وبالفعل، أُبطلت الوعود التي تقدمها التمارين الرياضية باعتبارها أداة تغيير جذرية من خلال رسالة مفادها أنه يجب على النساء تغيير أجسادهن لتناسب نمطاً محدداً للجمال.

اشتهر كتاب “لنصبح رياضيات” بشخصيات شبيهة بــبيرك مثل: جين فوندا، وجودي شيبارد ميسيت التي ابتكرت تمارين الجاز Jazzercise، وبوني برودين، وهي واحدة من أوائل النساء اللاتي صرحن بوضوح خلال الخمسينيات من القرن الماضي أنه يجب على جميع الأميركيين ممارسة الرياضة، بغض النظر عما أخبرهم به أطباؤهم ووسائل الإعلام. (كانت دائماً ما تتردد عبارة “لقد راقبت المئات من فصول التربية البدنية حول العالم، ولم أر أبداً رحماً على أرضية صالة الألعاب الرياضية”). 

تسلط فريدمان الضوء بشكل كبير على السياق الثقافي الذي كانت تعمل فيه كل امرأة في عصر طفرة مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تشكلت الهوية الأميركية من خلال الإحساس بالوفرة السهلة، وليس الجهد الجماعي. وكتبت أنه خلال الحرب الباردة، ساهمت الأجسام المنحوتة للرياضيات السوفييت في التحيز ضد النساء اللواتي تجرأن على امتلاك أي قوة عضلية على الإطلاق. والرسالة التي كانت موجهة إلى النساء على وجه الخصوص -بعد العمل والسعي خلال فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية- هي أنه يجب عليهن التخلي عن القوة “من أجل الوطن والنظام الاجتماعي السليم”.

فكرة أن على المرأة أن تمارس الرياضة من أجل نفسها تتحدى أولاً فكرة أنه يجب أن يكنّ زوجات وأمهات، وتتحدى تالياً الأعراف السائدة لدى الناس. ولم يكن من الممكن تعميم هذه الفكرة إلا بعد تحييدها. تمكنت برودين -وهي سليل مشاكس لديفي كروكيت- من توجيه طاقتها اللامحدودة إلى ما يسمى بالأنشطة الصبيانية مثل التزلج وتسلق الجبال، وكانت قادرة على إقناع النساء بالتمارين فقط عندما تربط الأمر بإحساسهن بواجب الزوجة. كتبت فريدمان أن برودين تمكنت من ترسيخ فكرة أن النشاط البدني القوي يمكن أن يكون طريقاً مرغوباً فيه للجمال والرفاه والجاذبية الجنسية. وقد كانت هي الصيغة التي بقيت سائدة طوال القرن الماضي.

في العقود اللاحقة، حطمت النساء الأهداف والقواعد والأرقام القياسية؛ ومع ذلك، كانت الأعراف المجتمعية تذكرهن بأن أجسادهن كانت موجودة كأشياء يجب فحصها ومعاينتها، وليس فقط اختبارها. كانت أولى رياضيات سباقات المضمار اللواتي ظهرن على غلاف مجلة “سبورتس إلسترايتد” في عام 1964، عضوات في نادي “تكساس تراك”؛ وهي مجموعة تأسست -كما كتبت فريدمان- لإثبات أن “العدَّاءات من النساء يمكن أن يركضن بسرعة ويحافظن على أنوثتهن”، ومن هنا دخلت الرياضيات إلى المنافسة بمكياج كامل وشعر ملفوف ومرفوع للاعلى بشكل متقن. كان Crazylegs -وهو اسم جل حلاقة من “إس. سي. جونسون”- الراعي الرسمي لأول سباق ركض على الإطلاق شمل جميع النساء في أميركا، كما ظهرت سيدات مجلة “بلاي بوي” في زي أرنب عند خط البداية. إن الشعار التقدمي الذي بشرت به جين فوندا في تمارينها -الذي ينص على أن المرأة يجب أن تسعى للقوة والرياضة لذاتها- أصبح مشوشاً -كما كتبت فريدمان- بسبب “واجب ثقافي يحتم على المرأة السعي جاهدة لتحقيق الكمال البدني”. وبدلاً من تحريرهن، أضاف تعميم التمارين الرياضية عنصراً آخر إلى قائمة ما يجب على النساء فعله (السعي للحصول على أفضل جسد على الإطلاق).

ومع ذلك، كانت فريدمان في صف اللياقة البدنية. وبعد أن انتهيتُ من كتابها وتعرفت على الشخصيات التي تأثرت بها (توفيراً للوقت: كثير منهن في الثمانينات والتسعينات من العمر، وما زلن يمارسن الرياضة، ويتمتعن بالحيوية والنشاط وينعمن بحياة اجتماعية سعيدة)، انحزت أنا أيضاً إلى هذا الجانب. كان كتاب “لنصبح رياضيات” واضحاً في تقييم العيوب في حركة اللياقة البدنية، مثل: رسائلها المختلطة، ونشرها للمُثُل السامة، واستبعادها طويل الأمد للنساء ذوات القدرات المختلفة، والنساء البدينات، وخاصة النساء ذوات البشرة الملونة. عندما كتبت فريدمان عن انتشار رياضة الجري خلال السبعينيات إلى حد كبير بين البيض، كان “الأميركيون الملونون يخاطرون بسلامتهم في كل مرة يرتدون أحذية رياضية في الشارع”، من المستحيل ألا نحزن على أحمد أربيري، والشوط القصير الذي قطعناه في هذا المشوار.

لكن فريدمان تفهم أيضاً الأبعاد المختلفة للقوة، وكيف يمكن أن يؤدي نوع ما إلى نوع آخر، فقد كتبت: “عندما تصبح النساء أكثر كفاءة جسدياً، فإنهن يتغيرن”. يمتلئ كتاب “لنصبح رياضيات” بقصص الإناث اللواتي يأتين إلى فصول التمارين الرياضية بسبب الشكل الذي يردن أن يصبحن عليه، ولكنهن يبقين بسبب شعورهن بأنهن قويات ومدعومات داخل هذه الفصول التفاعلية. لتوطين بعض الأدب الأساسي في السبعينيات بشكل خفيف، كان الشعار الأساسي هو أن أجسادنا هي أنفسنا، والسعي وراء اللياقة البدنية – ليس لأسباب جمالية، بل لتحقيق الذات والقوة الجماعية- هو قضية نسوية.

هذا المقال مترجم عن theatlantic.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني