كيف تصنع مهاجراً لبنانياً في 11 خطوة؟

في نهاية اليوم، سنكون مجرد أشخاص آخرين ينزلون من طائرة في بوسطن أو اسطنبول أو المنامة أو باريس أو دبي، يجاهدون للحفاظ على رباطة جأشهم في وجه الظروف التي تجبرهم على تغيير جلودهم، تماماً كما كان على أجيال اللبنانيين أن يفعلوا قبلنا.

 أولاً: امنحنا شيئاً لِنحبه. 

اجعل البلد في غاية الروعة ومنتهى السخاء والكرم؛ اجعله مليئاً بمن منحونا الحياة والدعم، لتظل قلوبنا مقيدة بالانتماء بقيد المحبة العابرة للأجيال وأيام الصيف الطويلة برفقة الجيران، وجماعات الأصدقاء وأبناء العمومة الذين يملؤون مقاعد أفراحنا بالمئات، وكلهم لا غنى عن وجودهم. اجعل الآباء يدللون أطفالهم بحنانٍ لا نهاية له، مهما كبروا ومهما بلغوا من العمر. اجعل الغرباء أيضاً أفراداً من العائلة.

اجعل البلد يشع بحرارة هذه الألُفة الدافئة، بملمس شمسٍ لا يطول غروبها، لذا يمكننا دائماً أن ننهل منها، وأن يغمرنا دفؤها، وأن نقسم بها، وأن نُلبسها ثياب الحجة والاعتذار والأمل، راجين أن نرتوي منها إلى الأبد. لنتمكن من الانضمام إلى شجرة العائلة التي تتمدد فروعها في عطلات نهاية الأسبوع، حيث تنتشي غصونها العليا بالقهوة، بينما تجمع براعمها الخضراء قشور حشرات الزيز في الظل.

ثانياً: امنحنا هدفاً نعيش من أجله. 

هذا الانكسار الواضح، ألا يمكن جبره؟ بلى، لابد أن الأمر ممكن؛ وإلا لمَ يحتاج إلى الكثير من الإصلاح؟ يمكنك أن تسمعه هنا يئن من أجل مسحة من الرعاية والاهتمام؛ كما لو كان نداءَ مغوياً : ألا يحب أحدنا أن يشعر بأن هناك حاجة إليه، وأن وجوده ذو قيمة، بما أنه ما من مكان آخر نفضل العيش فيه؟ ألا يمكننا هذا من تسويغ تهميشنا لتحذيرات جيل الحرب، ويجعلنا نطلق العنان لأنفسنا على مدرج بناء الأمة، كل على طريقته الخاصة، جنباً إلى جنب مع أي شخص آخر يطمح إلى رؤية دولة حقيقية ملائمة للعيش؟ نقول لأنفسنا وللعالم: انظروا، ليس كل شيء سيئاً؛ سنقضي على عدوى الفساد بالمطهّر، سنجتث العفن، ونربأ الصدع ونجبّر الكسر، سنتخلص من حمل الأعباء، ونخيط الجرح، [ونسد التمزق]…

ثالثاً: امنحنا رؤية إيجابية، يمكننا أن نلمسها تقريباً. قد يكون ذلك على هيئة شبكة كهرباء يمكن الاعتماد عليها، شفافية الإجراءات القضائية، الحياة السياسية المبنية على المؤهلات والبرامج والمنصات المدروسة، عودة الشواطئ المغتَصَبة إلى المجال العام، خروج المياه الصالحة للشرب من صنبور عادي في متناول أيدينا، أن نرى فرصة لأطفالنا كي يكبروا ويشبوا هنا، وأن تلاحق أعيننا أجسادهم الصغيرة في زيهم المدرسي الصغير مدعومة (ومعززة) بأبسط المستلزمات الأساسية. انظر إلينا هنا ونحن نجتهد بعقولنا وقلوبنا، وكل أداة لدينا لتحمُّل القبح، والعنف المتفشي، والظلم المستشري في كافة الأنظمة والمؤسسات، انظر إلينا ونحن نكافح هذه الحيوانات التي ترتدي أربطة العنق؛ حتى تتركنا وشأننا، أو نجهز عليها؛ انظر إلينا ونحن ننتظر بشغف تضخم تلك الموجة: ذلك التسونامي الذي طال انتظاره، الذي سيغسل هذا القبح. إنه تقليد لبناني عتيق، يقضي ببذل المرء ما في وسعه حتى تتمزّق أوصاله من أجل عبور الفجوة بين ما هو كائن وما يمكن وما ينبغي أن يكون. إن ألم ذلك العبور، والوجع الذي يضرب كل أوصالنا هو أصدق انتماء للبنان، بل أصدق من جواز السفر نفسه.

رابعاً: سبب لنا بعض الاضطراب. هذا هو الشيء الذي يبعدنا عن مرض الشعب (الأمة)، ويلهينا عن معالجة وتغيير الوضع الراهن، دافعاً إيانا إلى نوع من الإجراءات التي يشترط الوضع الراهن نفسه رفضها. 

خامساً: امنحنا الأمل.  دفق المواطنة، وبهجة المقاومة، وسحر قول الأشياء كما هي. أن نقول لجميع وجوه الأخ الأكبر الملصقة في جميع أنحاء البلاد، بابتساماتهم المتكلفة التي تشجعنا على حشد حبنا لهذه الانتخابات كما فعلنا في المرة السابقة: ما تحتاجونه هو مكافحة الآفات، لا الأصوات الانتخابية. تفاصيل كل جريمة تستحضر بدقة، وكل حقيقة مستعادة، وكل أمنية جميلة، تنتقل من الحناجر إلى سماء شاسعة، تماماً مثل النشيد الوطني الأصلي.

سادساً: استنزفنا ببطء حتى يتلاشى الأمل، لكن من دون أن يموت؛ يالها من مذبحة مشروعة وفاشلة. فلندع الانهيار الاقتصادي وفيروس كورونا يُتِّمان ما بدأه الغاز المسيل للدموع ووحشية الشرطة. الثورة مازالت قائمة، لكنها خاملة فقط. ما زلنا ممتلئين بتضخمها (مترعين بذروتها)، لكنها مقلوبة فحسب: ذلك الفراغ المؤلم الذي يتبع ضعف الرغبة، والطلب، والإصرار، واكتشافنا لبلد أكثر صدقاً وإشراقاً في كل منا، لكنه لا يزال بعيد المنال. خسارة غريبة، لا تصيبك باليأس ولا تعلقك بأمل. نحن معلقون في الهواء، تحت التهديد الدائم بالمرض، وبحقيقة مشاهدة انهيار شامل آخر لنظامنا الاقتصادي، متسائلين: إلى أي مدى، وبأي سرعة يمكن أن ينهار؛ وماذا ومن يستطيع مقاومة الانهيار معه؟ إنك تتمدد لأسفل بحركة بطيئة، كما لو كنت جسيم واعٍ بذاته على حافة ثقب أسود.

 سابعاً: فجّر مدينتنا، حرفياً. لا تتوان في زرع نترات الأمونيوم وسط مدينتنا، وفجرها إلى فتات، ثم اصمت حين نجتمع مثل النمل لأجل طقوس الحداد، ومشاريع إعادة الإعمار، ومحاولات إعادة بناء الجدران حول ساحاتنا الداخلية التي لن تعود الحياة فيها إلى ما كانت عليه من قبل أبداً. شاهِدنا ونحن نختار مقابض جديدة للأبواب الأمامية المخلّعة، ونحن نبحث عن أوصياء جدد على الأيتام، ونحن نرفع دعاوى قضائية جديدة للآباء الذين فقدوا فلذات أكبادهم. شاهدنا ونحن ننتقي سلسلة من الكلمات التي ألفناها لوصف حزن جديد لا يوصف، كلمات سرعان ما نلفظها، لأنها لن تكفي أبداً. شاهدنا ونحن نذهب لتناول العشاء في الجبال، لأن الأشباح في بيروت ما زالوا ينزفون، فنخشى أن نجرحهم بخطواتنا، لكننا نشعر بمرارتهم في طعامنا.

 ثامناً: في الوقت الذي ننشغل فيه بتلمس طريقنا، جرّدنا من أساسيات الحياة الكريمة. اجعل مدخرات عمرنا رهينةً محتجزة لدى البنوك التي كان من المفترض أن تحميها. اجعل المدرسة والطعام أغراضاً كمالية (فاخرة للغاية). اجعل الوقود والديزل شحيحين للغاية في الأشهر الأشد حرارة، ليعم البلاد الظلام بصحبة الأرق والثلاجات التي يتعفن الطعام داخلها. أما في أكثر شهور السنة برودة، فسيحرق الناس غاباتهم للحصول على الوقود. امح كل فرقٍ بين السوق السوداء والعادية ليدفع الفساد واليأس الأسعار إلى تجاوز حدود العبثية. اجعلنا نشعر بعدم الأمان في كل ما يمكننا وما لا يمكننا الحصول عليه. دع  الحاجة والبحث المضني عن احتياجاتنا (الحاجة الآنية للبحث عن الأساسيات)  يشلان قدرتنا على الإبداع والنمو. دع أطباء الأطفال يحثون الأمهات اللاتي نضب حليبهن على الرضاعة بأي ثمن بسبب ندرة الحليب الاصطناعي. دع الأطفال يموتون من الآلام والأمراض التي خرجت من قائمة مسببات موت الأطفال منذ قرن مضى: حمى خفيفة، لدغة عقرب. دع مرضى السرطان الذين لا يملكون وقوداً في خزانات سياراتهم يجوبون البلاد بحثاً عن جرعة واحدة من الأدوية الضرورية لعلاجهم، ولا يجدونها.

 تاسعاً: اجعل البؤس مشهداً وطنياً عاماً، بحيث لا يفلت أحد من التعرض لكل أشكاله. انشره في كل مكان كما تفعل مع بعض الإنجازات التي تفتخر بها. تأكد من أنه ما من مهرب من شهود هذا البؤس، حتى يصبح بؤس كل فرد -إذا لم يكن بؤس الجميع- واقعاً وشيكاً. انشر البؤس حتى ينضب ينبوع الإبداع لدى الآباء فيعجزون عن شرح الأشياء لأطفالهم الأذكياء والفضوليين. هم الأطفال أنفسهم الذين لن تسمح لك البنوك بدفع مصاريفهم الدراسية، وهم أنفسهم الذين تفضل الدولة الفاشلة أن تضحي بأرواحهم وإمكاناتهم مدى الحياة بدلاً من تقديس حقوقهم واحلامهم. دع الرائحة النتنة للهلع تغمر البلاد في غمضة عين، بينما نتعلق بأطواق النجاة من خلال تخيل أفضل الاحتمالات بحثاً عن الأمان. 

 عاشراً: اجعلنا نختار بين من نحبهم في أداء واجباتنا نحوهم. احرص على أن تضعنا أمام خيارين: إما أن نلزم والدينا وأجدادنا في أوقات الكوارث غير المسبوقة لمساعدتهم في درء أعبائهم المتزايدة، ومحاولة استعادة القليل من الكرامة التي يستحقها كل إنسان بلغ به العمر مبلغاً، وتأمين وصولهم إلى أحفادهم؛ أو نصطحب أطفالنا إلى أي مكان يوفر لهم السلامة الجسدية والطبية والعاطفية والبيئية والتعليمية الأساسية. اجعلنا نختار أن نترك الأشخاص الذين ربونا، وأن ندير لهم ظهورنا عندما تكون منازلهم مظلمة وجيوبهم خالية ولم يعد من الممكن توفير أدويتهم، لأن لدينا أطفالاً نريد أن نبقيهم على قيد الحياة. يخبرنا آباؤنا -الذين لم تنل منهم الكوارث بقدر ما نالت من الآخرين- بما يقوله الآباء اللبنانيون عادةً لأطفالهم: افعلوا ذلك من أجلنا، اخرجوا من هذا الجحيم.

حادي عشر: شاهدنا ونحن نحجز بطاقات رحلتنا. في كل مرة نتخلص فيها من ذعرنا ونلتزم بالبقاء، نشعر بالصدمة من جديد فور أدراكنا أن كل شيء هنا يُدفع ثمنه بالدم: العدالة التي نسعى إليها، والمظالم التي نسعى لرفعها؛ حتى نشعر باليأس الكافي للتأكد من أن بقاء أطفالنا لم يعد ممكناً. في نهاية اليوم، سنكون مجرد أشخاص آخرين ينزلون من طائرة في بوسطن أو اسطنبول أو المنامة أو باريس أو دبي، يجاهدون للحفاظ على رباطة جأشهم في وجه الظروف التي تجبرهم على تغيير جلودهم، تماماً كما كان على أجيال اللبنانيين أن يفعلوا قبلنا. سنخبرك ونحن نستشيط غضباً “أنا محظوظ أكثر من معظم الآخرين”، لأننا كذلك. لم تنكسر القلوب، لأن هذا سيكون هيناً للغاية؛ إن القلوب مزقها الحزن والغضب الذي لا سبيل لإطلاقه ولا يُعرف له انتهاء. لكنها -مع ذلك- لا تزال تنبض، لأنها تعرف جيداً ما يعنيه امتلاء القلب. وطالما كان القلب ينبض، فسيستمر في الحنين والتخطيط، حتى لو كان ذلك بهدف التأقلم مع هدوء ذلك البلد العملي (الوظيفي) الآخر ؛ ذلك المضيف الكريم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني