في ذكرى تنحي مبارك: هل خسرنا كل شيء؟

في كل  عام، في ذكرى الثورة يُطرح النقاش عن هزيمة الثورة: لقد هُزمت الثورة حقًا، لكن هل خسر المشاركون فيها كل شيء؟ 

كانت أحلامنا عادية جدًا؛ أن ترحمنا آلة القمع، أن يكون هناك اختلافات فكرية وسياسية في البرلمان، أن تتبدل الحكومة، أن يتوقف التعذيب. لم تكن الثورة في الحسبان، لكن الجموع كان لها رأي آخر: ثورة كاملة ضد النظام ورئيسه. فجّر الشعب غضبه في وجه نظام ظن أنه باق إلى الأبد. 

 في 11 فبراير 2011، كان اليأس قد تسلل إلى نفوس بعض النائمين على أرصفة ميدان التحرير. كان عدد منهم يُغني ليكسر الملل، أو يُشعل نيرانًا  ليخفف من قسوة البرد. أذكر أنني نظرت إلى آخر 10 جنيهات في جيبي، لا تكفي لشراء أي شيء: “سنأكل مع أول مجموعة نراها تأكل ونحتفظ بهذه الورقة للظروف غير المتوقعة”.  هكذا قلت لصديقي الذي ضحك على أننا لم نعد خجولين من أن نأكل من طعام أناس لا نعرفهم. ثم أطل علينا مبارك بخطاب التنحي، كان خطاب تسليم السلطة من ديكتاتور لآخر.  من لم يؤمن بالثورة، آمن.. بعض من كانوا ضد الثورة احتفوا بانتصارها، بعد أن رسموا على  وجوههم أعلام مصر.

سألت صديقاً في الميدان بعد أن تنحى مبارك، وكنت مشوش الذهن حينها: أليس مبارك هو من اختار المشير طنطاوي لقيادة الجيش؟ كيف يمكن أن يكون مخلصًا للثورة؟! على أي حال سأحتفل مع الناس. المعركة لم تنته بعد، طنطاوي لم يكن مُخلصًا لشيء سوى للفكرة، والفكرة هي أن يبقى الوضع كما هو  عليه، حتى لو تغيرت الشخصيات والوجوه، أن تبقى مصر قامعة لأهلها، دولة ديكتاتورية، يحكمها نظام سلطوي عسكري، لا مكان فيها لأصحاب الآراء المختلفة سوى السجون. ظهر عداء الجيش للثورة بعد أيام قليلة من الثورة.

 عندما أدركت الحشود أنها خُدعت من الجيش عادت إلى الشوارع لتهتف ضد الحكم العسكري، عندها راج هتاف “يسقط حكم العسكر” في الشوارع. ظهر الوجه الحقيقي للجيش، وبدأت صورة العسكري وهو يحتضن المواطن وعيناه غارقتين في الدموع تختفي تدريجيًا ليظهر مكانها العسكري بهراوته التي يضرب بها الناس، أو بسلاحه الذي يصوبه عليهم. لقد بدأت رصاصات الجيش تخترق رؤوس الهاتفين والهاتفات، كان منظر الجيش والدبابات بشعًا وهو يهاجم الميدان، كيف يفعل الجيش هذا ضد متظاهرين؟ نحن في قلب القاهرة، لسنا على حدود سيناء، لو كنا هؤلاء الأعداء ما كان الجيش ليجرؤ على فعل هذا. 

في كل  عام، في ذكرى الثورة يُطرح النقاش عن هزيمة الثورة: لقد هُزمت الثورة حقًا، لكن هل خسر المشاركون فيها كل شيء؟ 
الثورة، وهي أهم يوم في تاريخ كثر منّا، يعتبرها بعضنا أفضل ما حدث في التاريخ المصري الحديث على مستوى المؤمنين بالحرية، وأسوأ يوم بالنسبة لمن هم في السلطة الآن، يتخوفون من حدوثها مرة أخرى ويحذّرون من ضياع الوطن بسببها، ويعلقون عليهم كل خيباتهم وإرهاصاتهم.  إلا أنها هُزمت، هذا ليس خطابًا تشاؤميًا، هذا واقع نعيشه كل يوم.

 لقد خسرنا على المستوى الشخصي كثيرًا، رفاقنا الذين فقدناهم برصاص الأمن،عيون لم تعد تر النور مجددًا، إصابات جسدية ما زالت في الأجساد ظاهرة، وكل بطش حدث بعد الثورة خوفًا من الثورة. لقد خسرنا منذ اليوم الأول حين احتفلنا من دون وعي. خسرنا عندما صارت أخبار القتل عادية، عندما يقتل شاب إيطالي في بلدنا يدعى جوليو ريجيني بعد تعذيب يحدث لكثير من المصريين من دون أن يسمع عنه أحد. أن يقتل ضيفًا على أرضك بسبب جنون الشرطة. هذه خسارة. هذه إهانة.

 تعمّق الإختفاء القسري أكثر وأكثر، وصار مطار القاهرة الدولي عبارة عن بالوعة تبتلع كل من يشك فيه رجال الأمن. الاختفاء القسري صار عمودًا داعمًا للنظام، بات قانونًا غير مكتوب على الورق. خسارتنا مفجعة بإسكات نقابة الصحفيين واخواتها من النقابات.

إقرأوا أيضاً:

 لم نكسب قناة إعلامية واحدة، لا أحد في الإعلام معنا، حتى اولئك الذين كانوا معنا في الثورة. كل صوت إعلامي أو حقوقي قد يقول غير ما تقوله الرواية الرسمية لا مكان له على الساحة.  كل مصري لم يرتكب جرمًا سوى أن له عقل، قلم، رأي، فكر، أجبر على العيش غريبًا في بلد لا يعرف لغتها ولا ثقافتها. أن يتحول كل شيء في البلاد إلى مسخ مجددًا، وأن تختنق أنفاسك عندما تمر من أمام قسم شرطة لأنك متأكد من أن أحدهم تهان كرامته في هذا المكان لا لشيء سوى لأنه ولد مصريًا. هذه خسارة فادحة.

لكن أليست هناك مكاسب؟ هل خسرنا كل شيء؟ 

هناك انتصارات تتراكم وتغييرات تحدث رغم كل هذا البؤس ، فقد ظهرت مجموعات كبيرة بعد ثورة يناير على الساحة العامة، وكانت الساحة قبل الثورة خالية سوى من وجوه قليلة جدًا. جيل كامل ظهر بأفكاره المختلفة ولا يمكن إخفاؤه بقوة القمع؛ إسكاته مؤقتًا جائز، وجوده فرض.

قضايا كثيرة تُطرح بعد ثورة يناير، لم تطرح قبلها، قضايًا الأقليات فرضت نفسها، وأعني الأقليات كلها من دون استثناء.  التغيير يحدث تدريجيًا، إذا كان القليل يتحدث عن هذه القضايا، فكثيرون يسمعون بعد أن كانوا يصمّون آذانهم، ومنهم من يغير رأيه، وربما يرفع صوته في المستقبل ليحدث تأثيرًا، هكذا تعمل آلة التغيير التدريجية.

لدينا مجموعات كبيرة راجعت أفكارها، أدركت أخطاءها الماضية، ولا يحدث تغيير في مجتمع إلا بالاعتراف بعيوبه قبل مزاياه. تسليط الضوء على عيوبنا من أهم ما يمكن اكتسابه بعد ثورة يناير، أن تعرف خطأك ولو لم تصححه الآن،  هو مكسب في حد ذاته. أما دفن رؤوسنا في التراب فلن يؤدي إلّا الى التراجع. 

رغم أن القمع في أعلى مستوياته إلا أن أصواتاً معارضة لا تزال تتعالى، ولا تغيير يحدث دون انتقاد لمن هم في السلطة.  يقول عالم الاجتماع والسياسة  الأمريكي جاك كولدستون في كتابه “ثورات: مقدمة صغيرة جدًا” أنه “عندما تبدأ مجموعات قليلة في انتقاد الحكومة بدلا من الدفاع عنها، يعتقد الناس أنهم جزء من هذه المجموعة ويعملون معًا على إحداث تغيير”.   

أزعم أيضًا أن الثورة  أثرت في عدد كبير من الناس . وغيرت مفهومهم للحرية، لقد تطور هذا المفهوم لدى كثيرين، بات عدد لا بأس به يؤمن بأن الحرية هي حرية الآخرين، لا حريتنا فقط. الحرية هي إيماننا بأن الآخر يمكن أن يكتب أو يقول أو يؤمن بما يريد، طالما أنه لا يحرض على الدماء ولا الكراهية.

حتى الغُربة قسريًا خارج الوطن، قد  تكون لها أهمية في نقل الحضارات والتجارب الأخرى مستقبلاً. قد تعلمنا كيف نقبل الآخر بعدما وجدنا أن الآخر قد قَبلَنَا.

أزعم أيضًا أن قبولنا للآخر يتغير تدريجيًا، عبر طرح نقاشات في أفكارنا ومعتقداتنا. وجود الأفكار الجديدة تخلق التغيير كما يقول كولدستون “إن انتشار أفكار جديدة له دور مهم في التعبئة الثورية، لذلك تجد الحكام يعاقبون بشدة أولئك الذين يشككون في أفكارهم ومعتقداتهم أو يحاولون نشر غيرها”.

أما فكرة أن الثورة هزمت ولن تتكرر مرة أخرى، فهذه رؤية ساذجة، الثورات لا يتوقعها أحد، كما لم يتوقع أحد ثورة يناير. الثورات قديمة كالتاريخ، يتطور مفهومها من المطالبة بالمساواة أو العدالة إلى المطالبة بالديمقراطية، لكن الفكرة لن تختفي قط.

 إذا قلنا أن أحد أسباب الثورة المحتملة هو الفقر أو عندما تصبح الفروق الطبقية لا تطاق، أو الاعتقاد بأن ظروف الحياة القاسية ليست حتمية ولكنها تنشأ من أخطاء النظام الحاكم، فهذا كله موجود حاليًا، وإذا كان الخوف من الثورة قد اختفى للأبد، ما كان النظام الحالي، الخائف من ثورتنا، ليقمعنا بهذه القوة. 

 انتصارات الثورة الصغيرة تتراكم، شعورنا بالهزيمة يجعلنا لا ندركها، لكن الحقيقة أن  كل قلم ما زال يكتب، وكل عقل يفكر وينتقد ويرفض،  وكل مقال متحرر ينشر في منصة جديدة، وكل محاولات البحث على أمل التغيير،أو تحرير سجين رأي، وكل مراجعة فكرية، وكل نقاش اجتماعي لم يطرح من قبل ويطرح الآن، انتصارات لم تكن لتحدث لولا الثورة.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني