“دويتشه فيللي”: هل تحاصر تهمة “معاداة السامية” كل من ينتقد الاحتلال الإسرائيلي؟ 

تسمية "إحتلال" يجب أن لا تعني "معاداة للسامية"، لأن وجود إسرائيل في الضفة الغربية والقدس لا مسمى ثانٍ له سوى "احتلال".

يردّنا النّقاش الذي يترافق مع طرد قناة “دويتشه فيللي” الألمانية خمسة عاملين فيها بعدما اتهمتهم بنشر تغريدات معادية للسامية، مرة أخرى إلى ضرورة العمل على التمييز بين انتقاد إسرائيل وبين “معاداة السامية”، وهو جهد من المفترض أن يكون متبادلاً، ذاك أن وجود حساسية كافية تميّز بين “اللاسامية” وما رافقها من مآسٍ وعلى رأسها المحرقة، وبين ما تمارسه إسرائيل بحقّ الفلسطينيين من احتلال وتمييز عنصري بلغ ذروته في جدار الفصل الذي أنشأته، أمر ضروري وملح خصوصاً مع تصاعد معاناة الفلسطينيين. 

في صلب هذا الاشتباك يقع النقاش الدائر حول خطوة القناة الألمانية، فتسمية “إحتلال” يجب أن لا تعني “معاداة للسامية”، لأن وجود إسرائيل في الضفة الغربية والقدس لا مسمى ثانٍ له سوى “احتلال”. أما ما عدا ذلك من مجالات اختلاف، فهذا يحتاج جهداً لبلورة تقاطعات حوله، وهو جهد لم تبذله وسائل الإعلام، لا سيما تلك الناطقة باللغة العربية، ونعني هنا قاموس أو كتاب يضع حداً للتأويلات.  

“دويتشه فيللي” وتهمة “معاداة السامية”

“إسرائيل تُمارس حقّها بالوجود بدعمٍ دولي، بينما المستضعف والمحتاج للدعم في القضية هو الفلسطيني”، هكذا أتى ردّ الصحافي والمدرّب اللبناني داوود إبراهيم على أحد الأسئلة التي شملها تحقيق قناة “دويتشه فيللي” حول تهمة “معاداة السامية”.

داوود هو مدرّب متخصص في مجال الإعلام ويعمل بالتعاقد مع “دويتشه فيله”، المؤسسة الإعلامية الدولية لجمهورية ألمانيا الاتحادية، منذ حوالى 4 سنوات. هو واحد من 5 صحافيين فُصلوا من عملهم بعد تحقيقات قادتها وزيرة العدل الألمانية السابقة زابينه لويتهويزر شنارنبرغر، والأخصائي النفسي أحمد منصور، مع العاملين الخمسة، بتهمة التعبير عن “آراء معادية للسامية”، وذلك إثر ظهور منشورات أو مقالات قديمة لهم تنتقد الاحتلال الإسرائيلي.

بدأت القصة باتصالٍ تلقّاه داوود من صحافي ألماني قال إنه يجري تحقيقاً عن “معاداة السامية”، وطرح على داوود بعض الأسئلة حول تغريدات قديمة، إحداها نشرها داوود على صفحته الشخصية عام 2012، وفيها ذكر عبارة “الهولوكوست كذبة”. بحسب داوود فقد تم اجتزاء تلك التغريدة من سياق نشرها وهي تغريدة تعود لأكثر من 10 سنوات، وفي حينها لم يكن داوود على علاقة بالقناة أصلاً ، وتم تقديمها على أنها “معاداة للسامية”. داوود شرح للصحافي الألماني خلفيات التغريدة التي يعتبر أنها أتت في سياقٍ ساخر بعد حملة الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية التي نشرت رسوماً كاريكاتورية ساخرة. بحسب داوود فإن ما أراد قوله من تغريدته هو إثبات أن الحريات لا تتجزّأ ولا تُكال بمكيالين، ولكل شخص حرّية الاعتقاد. 

داوود دأب عبر حسابه على تويتر على نشر تغريدات ساخرة من الواقع تحت وسم “مسامير داوود”. 

تطوّر الأمر لاحقاً، وقرّرت القناة فتح تحقيق داخلي يقوده الكاتب والطبيب النفسي الألماني الذي يحمل جواز سفر إسرائيلي والمعروف بمواقفه الداعمة لإسرائيل، أحمد منصور، وهو اختيار طرح تساؤلات حول موضوعية منصور وما إذ كان تعيينه مدخلاً لقرار الفصل.

قبل التحقيق، طلب داوود وجود محامٍ نظراً لحساسية المسألة، إلا أن فريق التحقيق رفض، كما عارض أيضاً تسجيل التحقيق. إلى أن اقترح منصور لاحقاً إرسال أسئلة التحقيق عبر البريد الإلكتروني، وهذا ما حصل. 

يشرح داوود لـ”درج” أن “الأسئلة جميعها كانت تدور في فلك حق العودة وحق إسرائيل بالوجود والصراع العربي – الإسرائيلي”. ويُضيف، “بات واضحاً محاولة الخلط عمداً بين عبارة معاداة السامية وعبارة معاداة إسرائيل، كل الآليات التي طرحتها القناة في بيانها الأخير تشي بأنها ستغيّر شروطها مع الصحافيين في القسم العربي، وهو ما لا يمكنني العمل وفقه”. 

يرى داوود أن نبش تغريدة قديمة له من دون التذكير بإطارها هو “تضليل”. وهو ما تُشاركه به الصحافية الفلسطينية مرام سالم، التي تصف قرار القناة ضدّها بـ”الهزلي”. 

مرام هي صحافية تعمل في قسم الفيديوات في القناة وتعيش في مدينة بون الألمانية. وبيانها الأخير“. 

التوصيات التي رفعتها اللجنة المسؤولة عن التحقيق لم ترتبط فقط بفصل العاملين، بل بدت أشبه بفرض قيود، أمام الهجمة الإعلامية التي تعرّضت لها القناة. إذ نصّت بداية على توقيع اتفاق مع القنوات الشريكة (بينها قنوات عربية مثل قناة “الجديد” اللبنانية) ينص على “الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، وعدم معاداة السامية”. وتابعت التوصيات بطلب تطبيق مجموعة من الإجراءات، بينها “إجبار الموظفين على محاربة العداء للسامية والاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، على أن يصار إلى اعتماد فريق من الخبراء في رئاسة التحرير لتطبيق هذا الموضوع”. ومن الإجراءات كذلك “توسيع مكتب القدس وتفعيله لتصوير المزيد من التقارير هناك، بهدف إيصال صورة معتدلة وحقيقية عما يجري”. الأمر الذي دفع رئيس القسم العربي في “دويتشه فيله” ناصر شروف إلى تقديم استقالته.

كيف بدأت القصة؟ 

في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر، نشرت صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” تقريراً مطولاً، نبشت فيه تغريدات قديمة للعاملين الخمسة، وأبرزهم اللبناني باسل العريضي الذي يرأس مكتب القسم العربي في بيروت. كما بحثت الصحيفة عن تدوينات أخرى لكل من المدرّب الإعلامي داوود إبراهيم والمحرر في الشبكة مرهف محمود، والصحافية الفلسطينية مرام سالم، والصحافية الأردنية فرح مرقة التي اتهمت بكتابة مقالات معادية لإسرائيل في موقع “رأي اليوم”. 

في 3 كانون الأول/ ديسمبر نشر موقع “فايس” بنسخته الألمانية تقريراً تضمن (screenshots) لمنشورات، سبق أن نشرتها قناة “رؤيا” الأردنية، وصفت فيها الأراضي الفلسطينية بـ”الأراضي المحتلة”. واعتبرت “فايس” أنّ هذه المنشورات “معادية للسامية” و”معادية لدولة إسرائيل”. لتطالب بعدها القسم العربي من “دويتشه فيله” بوقف علاقة التعاون التي تربطها بـ”رؤيا”، وهو ما حصل. ففي 6 كانون الأول/ ديسمبر، أعلنت DW أنها علقت التعاون مع قناة “رؤيا” الأردنية بسبب مخاوف تتعلق بما قالت إنه “محتوى معادٍ لإسرائيل ومعاد للسامية ورسوم هزلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بها”. 

المفارقة، أن هذه الممارسات تفتعلها مؤسسة لطالما حاضرت بحرية الرأي والمعتقد لا سيما لدى الصحافيين، وهي “دويتشه فيللي”، وهنا الاشكالية الحقيقية، إذ أن سياسات القناة التي تحرص على عدم التساهل مع “معاداة السامية” نظراً لحساسية ألمانيا المفرطة تجاه هذا الموضوع وهو أمر مفهوم وضروري، لكن الأمر تعدى ذلك ليصبح ذريعة تبيح التغاضي عن مآسي الشعب الفلسطيني اليومية ومعاناته مع الاحتلال بحجة أن ذلك يثير “حساسية تاريخية”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني