شهادات من “مجتمع الميم” العراقي:
نحن هنا و”LGBT واحد منكم”!

"أن تبحث عن صديق يتقبل ميولك، هو أشبه بمعجزة في العراق، ستكون حبيس اسرارك وحدك، لانك اذا ما اخبرتهم، قد تعرض روحك للموت، ولن اقول الخطر، فلا خطر اقسى من الموت"

“لكنني احلم، احلم بالزواج من رجل احبه ويحبني، رجل أستطيع أن أمسك يده في الشوارع كما يفعل الآخرون في بلدان ثانية، لكن والدتي تصر على تزويجي من امرأة، اتخيل كم من أشخاص تزوجوا وانجبوا أطفالا، وهم لا يميلون للجنس الآخر”. 

هكذا سنبدأ حكايتنا، وسنكتب اسماء ثانية  مستعارة، غير تلك التي يعرفنا بها المجتمع. نغير أسماءنا كما نغير ميولنا أمام مجتمعنا العراقي. حتى كاتب/ة الموضوع، سيتخفى تحت اسم وهمي، لأسباب أمنية. ذلك أن في العراق، يمكن ان تقتل اذا كتبت في هذا الباب. سيطلقون عليك النار تحت اشعة الشمس وامام الكاميرات، وبوجوه واضحة، تحكم الحياة والبلد، لكنك بالتأكيد، لن تجرؤ حتى على الحديث باسمك الصريح “كصحافي” عن معاناة فئة ليست بالقليلة، تعيش معنا، لكنها تنشر الحب في الخفاء والظل، خوفا من القتل.

الحرب قائمة عليهم 

يعيش مجتمع الميم في العراق “حروباً” طويلة، واقصاء متعمداً في مختلف المحافظات. فلا فرق بين العاصمة “التي تبدو أكثر انفتاحا من المحافظات الاخرى” وبين المدن الثانية، بالكراهية والتجريم والتكفير لهم، حتى أصبحوا مهمشين للغاية، وخائفين للغاية، من أن يكتشف ميولهم أحد، ويجعلها “حجة” للتصفية وادعاء الفضيلة. وعلى الرغم من كثرتهم، إلا أن جميع من قابلناهم، أكدوا أن من يعرف بميولهم، هم “احبتهم فقط” وأصدقاء مقربين، يؤمنون بحرية الآخرين: “أن تبحث عن صديق يتقبل ميولك، هو أشبه بمعجزة في العراق، ستكون حبيس اسرارك وحدك، لانك اذا ما اخبرتهم، قد تعرض روحك للموت، ولن اقول الخطر، فلا خطر اقسى من الموت”، يتحدث ماجد، وهو اسم مستعار لطالب جامعي عن حياته، التي تكاد تكون جحيماً، بسبب المضايقات التي يتعرض لها “لدعمه حقوق مجتمع الميم”. يقول إن أحداً من الذين يهاجمونه، لا يعرفون عن ميوله شيئا، يهاجمونه فقط بسبب مساندته القضايا الإنسانية الخاصة بهم. ثم يسأل بشيء من القلق: “ماذا لو عرفوا بميولي؟ ماذا سيفعلون؟”.

بعض زملائه في الجامعة يتجنبونه منذ أن كتب منشوراً على مواقع التواصل الإجتماعي يقول فيه انه يدعم مجتمع الميم:”نقلوا منشوري لعميد كليتي الذي فصلني لثلاثة أيام، كما وقام بعض من الطلبة بتهديدي بالتصفية الجسدية علناً إذا ما شجعت على “الفسوق” مرة اخرى”. منذ تلك الحادثة، “وأنا صامت”، يقول ماجد، و”حتى اقرب اصدقائي الذين يشبهون افكاري ظاهرا، صرت اخشى ان اقول لهم اني مثليّ”.

يؤكد ماجد انه حاول مرة جس نبض عائلته “المنفتحة” نوعا ما، حول قضية وجود المثليين في العراق، ليفاجأ بوالده، الذي يعمل في وزارة الثقافة، وقد جنّ جنونه وراح يقول: “اني لو عليّ لقمت بتقطيعهم وحرقهم امام الجميع، ليكونوا عبرة للاخرين”. 

يوضح ماجد، انه مرة وضع حلقة في أذنه ودخل مكان عمله، فقام الجندي الواقف “لحراسة مقر العمل” بايقافه، والسخرية منه امام الجميع “انت طنطة وتلبس سوالف مال مخانيث؟”، ورفض دخوله إلا بعد خلع الحلق “وحينما واجهته ودخلت عنوة، ارسل لي الادارة الخاصة، التي بدورها طلبت مني خلع الحلق”. ويبين ماجد، ان المشكلة ليست مع الحلق، بل لاعتقادهم انها اشارة إلى مثلية من يرتديها: “الموضوع لا علاقة له بحلق او قلادة او قميص وردي نحب ارتداءه، لكن المجتمع السطحي، يعزز رفضه لنا، عن طريق تحجيمنا وحصرنا بزاوية محددة، يمكنهم من خلالها استهدافنا وتصفيتنا. زميلة لي ليست مثلية، لكنها تقص شعرها دائماً قصة رجالية قصيرة، الأمر الذي يدفع كثيرين  لسؤالها دائماً بسخرية “تودين ان تنامي مع امرأة دون ان تعرفي كيف؟”، لكن الحقيقة، يقول ماجد، هي ان المثليين في العراق يمكنهم التخفي بطريقة سهلة، ويمكنهم الزواج والإنجاب حتى، فقط لإبعاد العيون والشكوك”. 

إقرأوا أيضاً:

وجع ابدي 

في عام 2018، قتل شاب من مواليد 2003، يدعى حمودي المطيري، فقط لشكوك حول ميوله الجنسية، اذ تم شق بطنه واستخراج احشاءه، وتصوير مقطع فيديو له وهو يموت تدريجياً، فيما يسخر قتلته -الذين لم يلق القبض عليهم حتى اللحظة- منه أثناء تصويره بقولهم له: “أين حبيبك ونحن نخرج احشائك؟”، فيما كان هو يستنجد بهم، ويطالب برؤية امه قبل وفاته. 

قبل فترة وجيزة أيضاً، تعرض طفل، لم يتعدّ عشر سنوات، للضرب المبرح والتعذيب والحبس، بحجة أنه “مثلي الجنس”. 

يؤكد اقارب الطفل، انه ليس مثليا، وكأنهم يبعدون “تهمة” شائنة عنهم. لكن زوجة والده، لتصفية حسابات عائلية، أطلقت عليه هذه “التهمة”، حتى ينبذ من محيطه العائلي. هكذا تحول حتى المدافعون عن الصبي إلى معنّفين له، عبر الدعوة له بـ”الهداية”، وتوجيه كلام لا يقل سوءاً عن التعنيف إلى طفل صغير، مثل “يحتاج له تربية، اي عفية زين تسوون بي”، “هو مفروض يربوه بعيد عن التصوير والفضايح، الله يهديه” “صح قاسين شوي وياه بس شنو بأيدهم؟! اول وتالي يتحاسبون”، فلا رحمة او تقبّل، لإي فرد، كان، طفلا او شابا، او رجلا طاعنا بالسن، إذا كان موصوماً بهذه “التهمة”. 

كرار نوشي 

ولا ننسى مقتل الممثل المسرحي وطالب الفنون الجميلة كرار نوشي ، البالغ من العمر 27 عامًا، وذلك بعدما عثرت السلطات العراقية على جثته غارقة بالدماء، وملقاة في إحدى الساحات في شارع فلسطين، شرق العاصمة بغداد بعد تعذيب وحشي بحق جسده ووجهه الجميل. نوشي كان محباً للحياة والالوان، يرتدي الثياب الملونة والساطعة، قميص اصفر فاقع وبنطال اخضر، وشعر اشقر ذهبي، لكن مظهره الخارجي الطبيعي هذا، كان سببا لمقتله، إذ تعرض وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكثير من الضغوطات والتهديدات بسبب ثيابه ولون شعره، اذ “اتهموه” بالمثلية “والشذوذ، ووجهوا له عبارات على وزن “شاذ، فاجر، كافر، زاني…”، لكنه بقي مبتسما أمام جميع حملات التحريض والتنمر، حتى تم اختطافه قبل خمس سنوات، ووجد مقتولاً بعد يومين من خطفه وتعذيبه. 

“رجل القرفة”

واحدة من القصص التي نُشرت، كانت بعد تسريب مقطع فيديو لرجل كبير في السن في احدى المحافظات الجنوبية، بوضع حميمي مع رجل آخر، فخرج الرجل لتبرير الفيديو بقوله “قام بوضع مخدر لي في القرفة” ومنها بدأت المطالبات بقتل “رجل القرفة” حتى امست كلمة “دارسين” وهي القرفة باللهجة العراقية، كلمة متداولة في المجتمع للسخرية والتنمر على الرجل، ولم يهدأ للمتنمرين بال إلا بعد ان أقدم ابنه على سحله وقتله! 

“بلوكة” 

احدى الحملات التي انطلقت ضد أفراد مجتمع الميم في العراق كانت عام 2009، بشعار “اضربهم بالبلوكة” وتبنت هذه الحملة، إحدى ميلشيات العراق، محرضين على قتل المثليين، عبر ضربهم بواسطة حجر بناء كونكريتي كبير(البلوكة) على رؤوسهم. وركزت الحملة على المراهقين والشباب الذين كانوا يرتدون الثياب السوداء متأثرين بفكرة “الايمو والميتال والروك” فتم حرمانهم من ارتداء ما يحبون، كما قامت ميليشيات مسلحة بمباركة من تنظيم القاعدة “في المناطق السنية” على تعذيب وقتل كل من يطيل شعره، او يرتدي ثياباً لا تتفق مع الشائع، او حتى وضع “مثبت الشعر” او لبس بنطالاً بخصر متدني.  ففي الوقت الذي كانت الميليشيات الشيعة والسنية تتقاتل على ضفتيّ النزاع في البلد، اتفقوا جميعاً على قتل “المختلف”. وحتى مع مرور سنين وتبدّل الأحوال والموازين، لم يتحسن وضع أفراد مجتمع الميم، وبقي التهديد لكل من يحاول التعبير عن هويته الكويرية.

اختفاء آخر غير مروي  

سارة، وهو اسم مستعار اختارته لنفسها، تروي لنا حكاية صديقتها التي اختفت من دون ان يدرك احد عنها شيئا. اسمها رفيف، ضبطت عائلتها رسائل حب نصية على هاتفها الخلوي أرسلتها إلى حبيبتها: “بعد ان عرفوا بميولها، قاموا بأخذها إلى أحد الدجالين من اجل القراءة على رأسها واستخراج “جني” يدعوها لفعل هذه الممارسات، فما كان من “الشيخ” الا ان طلب من أمها ان تخرج من الغرفة، وتبقى رفيف لوحدها معه، فصار يعتدي عليها جسدياً بحجة إخراج الروح الشيطانية، واعادتها الى رشدها”. تروي سارة ان هذا الشيخ تمكن من الاعتداء على رفيف سبع مرات، وكانت في كل مرة، تروي لصديقتها ما يجري معها وأبلغت عائلتها لكنهم لم يصدقوها: “امها كانت توبخها وتضربها وتقول لها (خافي الله) انت تتبلين على الرجل لتبقي داخل قوقعة الخطيئة”.

 في احدى الليالي تمكنت رفيف من الهروب من منزلها، والتوجه الى أقاربها، الذين بدورهم، اعادوها الى عائلتها، لتختفي بعد ذلك، ولم يُعرف عنها شيئ. 

الشرطة “النصوحة” 

توضح سارة أنها حاولت مرارا وتكرارا التوجه الى منزل صديقتها من اجل الاطمئنان عليها. هي تتابع صفحتها في فايسبوك باستمرار، حيث كانت تهاجم وبشدة رجال الدين والمشعوذين والأهالي الذين لا يحترمون ميول ابنائهم: “كانوا في كل مرة يخبرونني بأعذار مختلفة، مرة قالوا انها مسافرة، ومرة قالوا مريضة، بعدها اصبحوا لا يفتحون الباب لي مطلقاً”. 

لدى سارة شعور، تبوح به مع فيض من الدموع، بأن عائلة رفيف قد قتلتها:”كانت تحب الحياة، ولأجل ذلك، قمت بالشكوى للشرطة المجتمعية عن اختفائها، ولما سألوني عما اذا كنت استطيع ان اشرح لهم الاسباب التي قد تدفع ذويها لقتلها او سجنها على اقل تقدير، اطلقوا ضحكة عالية، وقال احدهم بوقاحة “قولي انها تبحث عن عضو تناسلي انثوي” وأجابت ثانية “عبالي اكو شي، طلعت تدور بنات، عيني ما نتدخل بهيج مواضيع”، هكذا بكل سهولة اقفلوا الموضوع بوجهي وطلبوا مني عدم مرافقة “هكذا نوع من الفتيات”.

LGBT واحد منكم 

اما نداء، وهي امرأة تزوجت بالإكراه مبكرا، واستطاعت بعد ايجاد عمل لها ان تنتج في نيل الطلاق، تحاول ان تعيش في العراق في ظلّ وضع حقوقي وإنساني مزر لأفراد مجتمع الميم. فهي لا تستطيع حتى التفكير بالسير يداً بيد مع رفيقتها، ولا تستطيع طبعاً ان تعلن مثليتها: “كلما سافرت ورأيت امرأتين او رجلين يمسكان يديّ بعضهما شعرت بوخزة حسرة وألم في قلبي، فنحن في العراق لا نفكر بتلك التفاصيل لانها بالنسبة للمثليين تعدّ ترفاً. نحن لا نريد اكثر من ان يتركنا الجميع وشأننا، ان لا نضطر للدفاع عن أنفسنا فقط بسبب الشكوك حولنا، وانا اعتقد ان هذا الامر لن يتم حله حتى بعد مئة سنة في بيئة محافظة كالبيئة العراقية. سنبقى نعيش في الخفاء، ونحب ونمارس ميولنا بخوف وحذر شديدين، ولن يتمكنوا من تبديل هويتنا او اقصائها، مهما حاولوا”. 

تسترجع نداء الصورة التي انتشرت أيام ثورة تشرين العراقية، لايادي متظاهرين باصابع ملونة بألوان راية مجتمع الميم من ساحة التحرير مع عبارة “LGBT واحد منكم”، على الرغم من أنها كانت صورة واحدة، وملتقطة خلال الليل، ولا تظهر وجوه أصحابها، بل أصابعهم فقط، إلا أنها دليل على وجود مجتمع الميم في العراق: “نحن هنا جزء من المجتمع، عليكم ان تتقبلوا هذا الأمر، وتتركونا نعيش!”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني